- الإعلانات -
العيد، السودان، تونس والغنوشي

ودعنا شهر آخر من رمضان. وبأسلوبه الفريد ولغته وأجوائه الروحانية، أعطى شهر رمضان البشرية جمعاء مفاتيح الانفتاح على جميع أسرار وجوده، حيث قدم لنا الرحمة وأضاء ظلامنا، وذكرنا بما نسيناه، وأيقظنا، وأعاد البوصلة التي ينبغي لنا الهتداء بها دوما. كل عام يأتي شهر رمضان، ليستقر في حياتنا ويحيط بوجودنا ويلبسنا ثوب العبادة والتقوى الذي يناسب وجودنا، ومن ثم يغادرنا على هذا النحو. ولكن يمكننا أن نُبقي رمضان بداخلنا، لأنه شهر يقدم لنا ما يناسب روحانيتنا بشكل أفضل. عندما يودعنا رمضان يأتمننا على القرآن، الذي نزل فيه. لكنه يعود لنا كل عام في، ويعيد تحميل تلك الثقة في قلوبنا ويعرضها على حياتنا مرة أخرى. اللهم اجعلنا من الذين يتسامون بالعبادة في رمضان المبارك، ويستفيدون على أكمل وجه.مثلما يذكرنا رمضان ويربطنا مع أشخاص من الماضي، فإنه يربطنا أيضا بأشخاص آخرين يعيشون معنا في نفس العصر. لا يمر رمضان دائما في جو نموذجي كما يُذكر في كتب الأدب. وللأسف، فإن المحنة التي يمر بها المسلمين محزنة. إذلم تتحسن الأوضاع في فلسطين وكشمير وميانمار واليمن وسوريا.تزداد الأمور تعقيدًا في السودان، ومع الأسف ليس بسبب التدخلات الخارجية في العالم الإسلامي، بل بسبب طموحات القوة داخل العالم الإسلامي نفسه والصراع على السلطة، وهذا الأمرحرم السودان من الاستقرار منذ عدة سنوات. فالقوى المشاركة في السودان لم تقدم أي مطالب ووعود لتجعل بلدها أفضل بالنسبة للشعب السوداني الذي يحلم بالرخاء والسلام والسعادة والعدالة والكرامة الإنسانية والتنمية والتنمية.هناك معركة وصراع للاستيلاء على جهاز السلطة بأبشع طريقة ممكنة مهما كانت النتائج. وللأسف الذين يمتلكون الموارد السياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي لا يكترثون بمشاكل العالم الإسلامي ولا تعنيهم كرامة الشعب ومعايير حقوق الإنسان. وهذا جانب واحد من الصراع الرئيسي، الذي أصبح نموذجا في العالم العربي الإسلامي، والغاية منه الوصول إلى السلطة بأي ثمن كان.كما هو معلوم، ثمة نمطان ومحوران سياسيان في العالم الإسلامي. النمط الأول هو أسلوب السياسة المؤيد للديمقراطية الذي يركز على إرادة الشعوب. والنمط الثاني هو نوع من السياسة القائمة على الأنظمة الاستبدادية، التي تحاول خنق العمليات الديمقراطية بالثورات المضادة والانقلابات. وفي الآونة الأخيرة، كلما كانت هناك خطوة لاتباع سياسة النمط الديمقراطي في السودان، تواجهها خطوة مضادة من شأنها أن تخنق الخطوة الديمقراطية، تمامًا كما هو الحال في بلدان أخرى.لا يمكن النظر إلى هؤلاء على أنهم شعب غير قادر على التوافق فيما بينهم، وأنهم يختلفون فيا بينهم بديناميكياتهم الداخلية الخاصة أو أن هناك صراعات بسيطة بينهم على السلطة. أولئك الذين يقولون إن العالم الإسلامي لا يمكن أن يمتلك القوة، وأنه لا يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه ولا يتدبر أموره إلا بهذه الطريقة الاستبدادية، ويخلطون بين هذه الأمور هم نفس هذه الفاشيات. ومع الأسف يتم تأجيج هذه النار والفوضى وتمويلها، ورعايتها والتحريض عليها من قبل القوى الخارجية.تونس وراشد الغنوشيالحادث الذي وقع في تونس في أواخر رمضان هو مظهر من مظاهر نفس الصراع. ففي ليلة القدر، تم تفتيش منزل راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، ورئيس البرلمان السابق، لمدة ساعتين في مداهمة قام بها 50 ضابط شرطة قبل وقت الإفطار مباشرة، ليتم اعتقاله.الغنوشي 82 عاما، الذي لم يسمح له حتى بمقابلة محاميه، اعتقل وسجن بعد فترة احتجاز استمرت يومين. وقبل اعتقال الغنوشي، تم اعتقال العديد من أعضاء حركة النهضة. ومن خلال الانقلاب الناعم الذي نفذه بعد فترة وجيزة من انتخابه يعامل الرئيس المنتخب قيس سعيد تونس- مهد الثورات العربية- وكأنه محصل للضرائب.حقيقة أن نسبة المشاركة كانت أقل من 10 % في الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في تونس، تكشف بوضوح رد فعل الشعب ضد هذه الإدارة.وكانت محاولة سعيد لتشريع انقلابه تحت غطاء ديمقراطي عبر صناديق الاقتراع قد أخفقت، وأثارت غضبه، وبناء على ذلك اتخذ خطوات انتقامية تمثلت في اعتقالات عدد من رجالات حركة النهضة.وليست حركة النهضة وحدها التي لا توافق على ممارسات السلطة في تونس. إن أي ممارسة يقوم بها قيس سعيد عبر حل البرلمان دون أي مبرر منطقي ثم وضعها موضع التنفيذ في وقت لاحق مرفوضة ليس من قبل حركة النهضة بقيادة الغنوشي فحسب، بل أيضا من قبل قطاعات كبيرة جدا من الشعب. لكن الغضب الاستبدادي ضد هذه المعارضة ربما تم إظهاره على حركة النهضة أكثر من غيرها. لأن الجميع يعلم أن حركة النهضة تمثل إمكانية التوافق بين الإسلام والديمقراطية في العالم الإسلامي، وهذا النمط هو بالضبط الحلم المخيف لمحور الثورة المضادة.إن تعرض الغنوشي- المعروف بموقفه ضد كل أنواع الحركات العنيفة وشخصيته الفكرية القوية جدا طوال مسيرة حياته- لهذه المعاملة هو في الواقع حالة تكشف لنا كل تصورات رؤى الغربيين والدول الإسلامية الموالية لهم حول الإسلام والعالم الإسلامي.في 2012-2013، نصحت جماعة الإخوان المسلمين المصرية بالتصرف باعتدال ومساومة مثل الغنوشي. في واقع الأمر، تعرض الإخوان لانقلاب على الرغم من عدم وجود أي غضب أو ممارسة استبدادية.وبنفس الطريقة كان ينظر إلى أي مدى يمكنهم تحمل ما اقترحه عليهم الغنوشي.الغنوشي، بعمقه الفكري وآفاقه وشخصيته السياسية والروحية وقيادته، هو فرصة عظيمة ليس لتونس فحسب، بل للعالم الإسلامي بأسره. ولن يكون من المبالغة القول إن أسلوب السياسة وطريقة إبرازها من الناحية الفكرية والفقهية لديه، يشكلان أسلوباً من أصول الفقه في العلوم السياسية الإسلامية.إن إجبار مثل هذه القيمة العظيمة (وغيرها من العلماء المسلمين المحتجزين في زنزانات البلدان الإسلامية الأخرى) على الدفاع عن نفسها في خضم نقاش سياسي سطحي وغبي على مستوى لا مثيل له، هو عار كبير ليس فقط لتونس ولكن أيضا للعالم الإسلامي بأسره.
- الإعلانات -
#العيد #السودان #تونس #والغنوشي
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
