- الإعلانات -
الكاسيت سياسة وفنّا وتاريخا مستمرا

منذ ساعة واحدة
حجم الخط
المكتبة العمومية في مدينتي الصغيرة، شماليّ تونس، كائنة في مبنى جميل هو في الأصل كنيسة شيدها الفرنسيون لما قدموا البلاد.وقد دامت للكنيسة مهابتها وحديقتها، علما أن أولئك الفرنسيين والإيطاليين الذين بقوا في المدينة أو الذين وفدوا إليها، بعد الاستقلال، للعمل في المدارس والمستشفيات لم يكونوا من الذين يؤمون الكنائس للصلاة. كان قيّم المكتبة رجلا حاذقا نشيطا وكان معروفا لدى التلاميذ ومعظم الأهالي، وكنا نستعير كتابين يلزم إعادتهما في أجل لا يتجاوز أسبوعين. ولم يكن عندي زمن الصبا من النقود ما يكفي لاستنساخ ما يعجبني من الصفحات أو الفصول على أجهزة الاستنساخ العمومي، بل إني لم أكن أعرف أصلا بوجود هذه الأجهزة. ولهذا كنت أنسخ بخط اليد في كراسات رخيصة الثمن صفحات وفصولا مما أحب حتى أنه قد اجتمع لي بعض كتب (بقلمي!) لميخائيل نعيمة وطه حسين. وأظن أن الأوراق التي نسخت فيها بعض فصول كتاب «مع الموسيقى: ذكريات ودراسات» لفؤاد زكريا لا تزال موجودة عندي في بعض الصناديق.كانت علاقتنا بآلات العصر تكاد تنحصر في الدراجات (ولم تصبح الدراجات النارية في متناول بعضنا إلا لاحقا). أما عن التكنولوجيا، فكانت معظم البيوت التي أعرفها بلا جهاز تلفون وبعضها بلا جهاز تلفزيون. لكن الراديو كان سيّدا سائدا في كل مكان: جهاز ضخم يتربع، منذ ثلاثينيات القرن، على عرش في صدر غرفة الجلوس قبل أن يصير، في السبعينيات، جهاز ترانزستور بحجم كف اليد يحمل إلى كل مكان. كان أفراد جمهور كرة القدم يحملونه إلى الملاعب لمتابعة أخبار مختلف المباريات بينما هم يشاهدون مباراة فريقهم المحبب.كان عبد المجيد المسلّاتي يجلس كالمايسترو في الأستوديو ليقدم برنامج «رياضة ونغم» (العنوان غير دقيق لأن البرنامج لم يكن يبث من نغم، بين تقارير المباريات، إلا أغاني عبد الوهاب!) ويوزع الأدوار بين المعلقين في مختلف الملاعب، وكلما سجل هدف في أي مكان جاز للمعلق المعني أن يستأذن سي عبد المجيد بالتدخل. وكنت كثيرا ما تسمع من الملعب صيحة تهتز لها أرجاء المدينة فتظن أن هدفا سجل لصالح الفريق المحلي، ولكن سرعان ما يتبين لك أن الجمهور كان يتفاعل، سماعا، مع مباراة أخرى على الترانزستور.
- الإعلانات -
كانت علاقتنا بآلات العصر تكاد تنحصر في الدراجات (ولم تصبح الدراجات النارية في متناول بعضنا إلا لاحقا). أما عن التكنولوجيا، فكانت معظم البيوت التي أعرفها بلا جهاز تلفون وبعضها بلا جهاز تلفزيون
أما النعمة التكنولوجية الكبرى لجيلنا والجيل الذي سبقه فهي الكاسيت، جهازا وشريطا. ولأن الجحود هو من سمات ثقافة هذا العصر النسّاء فإن مخترع الكاسيت الهولندي لو أوتنز توفي الشهر الماضي دون أن يذكره في الصحافة إلا القلائل. على أن الثابت تاريخيا أن دور الكاسيت في الحضارة العالمية، من أوائل السبعينيات حتى منتصف التسعينيات، إنما يقارب دور الموبايل في حضارة اليوم، إن لم يعادله أصلا. فقد كان شريط الكاسيت هو المكتبة الموسيقية لكامل الإنسانية. إذ لم يكن الأمر يتوقف على تيسّر شراء شريط لعبد الحليم أو فيروز أو ديميس روسوس أو البي جيز، بل إن سهولة استخدام الشريط الأبيض على الوجهين كانت تفتح لنا عوالم السعادة المتمثلة في تسجيل ما نحب من أغاني الإذاعات وبرامجها، فاستطعنا هكذا تسجيل معظم أغاني مارسيل خليفة وجاك بريل وجيرار لونورمان من إذاعة تونس الدولية. كما سجل لنا بعض أساتذتنا أشعارا ألقاها معين بسيسو ومحمود درويش في تونس. ولأن المحاضرات كانت تسجل على الكاسيت وتوزع بين الأصدقاء، فقد سمعنا تسجيلات لروجيه غارودي وكلود جوليان وروبير مزراحي. وكانت خطب فارس البلاغة والبيان الشيخ عبد الحميد كشك من أكثر الكاسيتات تبادلا، حيث كان الإعجاب به واسعا ويتجاوز دائرة شباب «الاتجاه الإسلامي» الذين كانوا يتبادلون أيضا كاسيتات الدروس التي يلقيها حسن الغضباني وعبد الفتاح مورو وراشد الغنوشي في «جامع سبحان الله». ولا أزال أتذكر قوة الانطباع الذي خلّفه لدي الاستماع لشريط يبسط فيه المرجع الديني محمد باقر الصدر، قبيل إعدامه في العراق، بعضا من طروحات كتابه الشهير «اقتصادنا».أما من منظور التاريخ السياسي، فقد أثبتت السبعينيات أن الكاسيت سلاح ثوري. إذ من المعروف أن الأداة الأساسية التي أدت إلى انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 لم تكن البندقية ولا القنبلة ولا حتى الكلمة المكتوبة، وإنما كانت الكاسيت. حيث يروي المؤرخ روي متحده في كتابه «بردة النبي» أن سعر الكاسيت كان غاليا في عهد الشاه (ثلاثة دولارات) ومع ذلك فقد كان الإيراني العادي يحرص على اقتناء كاسيتات الخطب المناهضة للظلم والباعثة على الأمل، وخصوصا كاسيتات الخميني المهربة سواء عندما كان في العراق أم عندما صار يبث خطبه التحريضية من فرنسا. ولهذا فإن علماء الدين المستقلين عن النظام داخل إيران لم يعد يضيرهم بقاء أبواب الإذاعة مغلقة دونهم. «ذلك أن الله قد منحهم وسيلة إعلامية جديدة»: أداة أنتجها العصر الحداثي الإلكتروني لتزوّد الثوريين الإيرانيين المناهضين للحداثة بقوة تواصلية عاتية لم تكن تخطر قبل ذلك حتى في الخيال.
كاتب تونسي
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
