- الإعلانات -
المنظومة السياسيّة وإشكاليّات الانتقال الدّستوري والقانوني: أين يتموقع “محترفو السياسة” في تونس؟

منذ 6 ساعات
- الإعلانات -
حجم الخط
دستور الجمهوريّة الثانية الذي أخذ بأسباب الثّورة ومنْعِ التغوّل السياسيّ، ووضع أسس نظام برلمانيّ معدّل، نجده اليوم محور العمليّة السياسيّة في بلاد منهكة اقتصاديّا، تواجه تحدّيات غير مسبوقة وتبحث عن الاستقرار السياسيّ وتركيز مؤسّسات الدولة. وهي سياقات تدفع إلى النّظر في محتوى “الانتقال الدّيمقراطي” باعتباره مفهوما مستوردا من الخارج يقتضي البحث في طبيعة النظام السياسيّ ومآلاته. فهل تغيّرت منظومة الحكم؟ أم أنّها بحثت عن مشروعيّة جديدة لاستعادة القديم الذي فقدته؟ على نحو تطويع الثورة وتعويم المفاهيم وجعل “الانتقال” شكليّا لا يتجاوز الظّاهر، ولا بأس أن يتمّ وصفه بأنّه ديمقراطيّ. وتلك أزمة مفاهيم حقيقيّة يتمّ من خلالها احتراف المناورات والتّلاعب بآمال شعب طمح في الكرامة وفي وطن محفوظ السيادة.
ولكن الانتقال الدّيمقراطي الحقيقيّ يقتضي تغيير سياسات الحكم التي تسبّبت في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الرّاهنة والبحث عن منوال تنمويّ مغاير للأجندات الخارجيّة يكون في خدمة المصلحة الوطنية. فاتّباع السياسات نفسها التي كانت قبل ثورة كانون الثاني/يناير 2011 والابقاء على الخيارات نفسها والاشتغال على خطاب الأزمة بشكل مستمرّ كأداة لإدارة الحكم أوصل التّونسيين إلى الاحباط. وشعورهم بتبخّر آمالهم التي تقاسموها أثناء هبّتهم الشعبيّة التي أسقطت نظام الحزب الواحد، وانسداد الأفق وتفاقم الفقر والبطالة وضعف المقدرة الشرائيّة واستفحال الفساد ينهض دليلا على خيبات الاقتصاد والسياسة وفشل الأحزاب السياسية وعجزها عن تقديم بدائل حقيقية تزرع الأمل بالتغيير. وهي تُراكم مراهقتها السياسية التي غيّبت التّعامل بشكل جدّي ضمن مجريات تشكيل الحكومة، وعوض تغليب مصلحة الوطن وتحمّل المسؤولية السياسية والأخلاقية في مرحلة الأزمة والتحدّيات غلّبت الأحزاب مصالحها الضيّقة، وتحرّكت وفق منطق الغنيمة والمحاصصة بخطاب وسلوك مكشوفين أمام الرأي العام.
الدستور
منذ أن وُضع الدستور على المقاس، يحتدم الجدل في كلّ مرّة بتأويلات مختلفة. فهل يكمن الخلل في النصّ الدستوري بما يقتضي ضرورة تعديله؟ أم أنّ منطق الابتزاز والمناورة من طرف بعض الأحزاب ورغبتها في تحصيل أكبر المكاسب السياسية والمناصب الوزارية هي التي تجعلها تفتعل الأزمة؟ يختلف الدّستور الحالي عن دستور 1959 في مستوى تفعيله لهيئات دستورية جديدة كهيئة الانتخابات وهيئة الاتّصال السمعي البصري وهيئة مكافحة الفساد وهيئة حقوق الإنسان، وأيضا في مستوى تنظيم السلطة السياسية، الأمر الذي أفضى إلى استساغة نظام برلمانيّ معدّل رغبة في الابتعاد عن النظام الرئاسي ومعضلة التفرّد بالحكم. ولكن اضطراب الممارسة وارتجال الصلاحيات وتداخل بعضها بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة أدّى إلى تكرار الأزمة السياسية بين المؤسستين التنفيذيتين ومحاولات السّلطة التشريعيّة في كلّ مرّة استعادة مكانتها الأدبية والقانونية بالتأكيد على أنّ مركز السلطة الحقيقي يكمن في البرلمان، بالإضافة إلى ضعف أداء الهيئات الدستورية “المستقلّة” وخضوعها للتأثير بشكل من الأشكال من قبل الأغلبية التي تنتخبها في البرلمان، وهي غير محصّنة ضدّ ممارسة النفوذ بمنطق الولاء لمن منحك الثقة. ومثل هذه الواقعية السياسية مُفسدة للمسار الديمقراطي وعنوان ترذيل للحياة السياسية بالنظر إلى ثقل التوازنات داخل المجلس النيابي وتأثيرها على تركيبة مثل هذه الهيئات المنتخبة.
الانتقال الديمقراطي الذي يُفترَض أن يتمّ على المستوى الدستوري والقانوني وعلى المستوى السياسي ويُترجَم على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي غير ناجزٍ من الناحية العمليّة، وتكديس النصوص لا يعني تجديد الفكر الدستوري أو الفكر السياسي. فالمنظومة السياسية هي ذاتها، وما أثبت التاريخ فشله متواصل إلى الآن. والدستور التونسي الذي أشاد به كثيرون ما زال بعيدا عن المقاصد الحقيقيّة للدساتير التي تحترم إرادة الأمّة وتُترجِم تطلّعاتها وتحفظ كرامتها. ويثير إلى الآن مسألة نوعية النظام السياسي الذي قيل أنّه “شبه رئاسيّ” أو “شبه برلماني” وإن كان في واقع الأمر نظاما برلمانيّا معدّلا. وهذا النظام الذي وضعه أعضاء المجلس الوطني التأسيسي أرهق الدولة ومؤسّساتها، وعمّق ما يطرأ على المشهد السياسي من صعوبات، خاصّة مشكلة غياب التوازن بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية برأسيها. فالحكومة مسؤولة أمام البرلمان وتنال ثقتها من هذا البرلمان عند تشكيلها، ويمكن توجيه لائحة لوم ضدّها تصل إلى سحب الثقة منها. والدستور نفسه يمنح رئيس الجمهورية امكانية حلّ مجلس نواب الشعب في حال استنفاد المهلة الدستورية لتشكيل الحكومة، ويتعمّق الإشكال بين جناحي السلطة التنفيذية في حال غاب التوافق بين ساكن قرطاج وساكن القصبة ولم يكونا من نفس الحزب أو عمّقت خلافاتهما التوازنات السياسية والمناورات الحزبية كما حدث بين يوسف الشاهد والباجي قايد السبسي سابقا. هذا إضافة إلى ما ينصّ عليه الفصل 93 من الدستور بأنّ مجلس الوزراء ينعقد بدعوة من رئيس الحكومة، وهو نفسه رئيس مجلس الوزراء، ولرئيس الدولة أن يرأس وجوبا مجلس الوزراء في مجالات العلاقات الخارجية والدفاع وما يتعلّق بالأمن القومي، وله أن يحضر ما عداها من مجالس وزراء، وإذا ارتأى حضور أيّا منها فإنّ رئاسة المجلس تكون له وليس لرئيس الحكومة.
يستتبع ذلك الخلط الوارد في الفصل 92 والذي يقضي بأنّ رئيس الحكومة يبرم الاتّفاقيات الدولية ذات “الصبغة الفنّية” في الوقت الذي يتولّى فيه رئيس الجمهورية تمثيل الدولة خارجيا ويضبط السياسات العامّة في مجال العلاقات الخارجية كما ينصّ الفصل 77 من الدستور، وهو من يبرم السّلم والمعاهدات وإن كانت ذات طابع “فنّي”. ولا وجود لتمييز واضح في الدستور يزيل هذا التداخل، فقط كلام عام ينطق بعبارة أنّ الرئيس “يختصّ بضبط السياسات العامّة”. وبالمحصّلة يبدو أنّ النظام السياسي الحالي يثير عددا من الاشكاليات من حيث توزيع الصلاحيات بين السلطتين التنفيذيتين وهناك نقاط تقاطع أخرى تثير الارباك والتشويش بين أجهزة الدولة، وما انتهى إليه صائغو دستور 27 كانون الثاني/يناير 2014 تسبّب في غياب الاستقرار الحكومي الأمر الذي أفضى إلى عدد لا بأس به من الحكومات المتتالية على مدى ستّ سنوات من تاريخ تفعيل العمل به. والمتاهات السياسية التي تعيشها تونس تعود في جزء منها إلى مثل هذا النوع من الأنظمة السياسية الذي يحتاج إلى مراجعة وتعديل بمثل ما يحتاجه القانون الانتخابي. ولعلّ ما ينطق به الفصل 101 من الدستور والمتعلّق بتنازع الاختصاص دليل واضح على إدراك حجم التناقضات من قبل واضعي الدستور أنفسهم حيث ينصّ هذا الفصل على أن تُرفع النزاعات المتعلّقة باختصاص كلّ من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى المحكمة الدستورية التي تبتّ في النزاع في أجل أسبوع بناء على طلب يُرفع من أحد الطرفين.
من الجيّد أن يوجد في قصر قرطاج أستاذ قانون دستوري، ففي غياب المحكمة الدستورية رئيس الجمهورية وحده الضّامن لاحترام الدستور، وعمليّة تأويله هي من اختصاص رئيس الدولة، ولا مجال أن يؤوِّل غيره النصّ خاصّة ممّن ليست لهم الصفة أو الأهليّة. والمشكلة التي أثيرت بخصوص سحب الثقة من حكومة تصريف الأعمال ليست مشكلة ثغرات دستورية بل هي مشكلة من تخبّط عبثا وسقط في فخّ تأويل متسرّع للدستور، واستمع لنصائح مغالطة رغّبته في افتكاك المبادرة ممّن لهم الصفة الدستورية. وفي النهاية أدرك هؤلاء أنّه لا مجال من الناحية الدستورية سوى الاشتغال ضمن الفصل 89 من الدستور، وهذا المسار ينتهي بعد انقضاء الأشهر الأربعة ولا يجوز اعتراضه، ومن يبحث عن سحب الثقة من حكومة تصريف أعمال هو “خارج الإطار الدستوري” بتعبير الأستاذ قيّس سعيد، “لأنّ حكومة تصريف الأعمال غير مسؤولة بما أنّها انبثقت عن أغلبية كانت قائمة في ظلّ المجلس النيابي السابق. واليوم لا يمكن للمجلس سحب الثقة من حكومة تصريف الأعمال”.
هكذا حسم رئيس الجمهورية الجدل الأخير الذي حاولت من خلاله حركة النهضة افتكاك المبادرة منه والافلات من مصير حلّ البرلمان. وهامش المناورة لمن أراد أن يعبث بالعملية السياسية قد تقلّص، والجميع استوعب الدرس. وربّما هناك فرصة للانتقال من طور الأزمة إلى مرحلة ما من استقرار الدولة وتثبيت مؤسّساتها والمضيّ نحو حكومة انجاز اقتصادي واجتماعي عناوينها الرئيسية محاصرة الفساد وإصلاح منظومة الحوكمة ومراجعة السياسات العامّة. هذا إذا كانت الطبقة السياسية في مستوى الرهانات وعلى وعي بحجم التحدّيات التي تتطلّبها المرحلة. وعليها أن تصحو من غفوتها وتَعْدِل عن فساد تدبيرها، وتتحلّى بالمسؤولية الوطنية والاخلاص للأمانة وتكون جزءا من عملية الإصلاح الوطني بعيدا عن منطق الغرور والأحادية ومركّب المنفعة الفئوية واقتسام الغنيمة.
الصورة من المصدر : www.alquds.co.uk
مصدر المقال : www.alquds.co.uk
- الإعلانات -
