- الإعلانات -
الفن الإيراني… ماذا فعلت الثورة؟ (2/2)
- الإعلانات -
كان الانقسام الذي ميّز طهران، خلال سنوات الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، يتمثل في تمركز المناطق الشعبية في الجنوب والجنوب الشرقي من العاصمة، في حين كانت المناطق الميسورة تقع إلى الشمال والشمال الغربي. وفّرت المناطق الأولى عددًا كبيرًا من المقاتلين، وعاش سكانها على إيقاع الحرب والذهاب إلى الجبهة، ومن ثم إعادة الجثث إلى الوطن، وإحياء الذكرى وتمجيد الشهداء. هذا، في حين كانت المناطق الأخرى بمنأى نسبيًا عن الصراع، وتفصلها مسافة كافية عن الأيديولوجية الثورية. هذا التناقض لم يترك الفنانين المنخرطين في الصراع على ضفة اللامبالاة، كما هو واضح في لوحة “الغريب” لحبيب الله صادقي.
الاستشهاد وأيقونات الأحياء الشعبية
خلال هذه الفترة ولدت حركة متشددة داخل المؤسسات المنغمسة سابقًا في الحرب، مثل منظمة الدعاية الإسلامية ومؤسسة الشهداء، بالاشتراك مع منظمة الحرس الثوري القوية، حاملة مشروع نشر صور الشهداء على جدران في وسط المدينة. الوجوه نفسها، التي ظهرت في الفضاء العام للأحياء الجنوبية من طهران في الثمانينيات، ستظهر مرة أخرى على نطاق واسع في أكثر الأماكن التي يرتادها الناس، وأكثرها وضوحًا: جوانب الطرق السريعة، واجهات الطرق الرئيسية، مفترقات الطرق المهمة. تم تفضيل المحاور الرئيسية المتجهة إلى الشمال من أجل “زيادة وعي” سكان المدن من الطبقة الوسطى، الذين يعتبرون أنفسهم بمنأى نسبيًا عن واقع الحرب، وقد جرى تكبير الصور المرسومة على القماش، وإعادة إنتاجها حتى خمسين مرة للصورة الواحدة.
في اللوحات الجدارية الضخمة، في فترة ما بعد الحرب، أضيف بعض “الرتوش” من أجل تفعيل الناحية الرومانسية، في أجواء غالبًا ما تشبه الحلم، محملة ألواناً متنوعة، وعناصر زخرفية من الفن الإيراني التقليدي مثل الطائر، والزهرة، وأشجار السرو، وكذلك عبارات خطية مأخوذة من وصية الشهيد، أو من خطاب لأحد القادة. هذا الجانب الجمالي ليس له قيمة في حد ذاته، وقد لا يجذب الانتباه، لكنه انتشر على نطاق واسع. أما من حيث الحجم، فقد امتدّت الصور على كامل ارتفاع واجهات المباني، محدقةً بثبات في سكان المدينة، لتبدو وكأنها تراقبهم وتحرسهم.
انقسامات الفنانين
1- فنانون طليعيون في عصر سلالة بهلوي؛
2- الرسامون الثوريون المزعومون؛
3- أطفال ستينيات القرن الثالث عشر (بمعنى آخر ثمانينيات القرن الماضي)؛
4- الفنانون الشباب الناشئون حالياً.
“السقا-خانه” وتيارات أخرى
هنا قد يكون من المجدي الإشارة إلى ما كتبته بهجت صدر في إحدى قصائدها، حين قالت: “لمن نرسم على القماش نهاية كرب وخوف قرن؟ هل يجب ان نتكلم؟ هل يجب علينا إلتقاط الصور؟ هل يجب أن أكتب؟ أن الوّن؟ […] يجب علينا أن نفعل كل شيء لنقل المعنى العميق لعصرنا، من خلال تمزيقه من الصحف ولصقه، ومحاولة استخراجه بكل الوسائل. […] كما يقول اليساريون، يمكن التعبير عن “الرسالة” من خلال الكولاج. أنا أكره معجم اليسار. الطريقة التي أجاب بها جيل كامل من الفنانين الإيرانيين على هذه الأسئلة من خلال أعمالهم تشهد على ظهور شكل مختلف من الحداثة. لو استمر هذا، عندها يمكن للمرء أن يجادل في أن مثل هذه النسخة من الحداثة كانت ستطوّر لغتها المرئية الحقيقية الخاصة بها، والتي يمكن استخدامها في أنحاء الشرق الأوسط”.
في هذا المجال، لا يتمثل الاتجاه الحالي بين المثقفين في تشجيع القراءة السياسية لحركة فنية غير سياسية، لكن لإظهار أن الفن الإيراني الحديث مشبع ببساطة بمثل هذه القراءة السياسية، كما يشير أنوش جانجبور بحق: “من ناحية، إن تبني الفن الحديث يكون ذا هدف سياسي إذا كان يعمل على إدخال قيم جديدة، وتحدي القيم القديمة. من ناحية أخرى، هناك سيطرة على الصورة التي يظهرها المجتمع عن نفسه للعالم الخارجي. العلاقة بين الفن والسياسة، على هذا النحو، أصبحت إشكالية فقط عندما أصبح الفنانون الإيرانيون مهتمين بما كانت لغة ذلك الوقت تطلق عليه تسمية “المسؤولية”… لقد ظهر نوع مختلف تمامًا من تسييس الفن بعد الثورة، لكن الحقيقة هي أنه بعد ثورة 1979، تم إنشاء دولة تدّعي أيضًا أنها حقيقة – مطلقة ومتكاملة. إن الجمهورية الإسلامية، التي تطمح إلى إعطاء هيئة رسمية لحقيقة الإسلام الشيعي، يجب أن تفهم كل شيء. وبالتالي، فإن هذه الحقيقة المتكاملة ستكون في قطعة واحدة مكونة لدولة، وسياسة، واقتصاد، ومجتمع، وثقافة… وبالطبع فن وأدب. لا يسمح بأي استثناء، ولا الفصل بين المجالات، وبحسب هذا المنطق، يجب أن يعود كل شيء إلى الشيء نفسه، أي إلى حقيقة الدولة.
بغض النظر عن أن الانخراط السياسي أمر لا مفر منه على مستوى تاريخ الفن، فهناك دائمًا خطر الانبهار بالفراغ، وخطر إعطاء صورة “متسامية” sublime لما قد يبدو “جميلاً”، إذا صحّ استخدام المصطلحان الكانطية. هناك دائمًا خطر الرضوخ إلى الفكرة القائمة على اعتبار الفئات الرسمية لمفهوم الفن أمرًا مفروغًا منه، ولا ضرورة لمناقشته، ومن ثم تكرار التصنيف الزمني نفسه عند النظر في تاريخ الثقافة. لكن التركيز فقط على التمزق والتغيير يؤدي إلى إهمال العناصر الثابتة والدائمة في الحياة الثقافية، كالتراث وسواه. في هذه الحالة، تختلف الصياغات التي استخدمها الفنانون الذين عاشوا في الخارج عن تلك التي استخدمها زملاؤهم الذين بقوا في إيران، بالرغم مما تعرّضوا له من مضايقات، إذ إن الفن الإيراني الحديث لا يظهر لهؤلاء كعنصر من عناصر الماضي، وإنما كامتداد للغة بصرية تظهر بحسب أشكال وأساليب لا علاقة بينها، بل متناقضة.
نهاية يجب القول، في ما يختص بالدراسات التي رصدت أحوال الفن الإيراني الحديث، أنه إذا كان واجب تاريخ الفن هو الاهتمام بالجزء الواضح من الأعمال الفنية وجعله واضحًا تمامًا، فإن دراسات ما بعد الاستعمار، من جانبها، كانت مهووسة دائماً بـ”الجانب المظلم للقمر”. إذا تعذب تاريخ الفن بسبب بعض علاقات القوة التي تؤثر على أحكامه، فإن الدراسات الثقافية، من جانبها، مهووسة بالعذابات نفسها. عند التعامل مع مثل هذه المقاربات المنهجية للفن، غالبًا ما يميل المرء إلى التساؤل: “لكن ألا يوجد شيء في هذا العمل أو ذاك أكثر من علاقته بالسياسة؟”.. تتمتع المنهجيات الكلاسيكية لتاريخ الفن بالقدرة على مواجهة مثل هذه الاتجاهات. ومع ذلك، في حالة الفن الإيراني الحديث، لا تصنيف للأرشيفات أو المؤسسات الفنية أو التخصصات الأكاديمية التي يمكن أن تشارك في هذا البحث. ومن المأمول، بالإضافة إلى المقالات التي تكمل المنشورات الحديثة، أن العدد المتزايد من المعارض والكتالوغات والدراسات سيسمح بالوصول بشكل أفضل إلى الوثائق المتعلقة بهذا الموضوع، والتي كانت مشتتة للغاية حتى الآن.
من خلال هذا المعرض، يمكن القول إن المشهد الفني الإيراني المعاصر يحاول المزج بين الالتزام المتمرّد واللمسة التقليدية، مما يجعله مفاجئًا ومعقدًا، ويجمع ما بين الفنانين الغائبين تحت الأرض إلى الأكثر شهرة. تقدّم أعمال الفنانين الإيرانيين للجمهور رؤية مثيرة للمجتمع الإيراني وتنقل قلق الغرب والشرق. علاوة على ذلك، فإن بوتقة التقاليد الفارسية، الممزوجة بصداقة البلاد السابقة مع العالم الغربي، تضيف تعقيدًا وقوة للإنتاج الفني الإيراني المعاصر. المعرض والكتاب المصاحب له، يدعواننا إلى توسيع تصوّرنا عن إيران وحداثتها، وإذا كان من الممكن سد الفجوة بين المفاهيم المختلفة لتاريخ الفن الإيراني المعاصر، فقد يأمل المرء أن يتم الشعور بالتأثيرات العديدة في قطاع الإنتاج الفني. إذ ليس من غير المألوف في مجال تاريخ الفن أن تنطبق الفكرة الهيغلية، عن تحوّل الكمية إلى نوعية، لتصبح حقيقة، وأن تضع مجموعة من العناصر المنظمة حدًا للشكوك الذاتية. كما أنه، من جهة أخرى، ومن خلال وضع الفن في الداخل الإيراني، يجب أن نذكّر أن أعمالاً ذات قيمة فنية عالية، وفي مختلف المجالات، كانت ولدت في حالات إستثنائية، ومن ضمنها تلك التي عاشت ظروف القمع.
#الفن #الإيراني.. #ماذا #فعلت #الثورة
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
