- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

اللعبي: كآبة المشهد السياسي مؤثرة .. والحريات تعيش محنة في المغرب

- الإعلانات -

بـ”تَشاؤل” يقرأ الشاعر المغربي البارز عبد اللطيف اللعبي الواقع السياسي بالبلاد بعد 11 سنة من “حراك 20 فبراير”، الذي استقبلته شوارع المملكة سنة 2011.

اللعبي، الحاصل على جوائز بارزة في المجال الأدبي، أبرزها “الكونكور”، كان معتقلا سياسيا في سنوات الرصاص، ومازال متشبثا بـ”حلم مغرب ديمقراطي عصري ومزدهر”، يأسف لعدم توفر قاعدة انطلاقه بعد، بنقاش معقلن وسليم يرافقه الإنصات واحترام الرأي، كما يؤكد أن التغيير الديمقراطي يحتاج ضغطا بحركة اجتماعية ذات نفس طويل، تحاور السلطة، ولا تكتفي بالاحتجاج وفضح القمع واللامساواة والمس بالحريات.

جريدة هسبريس الإلكترونية حاورت عبد اللطيف اللعبي حول مآلات حراك عشرين فبراير، وعثرات “الانتفاض”، ورؤيته للواقع السياسي بالمغرب، وممكنات التغيير.

هذا نص الحوار:

بعد 11 سنة من حراك 20 فبراير، وآمال التغيير المعبر عنها، كيف ترون المشهد السياسي والاجتماعي بالمغرب؟

للأسف، أظن أن هذه الحركة التي تمت منذ سنوات بالمغرب أُجْهِضَت كسائر الحركات الاجتماعية التي نمت خلال تلك المرحلة، ولو بشكل مغاير مقارنة مع الأخريات.

طبعا، للمغرب السياسي خصوصياته، وللنظام أساليبه الخاصة لمناهضة كل ما يعبّر عن رفض المجتمع لمجموعة من ممارساته.

المشهد الحالي، للأسف، مشهد كئيب، لأن الشعلة التي كانت قوية وحارة في تلك المرحلة أصبحت باهتة في المرحلة الراهنة.

لمن تعود مسؤولية إجهاض حراك 20 فبراير؟

المسؤولية متعددة الأطراف؛ فمسؤولية النظام أساسية لأنه واجه الآمال المعبرة عنها بمحاولة إغراء الحركة عبر إجراء تعديل الدستور. إنها خدعة نجحت إلى حد بعيد في تلك المرحلة.

والمسؤولية الثانية ترجع إلى الطبقة السياسية التي زكت خدعة النظام، بل انغمست فيها بحماس.

والمسؤولية الثالثة تكمن في عدم نُضج الحركة الاحتجاجية نفسها، وهو أمر ملاحظ في جميع الحركات التي تمّت في كلّ الأقطار العربية، وآخرها الجزائر، وقبلها في مصر وغيرها؛ لأنها حركات لم تنتبه للأسف إلى شيء أساسي هو أن الاحتجاج وفضح القمع واللامساواة والمساس بالحريات العامة وانعدام الديمقراطية لا يكفي للحصول على تغييرات أساسية.

هذه الحركات لم تعِ مبكرا بأنه يجب أن يكون هنالك نوع من التنظيم، والأرضية السياسية الفكرية الشاملة، التي من الممكن أن تُطرح كبديل لما هو قائم مجتمعيا وسياسيا وثقافيا في البلاد.

وهذه مسألة عامة؛ فقد شاهدنا في الجزائر ملايين الناس وهم في الشوارع لشهور وشهور عديدة، لكن الحراك لم ينتج، لن أقول نخبة، بل بعض الأشخاص الذين يمثلون هذه التطلعات، ويمكن أن يتحاوروا إلى حد ما مع النظام القائم.

المثال الوحيد المحدود جدا هو ما حصل في السودان، حيث استطاعت الحركة المجتمعية أن تفرض على الطغْمة العسكرية الحاكمة نوعًا من الحوار، وخلقت ميزان قوى، لا أقول لصالح الحركة المجتمعية بشكل مطلق، لكن على الأقل أصبح لهذه الحركة وزن حاليا في البلاد.

لكن ذهب الكثيرون ضحية لهذه الحركة، ومنهم من ضحّى بحياته…

هذا صحيح، لكن لا يجب أن ننسى أنه في مراحل سابقة من تاريخ المغرب وأقطار عربية أخرى ظهرت حركات عديدة جوبهت بقمع شرس، ربما أكثر شراسة من القمع الذي تعرضت له الحراكات الحديثة. إنه ثمن الحرية والكرامة الذي لا مناص من دفعه في كل الأزمنة والأمكنة.

في ظل الوضع الحقوقي الراهن الذي يعيشه المغرب، ونتائج فلسفة الإصلاح من الداخل، سواء في بداية القرن الحادي والعشرين أو بعد سنة 2011، ما السبيل لتحقيق الحلم الذي سبق أن عبرت عنه: “حلم مغرب ديمقراطي عصري ومزدهر”، وتحقيق انتقال فعلي نحو الديمقراطية؟

شخصيا، في هذه المرحلة من عمري وتجربتي، أصبحتُ كما كتب ذلك إميل حبيبي “مُتَشائلاً”؛ فالتطورات التي حصلت في المغرب منذ 2011 لا تبشر بالخير ولا تتلاءم مع أحلامي “العنيدة”.

النقاش العمومي في المغرب أصبح يجري في نوع من المستنقع، مع بروز وسائل التواصل الاجتماعي، إذ لا يمكن في إطارها أن يتمّ نقاش مُعقلن وسليم، يتحلى بحد أدنى من القيم الأخلاقية، كطاقة الإنصات للغير واحترام الرأي المخالف.

لا أريد صراحة النزول إلى هذا المستنقع، وليست لي القدرة على ذلك، ولا يلائمني ذلك أخلاقيًا.

إن التفسّخ الذي نلاحظه في النقاش العمومي بالمغرب يقرفني، ولاسيما أن الأمر ليس عفويا، بل هو منظم ومؤطر، وهذا يهدد بشكل جوهري مبدأ حرية التعبير، وحرية الصحافة، وحرية الرأي والعقيدة في المغرب.

هل أعطى حراك 20 فبراير انطلاقة حراكات أخرى مثل حراك الريف في الحسيمة وحراك جرادة؟

لا يمكن أن ننفخ في حراك 20 فبراير ونقول إنه أعطى انطلاقة جميع الحركات الاحتجاجية؛ فما العلاقة بين 20 فبراير وحراك الريف؟ المسألة مختلفة، فالريف منطقة ببلادنا لها خصوصياتها وتاريخ عريق من النضال، ومطالب خاصة جدّا.

هل طرحت مثلا حركة عشرين فبراير بشكل جوهري مسألة تحرر المرأة، والمساواة التامة بين المرأة والرجل؟ وهل طرحت حقوقا أخرى تخص الأقليات الدينية والجنسية… إلى آخره؟ هذه قضايا جديدة، برزت في المجتمع بفضل جمعيات ومنظمات ومبادرات وهيئات مختلفة لحقوق الإنسان وحقوق النساء، نهجت طريق حركات مماثلة على الصعيد العالمي.

طبعا حظوظ نجاحها نسبية، خصوصا إذا قارنّاها بالمكتسبات الحاسمة التي تم انتزاعها في الكثير من المجتمعات المتقدمة.

تسجل آراء عديدة وجود مسافة بين المعبّر عنه من وعود بالمغرب وبين التنزيل. مثلا، دستور 2011 الذي نصّ على حقوق وحريات مثل حرية الرأي والتعبير والحق في الحصول على المعلومات وإسقاط القدسية عن شخص الملك، ومآل ما شخصه تقرير الخمسينية، وما أوصت به هيئة الإنصاف والمصالحة… هل نعيش في المغرب أزمة كون التعبير عن الوعود ليس هدفه تحقيقها فعليا بل تأجيل صدام معيّن، أو الابتعاد عن أزمة راهنة؟

هذا سؤال طويل عريض. لدي انطباع في المغرب بأنه منذ الاستقلال إلى الآن نعيش ما سماه لينين: “خطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء”.

الدساتير التي كُتبت منذ الاستقلال إلى الآن كلام على ورق. يوجد بون شاسع بين ما تعلنه مختلف النصوص وما يطبق منها، وما يمارس على أرض الواقع. لنأخذ مسألة حرية التعبير وحرية الصحافة: ما الذي بقي الآن في المغرب من صحافة حرة مستقلة جريئة؟ وكيف أن العديد من الصحافيين الذين قاموا بواجبهم موجودون الآن في السجن بتُهمٍ واهية ومُفبركة، يتم فيها عمدًا الخلط ما بين السياسي والأخلاقي والجنسي وهلمّ جّرًا؟.

صارت هذه مسألة منهجية، أن يعبر صحافي عن رأي نقدي، لا يتماشى مع ما تدعيه السلطة، فمباشرة تختلق قضية جنس مثلا، أو اختلاس، أو عَمالَة لجِهةٍ أجنبية وحتى مَسّ بأمن الدولة. هذا لا يطاق. حتى في عهد الحسن الثاني لم نعش محنة من هذا النوع. كانت الأشياء واضحة: أي فضح لطبيعة النظام وتسلّطه وممارساته الإجرامية يعاقب بالاختطاف والتعذيب والاختفاء والسجن، “والصلاة على النبي”.

اليوم، نشهد أن المستنقع الذي تحدثتُ عنه ينتشر أكثر فأكثر، وهذا ما يحُزّ في نفسي.

أنا حزين جدا لكون بلادي وصلت إلى هذا المستوى. كيف سيمكننا أن نتحرر من هذا الفساد الخُلقي الذي أصابنا ولم يكن موجودا من قبل في مجال السياسة التي كانت واضحة: أنت مع أو ضد، وإذا كنت ضد فتعرف الثمن الذي يجب عليك أن تؤدّيه؟. اليوم، نواجه أساليب أخرى هدفها الإخضاع والولاء التام والبعْبعة والأنانية والجشع والاستغلال الفاحش.

إذا استحضرنا الزمن السياسي سنجد أن “حركة عشرين فبراير” توقفت، هي وعدد من الحراكات الجهوية الأخرى، وتعبيرات جماهيرية أخرى. لكن، باستحضار الزمن الممتد، التاريخ، ما الأهمية التاريخية لحراك عشرين فبراير بالنسبة للمغرب، وبالنسبة لتاريخ الحركات المطالبة بالديمقراطية؟

حركة عشرين فبراير برزت في مرحلة تاريخية معينة، خصوصا أن شبيبة ذاك الجيل أحدثت فعلا قطيعة على المستوى السياسي والإيديولوجي والفكري والمماراساتي، وكان هذا حدثا هامّا جدا.

مشكل هذه الحركة أنها لم تستطع التكون فعلا كقوّة سياسية، لا أقول كحزب، فالأحزاب في المغرب نعرف كيف تتكوّن، ثم تتفسخ وتندمج في السائد.

لم تستطع “20 فبراير” أن تتشكل كحركة اجتماعية ذات نفس طويل، يمكن أن تضغط على النظام للحصول على مجموعة من المكتسبات الديمقراطية، وهذا مشكل يبدو أنه هيكلي في جميع الحركات من هذا النوع، في مصر وسوريا وحتى تونس والجزائر والعراق ولبنان.

الأحزاب السياسية في المغرب معروفة وجُلّها صارت أحزابا مخزنية بهذا القدر أو ذاك. ورأينا كيف أن حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إلى حساسية سياسية محافظة، وظاهريا على الأقل مساندة للشعب الفلسطيني، “ضرب الطّمّ” (أطبق صامتا) كما يقال بالدارجة على فضيحة التطبيع مع إسرائيل.

في الخلاصة، أريد أن أقوم بالتوضيح التالي: أنا لست مُرشدا أو فاعلا سياسيا، بل شاهدا يقظا ومواطنا مُعبأ على الدوام لنصرة القضايا التي أعتبرها جوهرية، والمرتبطة بإرساء الحريات الفردية والجماعية دون استثناء، وحقوق المواطنة الكاملة والعدالة الاجتماعية الحقّة، والثورة في مجال التعليم العمومي التي لم أتهاون أبدا في الدعوة إليها، وإعطاء الثقافة مكانة مركزية في السياسات العمومية.

وما أستنتجهُ من كل ذلك هو أن أي مشروع سياسي مآله الفشل والزوال إن لم يكن مُؤطَّراً ضمن مشروع حضاري.

#اللعبي #كآبة #المشهد #السياسي #مؤثرة #والحريات #تعيش #محنة #في #المغرب

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد