- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

العود الأبدي لسينما المؤلف | القدس العربي

«سأعود بعودة هذه الشمس وهذه الأرض ومعي هذا النسر وهذا الأفعوان، سأعود لا لحياة جديدة.. بل لهذه الحياة بعينها.. لأبشر بقدوم الإنسان المتفوق»
نيتشه

من هو هذا الذي سيعود ومعه النسر والأفعوان؟ وما الذي يريده من هذه العودة؟ ولماذا يرفض الحياة الأفضل كما يروج لها أهل الصلاح؟، وهل بالفعل سيبشر بالإنسان الراقي فكريا وفنيا؟
إنها أسئلة لا يمكن مواجهتها إلا بسينما المؤلف، التي أحدثت أثرا في أرواح بعض الفلاسفة، لأنه إذا كانت الفلسفة قد جربت حظها العاثر، وكادت الثورات الثيولوجية أن تحطمها بواسطة تحريض العوام، فإن السينما كاختراع تقني ذكي، باستطاعتها أن تقتحم لا وعي العامة، وتجعل منه مقر إقامتها الأبدي، ومن خلال هذه الإقامة يمكن الانتقال من سينما الجمهور إلى سينما النخبة المثقفة، وأحيانا الجمع بينهما، انطلاقا من النمو اليومي للذوق. وبما أن ملكة الذوق تنمو بالتربية والتعليم، فإن الانتقال من سينما الفن إلى استطيقا السينما أضحى ممكنا، والشاهد على ذلك أن بعض الأفلام الجميلة فنيا، استطاعت أن تنجح نجاحا باهرا تجاريا، والشاهد على ذلك فيلم «تيتانيك» أو سفينة الأحلام الغارقة، فمخرجه راكم تجربة فنية جعلته يستحضر العنف الرومانسي للحب، ليعلن مع دولوز بأن الحب هو ما يقاوم الموت، وما الفن إلا مقاومة يومية لموت روح الإنسان، وقد علمتنا فلسفة الفن القدرة على التمييز بين مجال التقنية ومجال الفن، ولذلك فإن المخرج الذي ينتج فيلما يقوم في الآن نفسه بإبداع سينمائي، تصوير الفيلم تقنيا، لكن بروح المبدع السينمائي.
والحال أن سلطة السينما أقوى من سلطة الفيلم، ولذلك فإن كل مخرج يتمتع بروح فلسفية، يستطيع أن يتحكم في تقنية الفيلم بواسطة فن السينما، الذي يتطلب مشروعا فنيا، وعمقا فكريا، ولعل دولوز، أدرك هذه الميزة في سكوركوزي وأرسون ويلز وبازوليني، فأفلام هؤلاء كانت فنية إلى درجة أنها نقلت الفيلسوف إلى تلك الكشوفات الروحية، ومن خلالها كتب كتابه عن السينما. فالفيلسوف غالبا ما يكتب إعجابه بالأفلام، ينظر إلى الفن السينمائي، وحين يصل إلى هذه المرحلة، يستشهد بمن سبقوه. ومهما يكن من أمر، فإن لكل عصر سينما خاصة به، تواكب تطور الفكر، ونمو الروح، فعصر الفلاسفة الكبار كانت السينما فيه فنية بنزعة تقنية، وعصرنا هذا أمست فيه السينما تقنية بنزعة فنية، ومعنى انقلاب هذا الجدل هو انقلاب الإنسان على الفكر، وعزوفه على القراءة والتأمل، بل نسيانه لأصله. وما نقصده بالعود الأبدي لسينما المؤلف، هو عودة عصر المثقفين الكبار كذوات فاعلة في المجتمع، تحرض على الثورة الثقافية في جميع المجالات، وما السينما إلا قاطرة هذه الثورة. ينبغي أن لا يفهم من فن السينما أنها مجرد مشاهدة لفيلم في قاعة سينمائية، لأن ذلك سيحولها إلى مقاولة صغيرة، بلغة دومينك شاتو، تسعى إلى الهيمنة من أجل أن تكبر وتحقق أرباحا خيالية، ولعل هذا ما سيقوي المنتج ويضعف المخرج، ويجعله يعيش تحت رحمته، هكذا ستنتصر التقنية على الفن، والصحيح هو منح الزيادة للمخرج والحرية للنقد، حتى لا يكون هناك تأخير للتاريخ والإستطيقا. فالمخرج يبدع تاريخه استطيقيا بشهادة النقاد.
وربما يكون هذا هو المقصود بقولة حنة أرندت أن الفن يصبح نموذجيا في نظر المجتمع، لأنه يقاومه. فهناك سينما، وهناك سينما فنية، والفرق بينهما لا يتحدد بمعيار الزمان، بل بمقياس ثقافي: «فالأفلام التي تهرب من الحقل الثقافي، تبدو لنا وكأنها أشياء تتموج في المحيط لا يمكن التميز بينهما». فالفن المستقل لا يعلن استقلاله انطلاقا من ثورته على شيخوخة الصناعة الثقافية، والاختباء في تلك المقاولات الصناعية الكبرى، من أجل تحقيق النجاح الباهر، كهوليوود مثلا.
فثمة رأي حكيم يقول إن نجاح المخرج السينمائي يتوقف على إرادته المعرفية التي ستمكنه من وضع عمله في الواقع، ووضع الفن في خدمة المجتمع، فمقاومة انحطاط المجتمع بالفن هي من سمات المخرجين الكبار، الذين وقعوا أفلامهم بحبر الفن. لأن المخرج ينبغي أن يدهش بعبقريته الفنية، أكثر من اختراعاته التقنية، فهو بقدر ما يشتغل مع فريق العمل، بقدر ما يبرز فردانيته.

كاتب مغربي

- الإعلانات -

#العود #الأبدي #لسينما #المؤلف #القدس #العربي

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد