- الإعلانات -
“الـ45 بتوقيت أبي”.. قصائد هاربة إلى “ساحل العالم”
(لا يأتي الشعر من اضطراب البوصلة، له زمان ومكان حتمًا، مندسّان
في ركن ما
لعله امتداد لتقاليد معينة، لكنه لن يكون أبدًا تقليدًا أو درسًا
نتعلمه
الشعر هو ما نرغب في كتابته ونفشل، فنكتب ما يشبهه).
بهذا “الاستهلال”، تفتتح الشاعرة التونسية، سنيا الفرجاني، أحد نصوص مجموعتها الشعرية الجديدة، الصادرة حديثًا عن “الأمينة” للنشر والتوزيع ـ تونس، في 112 صفحة، بغلاف جميل تتصدره لوحة للفنانة التشكيلية الكردية العراقية المقيمة في السويد، روناك عزيز.
حملت المجموعة عنوان “الـ 45 بتوقيت أبي”، متضمنةً 51 نصًا توزعت على صفحات الكتاب ابتداءً من تلويحة، ليست “إهداءً” إنما “مفتتح شعري” يمهّد لتجاوز عتبات الكتاب الأولى، بعد عتبة رئيسة، تمثلت في عنوان مختلف لمجموعة تأتي نصوصها مثل رعد يضرب في الأعالي، وقبل أن يصل إلى الأرض يعود إلى الشرفات البعيدة التي انطلق منها، وهي فضاءات لا متناهية تجترحها الشاعرة، ضمن طقوس كتابة القصيدة. تتماهى النصوص في كتابة شعرية تفتتح أجرامًا من كواكب وأودية ومحيطات في سماء القصيدة الجديدة، وفي الأفق الملون بالعتمة والدهشة البيضاء الخالصة.
على خلاف النصوص المعتادة لقصيدة النثر التي تجيء في صفحة ونيف في المعظم، وأيضًا على خلاف بضعة نصوص قصيرة هي في الأصل تقطيعات (مقاطع) شعرية تتناثر هنا وهناك في المجموعة، تختم الشاعرة مجموعتها بنص أسمته “ساحل العالم” يمتد على سبع صفحات أخيرة، ومع أن النص انطلق من طقس شعري مسجون في ظروف كورونا والحجر المنزلي تبعًا لذلك، إلا أنه نص يخترق الجدران إلى سواحل وشطآن وفضاءات تجد الشاعرة فيها ابتداء الكون ونهايته:
(أفريل شهر بدايات الكون ونهايته
ساحل الحياة، طريق الجهات جميعًا
طريق الحب
طريق الفراشة والحمام
طريق الأنبياء…..).
وتستمر الأسئلة على امتداد رحلة شعرية، في سياق نص يكتب مشاهد الانزواء في داخل أركان أسمنتية، هاربًا من وباء داهم البشرية، أو ما تقول عنه الشاعرة “خرافات الغول”:
(ما هذه الكورونا، “تاج النهاية المفزعة”؟)
(من سيسكن الأرض بعدنا يا صبّار الأرض؟)
(ما الذي يحدث يا إله المدن الكبيرة؟)
(لا أريد أن أموت باكرًا)
(ما قيمة هذه الأوراق التي نقضي ساعات عسيرة نكتبها للعالم؟)
(إلى جلجامش، وإن شئت أخبر أنكيدو: لا “شيء” عندي أحجبه عنكما
هبط الربيع هذا العام، متثاقلًا
ومنتوف الشعر)
(لن أحتضن قميص الصوف بحرارة ولن أشمه)
(لن أشاهد دخان الشواء على الشاطئ).
طقوس العزلة
يمتزج الطقس اليومي في تفاصيله ومستجداته في سياق نص شعري تكتبه سنيا الفرجاني طازجًا كخبز نضج لتوه على تنور الحياة بمتناقضاتها وعزلاتها وأمكنتها، إذ تبدأ قصيدتها من الصفر دونما تخطيط واستعداد، فتشرع في اختطاف النجوم والكواكب وتطويعها وقودًا لنصوص يتخفى بين ثناياها شبح عارٍ، مثل صغير حوت أزرق، ومثل نجمة عابسة في الآن نفسه، ومثلما تبدأ بعاصفة، تنهي الفرجاني قصيدتها على “قلقٍ يزلزل في الأرجاء”، كما لو أن سفينة مهشمة يتسرب منها الماء، غير أن الشاعرة مسترسلة في طقس للكتابة لا نهائي: بعد أن كانت تدس رأسها بين ركبتيها متماهية في طقس غريب للكتابة، تهبط “إلى جدولٍ” للنجاة، وذلك ملاذ الشاعر/ الكائن، ورمزية لاستمرار الحياة برغم كل شيء، فتخرج على الملأ أخيرًا، فيما كانت تعيش طقسًا مرعبًا/ مغايرًا في الكتابة، ممتلئةً بالحب والجمال والخيال والجنون والعشق (والأوبئة أيضًا)، وكل ما لا يخطر على بال.
- الإعلانات -
#الـ45 #بتوقيت #أبي #قصائد #هاربة #إلى #ساحل #العالم
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
