- الإعلانات -
الفنّ المستقبلي الآتي من “اللامكان”.. انقلاب ثوري
بعد الفنانين الإيطاليين، أتباع الحركة المستقبلية، عقد الفنانون الطليعيون آمالهم الجمالية الكبيرة على الحرب: تحطيم أسس العالم القديم وثقافته، وبناء عالمٍ جديد، وإبداع ثقافة جديدة من الصفر.
في البداية، استقبلت جهات عديدة الحرب الكبيرة بحماس، ولكنّ الحرب العالمية الأولى خيّبت آمال التجديد المعقودة عليها. على العكس، ساهمت في انتشار الدعوات بـ”العودة إلى النظام في كلّ مكان”، أي العودة إلى النظام الكلاسيكي. غير أنّ الحرب العالمية الثانية، التي استقبلها أنصار الطليعة القديمة، والحركة الدادائية(*)، بفتور وبرود، أدِّت بالفعل إلى تجديد الفنون تجديدًا جذريًا، إذ اقتحم عالم الفنّ جيل من الفنانين جاءوا من اللامكان، لا يحملون شهادات من مدارس الفن، ولا يعرفون تقاليدها، ولم يمتلكوا جذورًا فنية على الإطلاق.
في عام 1942، ظهر الرسام الفيوتوري ـ المستقبلي/ Futurism، إنريكو برامبوليني، الذي كان مقربًا في سابقًا من مدرسة باوهاوس/ Bauhaus الألمانية، ومن مجموعة De Stijl للرسامين الهولنديين. كانت موهبته مفيدة في تصميم “معرض الثورة الفاشية” الفخم في روما (1932 ـ 1934)، فهو نصير الفاشية المخلص. رسم لوحة “تحوّل البطل وأوروبا الجديدة”، التي ينظر فيها بطل مسجى في القبر إلى صورة شظايا تمثال أثريّ من المرمر، وفوق القبر امرأة تنتحب ممزقة اللباس، وإلى جانب القبر تحوم في فضاءٍ خالٍ من الهواء أشكال هندسية وحروف هيروغليفية، تشكل ما يشبه رسالة غامضة نوعًا ما. في ثلاثينيات القرن الماضي، فسّر النقاد الفاشيون مبدأ “تحول البطل” في إبداع برامبوليني، كتعبيرٍ عن “روح العرق المتفوق، مذكّرين أنّه كان يومًا ما سيد البحر المتوسط المطلقة”. كان برامبوليني مولعًا بالرسم الهوائي/ plein air painting/ )الرسم في الهواء الطلق) على الرغم من أنّه لم يكن من ألمع ممثليه، أو متذوقي هذا المنظور الفني اللطيف. في عام 1942، وعندما كانت بعض المدن والأراضي في أوروبا القديمة هدفًا للقاذفات، وبعضها الآخر على وشك أن يصبح هدفًا لآلات الموت والدمار، بدا وكأن حماسة برامبوليني للرسم الهوائي، ولهاثه وراء الأوهام العسكرية المستقبلية الأخرى قد جفّت تمامًا، راح برامبوليني يبكي على أطلال الثقافة الكلاسيكية، ولكن ذلك لم يجدِ نفعًا، فأوروبا الجديدة، أوروبا ما بعد الحرب، لن تكون في حاجةٍ إلى تلك الثقافة بعد الآن، سواء كانت أطلال الكلاسيكيات القديمة، أم كلاسيكيات الحداثة.
| |
| “ثلاث دراسات لصورة ذاتية” للرسام البريطاني المولد الأيرلندي فرانسيس بيكون في معرض تيت في لندن (9/ 9/ 2008/فرانس برس) |
في أبريل/ نيسان 1945، وقد بدا واضحًا اقتراب الحرب من نهايتها، عرضت في صالة غاليري le fevre في لندن لوحة “ثلاث دراسات للأرقام في قاعدة صلب المسيح/ Three Studies for a Crucifixion” (1944). بعد العرض، لم يصبح رسام اللوحة الخلابة، الأيرلندي ذو الـ36 عامًا، فرانسيس بيكون/ Francis Bacon، مشهورًا فحسب، وهو الفنان الذي حاول اقتحام عالم الفنّ في ثلاثينيات القرن الماضي، ولم يلق سوى السخرية والاستهزاء، بل أصبح الفنان البريطاني الرئيس على مرّ العصور. قال عنه الناقد جون راسل بصراحة بالغة إنّ الرسم الإنكليزي، كما هي حال النقش، موجود الآن في حالتين، قبل وبعد لوحة “ثلاث دراسات..”. من الواضح أن بيكون كان متفقًا مع هذا التقييم، وبذل لاحقًا جهودًا كبيرة للتخلص من جميع أعماله المبكرة التي أنجزها قبل “الدراسات الثلاث”. عند التمعّن في “الأشكال”، التي تبدو أجسادها عبارة عن قطعٍ من اللحم شكّلها بعض الجراحين المتوحشين في جذوع الأشجار، وكانت رؤوسها وكأنّها على وشك أن تنفجر في صراخ الأفواه، فإنّ النقاد والجمهور يشعرون أنّ هذا الفنّ هو بالضبط ما سيطلق عليه لاحقًا “الرسم بعد أوسفينتز”، حيث يبقى الكابوس، كابوس الصلب، بعيدًا من حيث المبدأ عن التخيل والتصوير، ولكن في الوقت نفسه يمكن تصوره بفضل الصور التي وصفها الشهود. في عام 1933، رسم بيكون ثلاث لوحات كاملة بعنوان “الصلب/ Crucifixion” (قام لاحقًا بإتلاف واحدة، ولكن اللوحات الباقي بقيت سليمة). سيتضح في أبريل/ نيسان عام 1945، أن لوحاته ولدت قبل الحرب بزمن طويل، في العام الذي كان فيه كل شيء محسومًا سلفًا. في رسومات عام 1946، نرى بوضوح أنّ “الصلب” هو مجزرة وسيرك في الآن ذاته، مع اقتباسٍ واضح عن لوحة “الجثة” لرامبرانت، وعشرات التلميحات الأقل وضوحًا، والتي عبر عنها بيكون بالتفصيل في لقاءاته مع كتّاب السير الذاتية، كاشفًا مصادره ومرجعياته الأيقونية. وعلى الرغم من أننا نعلم من بيكون نفسه أنّ لوحة “الدراسات الثلاث” فيها شيء من: غرينوالد، بيكاسو، وإيزنشتاين، كما اعترف أنّه لم يرسم أي رسومات أولية، ولكنّه كان يقوم بتمزيق ألبومات فنية وصورًا من المجلات كي يصنع من هذه القصاصات كولاجًا سيترجم لاحقًا إلى رسم سيبدو للفنان وكأنّه جاء من العدم، وذلك من دون أن يستوعب بيكون في ذاته كلّ الثقافة الأوروبية ما قبل الحرب، بل ألغاها في صرخةٍ واحدة لا نهاية لها، أطلقتها لوحة “الشخوص الثلاث”، والتقطتها لوحة “الرؤوس” (1949 ـ 1948)، والتي لم تصمت حتى وفاته. الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز سيقول يومًا وهو يمعن النظر إلى لوحة “الرؤوس” لبيكون، تلك اللوحة المكونة من اللحم فقط، والتي تبدو خالية من أي عظام (على الرغم من أنّ الفنان بيكون لم يتخرج من أية أكاديمية، فإنّ علم التشريح كان أحد اختصاصاته الأكاديمية الرئيسية): “هنا تحلّ حقيقة الشعور محلّ حقيقة المعرفة”.
في ربيع عام 1946، افتتح معرض “Mirobolus, Makadam, and Company في غاليري رينيه دروين في باريس. وباريس التي كانت في فترة ما بعد الحرب متعطشة للتظاهرات الفنية وللفضائح، ابتلعت الطعم بطيب خاطر، فكتبت الصحافة النقدية باستهزاء أنّه بعد “عصر الدادائية حلّ عصر الكاكائية”. كما أشير في عنوان فرعي حول المعرض إلى “العجين السميك”، في إشارةٍ إلى المواد التي صنعت منها لوحات البورتريه لميروبولوس وماكادام، وغيرهما من شخصيات الشركة العجيبة، ومع ذلك فإنّ المواد بدت مقرفة بالفعل. كانت شروحات الكاتالوغات عن اللوحات ساخرة ومليئة بمختلف الاستعارات: الكراميل، الثلج، المربّى، الكافيار، لدرجة جعلت لعاب باريس ما بعد الحرب يسيل، وهي باريس التي عرفت سنوات من الجوع والحرمان. ولكن نسيج وطيف اللوحات، التي بدت وكأنّها رسوم خرقاء لأطفال، أو مثل رسومٍ جدارية صنعت بالرمال، والطين، الإسفلت والإسمنت، كانت أقرب ما يكون إلى ما نحصل عليه بعد معالجة أطباق رائعة صنعت في مطبخ راق. تحدث بيان مؤلف هذه اللوحات عن جمالية الأوساخ والقمامة والقاذورات، وأنّه لا يوجد فرق جوهري بين الرسم في المتحف، وبين تبييض الجدران. بالطبع، لم يقرأ جان دوبوفيه (1901 ـ 1985) كتاب “الديالكتيك السلبي” للفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني تيودور أدورنو (1903 ـ 1969)، ليس لأنه كان بعيدًا عن تلك المواد الثقافية، فقد كان رجلًا ذا ثقافة برجوازية عالية، وكان جزءًا من أرقى الدوائر الفنية والأدبية في فترة ما بين الحربين في باريس، بل لأن الكتاب لم يكن قد صدر بعد (سيصدر بعد 20 عامًا). ومع ذلك، أكّد دوبوفيه من خلال جميع تصرفاته وأسلوب تفكيره، صحة النقد الذي قام به أدورنو للثقافة، والذي كشف تناقضاتها الهمجية الداخلية. بعد عام، وفي غاليري دروين نفسه، سيبدأ الفنان جان دوبوفيه بجمع مجموعته الشهيرة “الفنّ الوحشي/ art brut”، فنّ أولئك الذين تعلموا الفنّ بأنفسهم، وأولئك العصاميين وغريبي الأطوار، وأحيانًا المرضى عقليًا، أي “الأشخاص الذين لم تشوههم الثقافة الفنية”. وهو نفسه، الذي شوهته هذه الثقافة منذ الولادة، سيتعلّم من جميع هؤلاء “نشاطًا فنيًّا نقيًا تمامًا، فنًّا خامًا فجًّا، يتمّ اختراعه في كلّ مرحلة فقط انطلاقًا من دوافع الفنان ذاته”.
| |
| (جان دوبوفيه) |
المجموعة التي جمعها جان دوبوفيه محفوظة في لوزان: وهكذا بقيت مجموعة “Collection de l’Art Brut” مثل محميةً من محميات الفنّ الخارجي، ولكن حلم المؤسس بالحصول على فنان جلفٍ، فنانٍ من اللامكان، فنان ينبثق الفنّ من ذاته قد تحقق، إذ شهد عالم الفنّ ما بعد الحرب ظهور عشرات الفنانين الخام. لم يأت بعض هؤلاء الفنانين الشباب من اللامكان، بل جاؤوا من جبهات القتال مباشرة، مثل الإيطالي ألبرتو بورّي (1915 ـ 1995)، الفاشيّ العقائدي، والطبيب المستجد، الذي التحق بالجبهة ليخدم برتبة ملازم في الخدمات الطبية، وقضى فترة في معسكرات الاعتقال الأميركية، ومن ثمّ عاد من الحرب بقناعة وحيدة، تقول بأفضلية الفنّ على أوهام الحرب، وعلى الطبّ الحربي. بعد خروجه من المعسكر، عاد إلى إيطاليا ليمسك فرشاته على الفور، ولكنه كغيره من الفنانين التصويرين والتجريديين احتاج بضع سنوات من التقليد العقيم، ليبدأ شقّ طريقه على طريق الابتكار الخلاق، واحتاج هو شخصيًا لزيارة معرض دروين، ليصبح أخيرًا فنانًا فظًا مثاليًا. عندها ظهرت “أكياس” وأقمشة ممزقة مخاطة بخيوط حية ومنتفخة بطلاءٍ قرمزي، مثل الضمادات تغطيها الدماء. تلا ذلك ظهور “قطع الحديد” مزينةً بالشظايا، والأخشاب محروقة بالنار، ملطخة بالقار، وفطور العفن، وكذلك “فراغ الهاوية السحيقة”، جميعها أصبحت مواد أولية قذرة للرسم استخدمها ألبرتو بوري، بدت في جزءٍ منها مثل “الأنا” التي عادت لتوها من الحرب، في حين بدت في جزئها الآخر كما لو أنّها لاتزال قابعة تتعفّن في الخنادق.
هامش:
(*) الحركة الدادائية: تيار طليعي في الأدب والفنون ظهر في فترة الحرب العالمية الأولى (1916 ـ 1923) كتعبير عن معاناة الشباب في ظلها. انطلقت الحركة من سويسرا المحايدة، وبالتحديد في كباريه فولتير/ زيوريخ. في العشرينيات اندمجت الدادائية الفرنسية مع الحركة السوريالية، وفي ألمانيا مع الحركة التعبيرية.
- الإعلانات -
#الفن #المستقبلي #الآتي #من #اللامكان #انقلاب #ثوري
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
