- الإعلانات -
الواقعية المتوحشة في قصص عبد الحفيظ الزياني

الأديب القاص عبد الحفيظ الزياني من القلائل الذين يحسنون توظيف الواقعية المتوحشة في بنائهم القصصي. والواقعية المتوحشة Savage realism ضربٌ من الواقعية الأدبية التي يلجأ إليها الروائي أو القاص لتصوير أنماط حياتية، أو أشكال منفّرة يقابلها المرء كلَّ يومٍ في حياته، وقد تبدو أحياناً تافهةً فلا يلتفتُ إليها، ولا تثير اهتمامه لفرط اعتيادها. والعادة هي تكرار الإتيان بالشيء حتى يسهل القيام به. تمرّ بنا كلَّ يومٍ مشاهد هي صورٌ من الواقع المعيش، لكنها صورٌ مؤلمة تترك في النفوس جروحاً غائرةً تنزّ قيحاً وصديداً. جروحاً ليس لها من دواء غير الأُلفة والاعتياد حتى لكأنها القضاءٌ والقدرٌ لا مهربَ منهما. الواقعية المتوحشة هي تلك الأحوال الشرسة التي لفرط شراستها لا نأبه لها، كألفة الموت على قارعة الطريق، أو عند باب مسنشفى أو ملجأ. الواقعية المتوحشة أن ترى كلّ ذلك غير آبهٍ به، كأن ترى المتسول يجري لاهتاً وراء أحدهم يستجدي درهماً ليشتري به رغيفاً يسدّ به أودَه. الواقعية المتوحشة هي ذلك الحزن الدفين الصامت الذي تعجز عن التعبير عنه كلّ أدبيات الدنيا، شعراً ونثراً، إلا دمعةً سخينةً تطفر من محجرها كرهاً.. هي القهر، والاستكانة، والتسليم.
القاص المبدع كالمصوّر المبدع يلتقط صوراً من الحياة اليومية.. قد تكون صوراً صغيرةً مُبعثرةً لا يُلتَفَتُ إليها بسبب ما يكتنف حياةَ الناس من عَنَتٍ ومُغالبَةٍ، أو لانشغالهم بضنكِ العيش، أو لانغماسهم في غمرات اللهو والعبث، أو لبلادةٍ تستبدّ بهم.. وأكثر الناس يطلب من الدنيا ما يفيض عن حاجته، وكأنه المراد بقول المعري: (تعبٌ كلها الحياةُ فما أعجبُ ** إلا من راغبٍ في ازديادِ).
اللجوء إلى الواقعية المتوحشة في الأدب دعوة إلى الإثارة الذهنية عند المتلقي للتفاعل مع الوقائع المألوفة المتّشحة بشيء من الهمّ والغمّ.. إنها محاولة لكسر جَبَروت الإلْف.
كانت تثيرنا رؤيةُ الأرملةِ المتسوِّلةِ، واليتيمِ الحافي، والأعرج العريان، والمنغرس داخل صندوق القمامة يبحث في قعره عن كسرة خبز يقتاتها. ولكن ما عاد ذلك يحرّك فينا شعرةً، إذا ما قيس بالجثث المحترقة، والأشلاء المتناثرة، والمباني المتهدمة، ورائحة البارود والغازات السامة. حتى هذه ما عادت تحرّك فينا ساكناً، إنه جَبَروت الإِلْف. حكى لي يوماً صديقٌ فلسطيني، وقال لي إنه كان يغمى عليه إذا رأى دماً، ولم يصدّق نفسه أنه بألفة رؤية الدماء واعتياد مرآها، بات يجمع الأشلاء البشرية المتطايرة إثر كلّ قصفٍ صاروخي على المخيم الذي يقطن فيه، وكأنه يجمع بقايا العلب أو الصناديق.
الواقعية المتوحشة ضربان: ضربُ شرسٌ يفوق كلّ تصوّر، ويعجز القلم عن التعبير عنه لفرط فداحته، ولا يقوى على تصويره إلا مصوّر قُدّ قلبُه من صخر، يحمل على ظهره مصوّرته الثابتة أو المتحركة. وضربٌ ليّن الملمس كالأفعى تحمل في أنيابها السمّ الزعاف.
وقد يَلتبِس الأمرُ فَيُظَنّ أنّ الواقعية المتوحشة هي عينُها الواقعيةُ القذرة Dirty realism وليس الأمر كذلك. فالواقعية المتوحشة غير الواقعية القذرة، وهذه الأخيرة مصطلح صاغه بيل بوفورد Bill Buford من مجلة جرانتا Granta magazine لتعريف الحركة الأدبية في أميركا الشمالية. والكتّاب في هذه الواقعية يصورون الجوانب الأكثر دنيوية أو الأكثر تدنياً في الحياة العادية، وذلك في لغة غير مزخرفة.
وقد ظهر المصطلح عنواناً في طبعة صيف 1983 من مجلة جرانتا، والتي كتب بوفورد مقدمة تفسيرية لها، يقول فيها: ”الواقعية القذرة هي خيال جيل جديد من المؤلفين الأمريكيين، يكتبون عن الجانب الباطني للحياة المعاصرة؛ زوج مهجور، أُمُّ غير مرغوب فيها، سارقُ سيارة، نشّال، مدمن مخدرات. لكنهم يكتبون عن ذلك بانفصال مزعج، وفي بعض الأحيان في شكل كوميدي، حيث تشكّل هذه القصص، المبهمة، والساخرة، والوحشية في بعض الأحيان، صوتاً جديداً في الخيال. فتعتبر الواقعية القذرة أحياناً مجموعة متنوعة في بساطتها الأدبية، وتتميز باقتصاد بالكلمات، والتركيز على الوصف الظاهري. ويميل الكتّاب الذين يعملون في هذا النوع إلى تجنب الظروف والاستعارة الموسعة والمونولوج الداخلي، بدلاً من السماح للأشياء والسياق بإملاء المعنى. وتظهر الشخصيات في مهن عادية وغير ملحوظة“.
والواقعية المتوحشة، اللينة الملمس، في أقاصيص الزياني غير الواقعية القذرة. وقد اخترنا في هذه المرّة قصتين قصيرتين من أقاصيص الزياني اللتين تترجمان معنى الواقعية المتوحشة، اللّينةِ الملمَسِ التي لا ينتهي اثرها بانتهاء قراءتها. وهذا النمط القصصي يذكر بأعمال عبقري القصة القصيرة الفرنسية دي موباسان صاحب أشهر قصةٍ قصيرةٍ La parure (العِقْد) نالت الإعجاب على مستوى العالم، إذ ترجمت إلى لغات الدنيا، وتحولت على صغرها إلى مادة سينمائية، وعباقرة القصىة الروسية: غوغول الذي خرج من عباءته، أي من روايته الشهيرة (المعطف) أو العباءة، أغلبُ الروائيين الروس على رأي كبيرهم دوستويفسكي، وأنطون تشيخوف، أحد أمهر من كتب القصة القصيرة، ولعلّ كثيرين منّا يتذكرون قصته القصيرة الرائعة (موت موظف). ولا أشكّ أبداً أن القاص عبد الحفيظ الزياني قد تأثر لاحقاً بهؤلاء وبغيرهم، في بنائهم القصصي الذي يقوم على عنصري الدهشة والمفاجأة على الأقل.
![]() |
![]() |
وقد اخترتُ في هذه المناسبة، ونحن ما زلنا في معرض التعريف بهذا القاص الفريد الذي لم يلتفت إليه بنو جلدته، قصتين قصيرتين تعكسان تصوّرَه للواقعية المتوحشة ذات الملمس اللين. الأولى بعنوان (تفاحة)، والثانية بعنوان (مبروك). ولعلنا في لاحق الأيام نعرض أقاصيص أخرى لهذا القاص الفذ. في قصته (التفاحة) يعالج موضوعاً قلّما يُلتفت إليه، وهو (اللهفة). ومجرد التلهف إلى الشيء لا يبلغ به المتلهفُ حاجتَه، والشوق يكون صغيراً بقدر ما يكون كبيراً، وذلك بحسب مكانة المشتاق، والكلّ يتلهف على قدر حاجتة. فالشحاذ أو المتسول عند الزياني أكبر همه أن يقضم قطعة من تلك التفاحة التي تغازله ببريقها من داخل الصندوق. ولكن هيهات!!
إنّ العقل الباطن للشحاذ يحدثه أن أحذر، فلعلها تلك التفاحة التي أخرجت أباك من الجنة، أو لعلها تنحدر من نسلها. ولكن عقله الظاهر ما فتئ يحدثه بصوتٍ غير مسموع: “وهي التي ستفتح أبواب الفردوس أمامك..”. لهفة متواضعة نحو تفاحة في صندوق الفاكهة.. ظلّ يتابعها بعينين جائعتين، وهي تغازله، حتى بعد أن سقطت من الصندوق وتدحرجت في الطريق ودهستها سيارة عابرة.. لتدهس معها تلك اللهفة الجنونية في قلبه فيموت حسرةً متكوراً على نفسه وكأنه تمثال المفكر للنحات الفرنسي رودان. وهذه القصة القصيرة ذكرتني بقصة تحمل نفس العنوان للكاتب الإنجليزي ه. ج. ويلز (التفاحة)، وبطلها هِنشكليف Hinchcliff الذي تخرج مؤخراً في جامعة لندن، وسافر بالقطار لتولي منصبه الجديد كمساعد مبتدئ في مدرسة Holmwood Grammar School المرموقة في ساسكس Sussex، وأثناء السفر يدخل في محاورة مع الراكب الآخر الوحيد في عربته. الرجل في البداية يغمغم في نفسه، غافلاً عن رفيقه: “يجب أن أتخلص منه.. لماذا لا أتخلى عنه.. أعطه! لما لا؟“.
وعندما يدرك هنشكليف أنه ليس بمفرده، يزيل من حقيبته شيئاً مستديراً وملفوفاً بورق فضي، “فاكهة صغيرة، ناعمة جدًا، صفراء ذهبية”، فيعرضها على السيد هِنشكليف مُدّعياً أنها تفاحة من شجرة المعرفة، وأنه حصل عليها قبل ثلاثة أشهر من أرميني أنقذ حياته. كان الأرميني يفر من أعدائه الأكراد، وبعد ثلاثة أيام عثروا على واد غريب في الجبال، جنة عدن. تراجع الأرميني، خائفاً، بضع خطوات إلى أعلى الجبل، لكنه تعثر أمام إحدى الشجيرات وسقطت ثمرة ناضجة في يده، والتفاحة التي ينظر إليها السيد هينشكليف الآن، هي تلك الفاكهة المحرمة.
يمضي الرجل ليشرح أنه على الرغم من أن آدم وحواء قد سبق وأكلوا من شجرة المعرفة، فإننا لا نرث معرفتهم، بل خطاياهم فقط. لكنه متردد في تناول التفاحة بنفسه كما كان ينوي في الأصل، خوفًا من أن “الوضوح الرهيب” الذي قد يكتسبه قد يسلبه سعادته، حيث “أصبح العالم كله واضحاً بشكل مثير للشفقة”. لذلك قرر أن يعطي التفاحة لشخص لا يشاركه خوفه. وبينما كان السيد هِنشكليف يغادر القطار عند وصوله إلى محطة Holmwood، قام الرجل فجأة بدفع التفاحة في يده وذهب القطار.
يعثر السيد Hinchcliff على شاحنة لأخذ أمتعته، ويمشي أمامها إلى مدرسته الجديدة. إنه شديد الوعي بالانتفاخ الذي أحدثته التفاحة في جيبه الجانبي وأفسد يفسد مظهر سترته. ويفكر في تناول الفاكهة، لكنه يخلص إلى أنه سيكون من غير المناسب رؤيته وهو يفعل ذلك في الأماكن العامة. حول منعطف في الطريق تأتي فتاتان صغيرتان، وخوفاً من أن تضحكا لرؤيته منزعجاً جداً من التفاحة، ألقى السيد هِنشكليف بها على جدار حجري في بستان، وكأنه يقول تبّاً للمعرفة وتبّاً للجوع معاً. وجوع المعرفة وجوع المعدة كلاهما يُخرجان المرء عن وقاره.
في وقت لاحق من تلك الليلة، رأى السيد Hinchcliff حلماً يقنعه أن الفاكهة كانت حقاً تفاحة شجرة المعرفة. وفي وقت متأخر من مساء اليوم التالي، بعد حلول الظلام، عاد لمحاولة استعادة التفاحة من البستان، ولكن دون جدوى. والشأن نفسه مع تفاحة الزياني: فالشغف واللهفة قد يُخفيان وراءهما إمّا نجاحاً كبيراً أو فشلاً ذريعاً. وعلى رأي العبارة الشهيرة: ”لو كانت الأمنيات خيولاً لامتطى صهواتها المتسولون!!“.
يموت بطل قصة الزياني (التفاحة) حسرةً وكمداً ولمّا يبلغ حاجته.. يموتُ بسبب تافه، وكلّ سبب تافهٍ في عين صاحبه كبير. يموت المتلهف شوقاً إلى التفاحة كما مات أكاكيفيتش بطل قصة غوغول (المعطف) كمداً لفقد معطفه الجديد، ويتحول إلى شبحٍ يسرق معاطف الناس في سان بطرسبورغ!!
![]() |
وفي قصته (مبروك) تتجلى الواقعية المتوحشة في أوضح صورها.. المبروك ذلك الهائم على غير هدى. يعيش حياته كما يحب أن يحياها غير ملتفتٍ إلى حياة الناس وما فيها من مكابدة وعبث، لا تتحكّم فيه قوانين ولا أعراف مصطنعة. قوانينه فطرية يحكمها مبدأ (لا تؤذ أحداً، وخذ بقدر حاجتك، ولا تنظر إلى ما في يد غيرك، ولا تعبأ بما سيأتي، ولا تأسو على ما فات). حياة (مبروك) برغم قسوتها تنطوي على فلسفة عميقة لا يدركها اللاهتون وراء مكتسبات آنيّة، أو أعراض زائلة. (مبروك) درويش وليس من الدراويش، صوفي وليس من المتصوفة. قد يبدو لك للوهلة الأولى أنه أحمق، ولكنك لن تلبث طويلاً حتى تكتشف أنه أكثر حكمةً وتعقلاً من غيره بالرغم من الثوب الخيش الذي يرتديه. (مبروك) عند الزياني نموذج يشبه في حياته الفيلسوف اليوناني ديوجين الكلبي بأسماله البالية، أو شبه العاري الذي يسكن برميلاً خشبياً، لا يأبه لأحد حتى لو كان الإسكندر المقدوني!!. (مبروك) لم ينقصه إلا أن يحمل مصباحاً يتفحّص به وجوه الناس، صارخاً: إني أبحث عن الإنسان !! ولكن ؛ يا لضيعة الإنسان !!. (مبروك) الزياني كائنٌ يعيش خارج الزمان والمكان!!.
د. الصديق بشير نصر
(1) التفاحة
قصة قصيرة بقلم القاص عبد الحفيظ الزياني

كــان يــرى نفسـَـه خــارج ذاتهِ.. شـابـاً يافعــاً موفور الصحة حسن المظهر.. يمشــي.. يهــرول.. يعــدو.. يطيــر.. في حقول مترامية من البراري الزاخرة بالخـُزامى و الزعتـر و الأقحوان.. كان يجري بسرعة بطيئـة جــداً وبخـفـّـة تتسـع معهـا المسافـة بين خـُـطواتـه تدريجيـاً.. متــر.. مترين.. أربــعة.. عشرة أمتـار.. وبقدر اتساع خطواته.. بقدر ارتفاع قـوس قفزاتــه.. يرتفـع بجسده عن الأرض في كل قفــزة حتى يطــاول أعلى الأشجـار المجــاورة ويستشعر برودة النسيم حــول قممهـا.. ودفء وعبـق الرياحين حين يهبـط بهـدوء لتلامـس أقـدامـه الأرض المعشبـة من تحتـه.. ليعــاود القفـز والعـدو والمشـي من جديـــد.
استيقـــظ على مواء قـطٍ شبـق يزمجر خلف أنثـاه.. ليستفيق من حلمه المجنـّـح الذي طالما يراوده في كلّ منام.. استفاق على واقعـه المريـر عديم الطعـم والمعنـى.. شــريـدٌ منهـكٌ في منتصف العمـر ينــام في العــراء.. لا يقـوى على العمـل ولا يرغب فيه.. سقـطُ متـاعِ المجتمـع.. لم يملأ بطنـه بطعـام منذ دهور مكتفيـاً في قوته على ما يجد من بقايا شطائر بما يتفق أن تحتويه من هريـس وأثر زيت ليزدردهـا ببقايا جرعات مـاء في قعر قواريــر البلاستيك المرمية على حـواف الرصيف بالقرب من مضجعه.. وإن كان يختلسها في غفلة من أعين المـارة. ينـام جالسـاً القرفصـاء مسنــداً ذقــنه غير الحليق على يديـه المضمومتين على الركبتين المنتصبتين كـأنه تمثالٌ غيرُ مكتملٍ لرودان قابـِـعٌ في زاويــة الرصيـف.. في ركـنٍ منـزوٍ قـلّ مـا تطـرقه أقدام المشاة إلا لمن رام قضاء حاجة.. يفصـله الشارع العريض عن الرصيـف المقابل حيث بـاعــة الخضـار والفواكـه المحاذي لسور المدرسة.. الفئـران لا تعبأ بوجوده وتتنــطط طـول الليل حولـه.. وقطط الشوارع تعامله كأنه جزيرة دوران ناقصة ضلع في طريقهـا.. ولا تعيره أي اهتمام لأنه مجرد كـومة من أسمـال رثـّـة لا ترتقي في نظرها لقيمة أكياس القمامة المكتنزة بما لـذّ لهــا وطـاب.
استفاق من حلمه الأزلي وتراءى له مشهـد الواقـع من حوله دون أن يفتح عينيه متظاهراً بمواصلة النـوم علـّـه يستدرك حلمـه من جديــد.. مـرت أمامه قطـة نزقـة.. نظرت إليه بلا اكثرات ثم قفـزت برشاقـة ودقـة لتجتـاز بركتيـن صغيرتين من مـاء آسـن على حـافة رصيـف عرينـه الأثيــر.
مع تنامي ضوضـاء الصباح في السوق لم يرغب في فتح عينيــه ولم يقــوَ على فتـح فمـه.. ومـع نعيـق بـوق سيارة الخضـّـار لم يقـاوم رغبتـه في فتـح عينـه جزئيـاً ليرى من بين رموشه المشبـعة بالعمش بريـق تفـاحــــة لمعـت بين رفيقاتها في صندوق قام الخضـّـار بإنزالـه من السيارة ليضعـه على حافة الرصيف..أجبـر رموش عينيـه ليفصـل عناقهـا بصعوبـة ليستوعب المشهـد.. وتسمـّـر نظـره على تلك التفاحـة.. أكمـل الخضـّـار إفــراغ السيارة من حملهـا وشرع يضـع صناديق الفواكـه مائلـة 45 درجة.. ولم تغب التفاحة عن عينه.
لغــط السوق بــدأ يتنامـى.. والحركـة في ازدياد ومساحة الظل في الشارع بدأت تنحسر.. وبقي محتفظاً بوضع جلوسه على الرصيف بمعزل عن انتباه الآخرين وعينه على التفاحة.. رمــاه أحـد المــارة بمنديل ورقي مكوم على ما فيـه.. فلم يلتفت له وعينـه على التفاحة.. مــر بقربه محسنٌ دسّ بين أصابعه قطعـة نقد عديمة الملامح فلم يعبأ بها واستمر ينظــر بشرود غير مصطنـع نحـو التفاحــة.. حتى قال له رأسه محـذراً في ورع بــارد: “آه هـَـه غـُـضّ الطرف.. فتلك التفاحةُ هي التي طردت جــدَّك من الجنـة، ولا تنس أنّ أصلَ الخطيئة بين بني البشر كانت تفــاحـة”. فقــال لرأسه بصوت غير مسموع.. ودون أن يحرك شفتيه ولا لسانه : “وهي التي ستفتح أبواب الفردوس أمامي.. هه“.
واستمر يرنــو نحـو التفاحة حتى استحال الوجــود من حولها قــوس قــزح امتزجت ألوانــه في ضبابية تداخل فيها الضـــوء مـع الظـــل.. وصــارتِ الأصـواتُ كأنهــا أنيــن بحـرٍ بعيـــد تصطخب أمـواجـه ثـم تخفـت.. وزاد بريــق التفاحة بهـَــاءً في عينه حتى تهيـّـأت لــه شمعة مضيئة في محراب صلاتــه.
![]() |
تـدحـرجـت التفاحة من صنـدوقهـا بعـد أن صـدمـه عرضـاً تلميـذٌ يجـرّ حقيبته الثقيلة على الرصيف.. طفــرت من عينـه دمعـة باردة خالية من أي أثر للحـزن المعتق في صدره.. غطـّـت مؤقتـاً صورة التفاحة لتسيل بكسل على وجنتـه المتغضّنـة وتغـرق في لحيتـه المهملـة.. ليستقر نظـره من جديد على التفاحة وهي تتـدحرج بين أقـدام المـارّة وتستقر وسط الطريق ولم تفقد بريق احمرارها ونضارة قشرتهـا التي استمرت في التـوهـّـج تحت شعاع الشمس.
بقيت عينه على التفاحة تختفي وتظهر بين السيارات العابرة وازدحام الباعة والمشترين.. حتى ركلتها دون قصد قـدم مختبئة في حــذاءٍ أسود لامع فتدحرجت وعينه عليهـا وهي تجري مـن الرصيف إلى جـانب الطريق مهمـلة منسية منبوذة تتقاذفهـا أقدام المـَـارّة.. بــدأ يشعـُـر بنغــزة ليست غريبة في صـدره مـع صعـوبة متزايدة في الاحتفـاظ بنفـَسـِه داخل رئتيـه المتعبتيــن.. لم يحـرك ساكنا ولم يغيــر جلسته.. وطفـق يحـدّقُ في التفاحـة.. ولم يلحظ شاحنة مثقلة بحملها مرت أمـامه لتحجـب عنه التفاحة لبرهـة.. ثـُـمّ تعــود وقـد استوت بالأرض أمام ناظـريـه.. ولكنـه لم ير هشيم التفاحة وعصارتها التي أريقت على الإسفلت البارد.. فقــد أسلـم الـروح بلا ضجيـج ولا عويــل.. بلا شهـادة ولا تلقين.. ولا لجنة طبية تحيط بمرقده الأخـــير.. لينـــام جالسـاً القرفصاء نـومتــه الأبـديـة ويعـاود حلمـه الأزلي بالقفـــز فــوق حقــول من النـــورِ و الزهــــورْ.
عبد الحفيظ الزياني
طرابلس 16 سبتمبر 2014
(2) المبروك
قصة قصيرة بقلم القاص عبد الحفيظ الزياني
“ختـُوشة الخـشْخـوشة.. بوخيشة خـَش لحوشـــه“.. تعــوّد سمـاع هـذه الأهزوجــة يهــزأ بهــا منـه صبيـان الشوارع ويلاحقونـه حيثمـا يرونـه لمعاكسته وممازحتـه لتعكير صفـوه.. ولكنـه غالباً ما يحتوي الأمــر بابتسـامتـه الوضـاءة الغامضـة وعينيـه اللامعتين.. ولا يكتــرث بهـم كثيـراً وهــو يمشي الهوينـا لا يلوي على شيء.
لا أحــد يعــرف لـه اسمــاً رسميــاً.. ولا أحــد سعـى ليـعرف.. فهــو (المبــروك) عنـد من يعرفونـه عـن قـرب في السلخانــة حيـث يعمـل ويعيـش.. وهـو (ختوشــة) عنـد غيرهـم.. تعبيــر عـامّـي يـُطلق على مـن يُشتبـه في أنـه مـُختـَشْ ؛ أي كما يقولون خـاش في عقلـه وطالـع.. أمـا الاسم بو خيشة فمَـردّه لأكياس الخيش (القُنّـب) التي كانت ملابسـه المفضلة.. وقـد لا يكون هـذا التوصيـف مجـافـياً للواقـع.. فالرجـل على وفــاقٍ راقٍ مـع عقلـه.. وتناغـمٍ تــامٍ مـع نفسـه.. ولا يحمـل في قلبـه غيـر المحبـة لكل مـا يحيط بـه ويمتـد حبــه لجميـع الكائنات الحية حتى الناطـق منهـا .. كان يحدّث الناس من حولـه دون كلام.. ويكتفي في تواصلـه مع الآخريـن بالإشـارة والابتسـام مـا استطاع لذلك سبيلاً.
شغوفــاً بالحيـــاة نظيـف المظهــر طاهـر الطويــة بوسامـةِ يسـوعَ وحنــانِ الحـَـلاّج.. كان غالبـاً مـا يقرأ في سره بعض الآيـات القرآنيـة.. فهـو في مرحلـة معينـة من طفولتـه وصبـاه حفـظ القرآن وتعلـم اللغـة.. وفي مرحلة لاحقة قبل أن يصل المدينة اشتغل صبيـاً في جني المحاصيل (الرَغـّاطـة) ورعايــة الماشيـة في الأرياف.. وتنقـّـل من عمل لآخــر.. ولم يضـع قطعـة نقـد في جيبـه بل كان يكتفي بما يحصل عليه من مكافآت عينية من طعام أو شراب أو ملبس أو مأوى.
لم يسألـه أحـدٌ كيف أو متـى جـاء إلى المدينـة.. ولم يخطـر ببـالـه أن يحكي لأحـد عن نفسـه.. ليس له ذكريات فهـو لا يحفـل بمـا مضـى ولا يكتـرث بمـا هـو آت.. يعيش اللحظـة حتى الثمـالة بقلب راض ونفس هانئـة وبسمة دائمـة.. والماضي مجــرد صـور ومشاهـد مبثوثــة في ثنايـا ذاكـرته التي لا يفتح أيّاً من ملفاتهـا حتى مـع نفسـه.. لا يهتـم ألبتّـة بمـا قد يحدث غـداً، فالمستقبل يأتيـه أولاً بأول في كل لحظة يعيشهـا بأبعادها الثلاثة ولا يحفل قط بالبعد الرابع.. والحيــاة عنـده يـوم لا سابق له ولا لاحــق.. يبدؤه مع تبيان الأسود من الأبيض في غبشة الفجـر، وينفــق شمس نهاره دائبَ الحركة لا يستكين.
أنهمــك المبروك طيلــة العصريـة في تنظيــف ساحــة الذبــح والسلخ.. و راكـَـَم أكـوامَ جلـود البهائــم بـرُكنهــا المخصـّـص.. وغَسَلَ الأرضيـة بِكَــمٍ وفيــرٍ من الميــاه.. ثـُـم تحـوّل إلى الحظــائر يجمــع مـا تراكـم فيها من فضلات وهـو يمسح على رؤوس الماشية ويتمتم بمـا يحفظ من آيات القرآن.. وتأكد من امتلاء آنيـة العلف والشراب بكل حرص وحـدب.. إذ أن علاقتـه بالماشيـة والحيوانات علاقـة محبـة وألفــة غيـر مفهومـة لأحـد.. ولذلك سمـاه المقربون منـه (المبروك).. فقـد كان يجهـّـز الذبيحـة دون الاستعانـة بالحبال لربطهـا أو مصارعتهـا لطرحهـا أرضـاً.. بل يضع يـده على ناصيـة الدّابـة ويتمتم بصوت خفيض واضح النبرات البسملة والتكبيــر حتى تنُــخّ بهـدوء وتنطرح أرضاً وتمـد عنقهـا للذبـح بإذعـان غريب.
خـارج السلخـانة وعلى امتـداد الشارع العريـض بـدأت ملامـح التحضير لإقامـة الفيشطـا تتجلـى بشكـل ملحـوظ.. وهـي مهرجـان تجـاري واكب الدورات الأولى لمعرض طرابلس الدولي.. أسبوعيــن في السنة مفعمـة بالفـرح والمـرح واللهو والترفيـه.. تتغيـر فيهـا رتابــة الحياة تشهدهـا طرابلس خلال العقــود الأولى من القـرن المنصـرم.. حيـث تتزايد أعداد الوافدين من خارج البلد كمـا يتواجد البحـارة الأجانب لقضـاء إجـازة قصيــرة ريثمــا تتـم صيانــة مراكبهـم البحريـة في المينـاء بعـد تفريـغ ما على متنهـا وبجوفهـا من بضائــع. طبيعة عمله تعفيـه من معاشرة الآدميين ليوطـّـد علاقته اليومية بالبهائم، يطعمها وينظفها ويحدثهـا ويمازحها.. كمـا أنه ينظـف زرائبـها ويعلـف الحيَّ منها ويجمــع جلــود ما تم ذبحــه وتقطيعــه.. لذا اختلطـت في وجدانه مشاعـر الألفــة والحميمية، بل المحبــة والشفقــة مع بهائــم السلخانة فيما تبقـَى لها من أيـام بمعيتـه.. ولكنه لا يفقـد مثقــال دمعـة من مشاعــره الـودودة نحوهـا وهو يتعامل معهـا عنـد الذبح والسلخ.. وهي علاقــة سُرياليــة متفـــرّدة.. حيـث إنـه لا يشعــر بـأي شفقـة تجــاه هـذه البهائــم عنـد موتهــا ولكنه لا يفقــد وزن قطــرة عــرق من حبـّه لهــا وهي حيـة ولا يسمــح لأحــدٍ بإيذائهـا أو إســاءة معاملتهــا قبيــل الذبــح.
مـن هنـا كانت علاقتـه بالحيـاة قصيرةَ الأمـد وخـارج نطـاق الزمـن.. فهـي تتجـدد بأفــواج الــدّواب التـي تأتــي رؤوساً وقــروناً وصــوفاً ووبــراً إلى مربضـها على قوائمهـا.. وتغــادر على ظهــور عربـات النقـل كل جـُــزءٍ منهــا على حـدة.. وعلى ذلك تبلورت لديه فلسفة نقيــة مـُـغرقــة في البساطــة والوضــوح.. ملخصها أنـه في لحظتــه قائم على أقدامـه ولا يدري ولا يهتــم أصـلاً إن وافتـه المَنيـّـة في اللحظـة التاليـة.. ربمـا لأنـه يــرى المـوتَ كل يــومٍ ينقـل أحبـاب لـه ورفــاق بطريقة مهنية باردة، لذا فقَـدَ الموتُ فيها المغــزى وتعــرّى عن المعنـى.
حدث عدة مرات أن تسبب بعض الدخلاء على الحظيرة في استثــارة بعض الحيوانات حيث هـاج ثـورٌ وصار يجري بوحشية في باحـة السلخانة.. وحين لاذ الجميع بالفرار مـا كان من المبروك إلا أن وقف وسـط الباحـة ملوّحـاً بيديـه يهدئ الثـور الهائـج حتى استكان، ووقف أمامـه فاقترب منه وأخـذ يفرك لـه فروة رأسـه بين قرنيه ويحدثه بصوت هادئ.. ثم قاده إلى مربطـه وقدم له الطعـام والمـاء.. وطلب من الجميع الابتعاد عنه وتركه لشأنـه.
ارتفعــت وتيــرة الحـركة فـي الشـارع وتـزايـدت أعـداد الباعــة يتنافسون على موطئ قــدم على جانبي الطريق.. ينصبـون أكـواخهم الصغيـرة ويرتبــون السلـع المتنوعـة.. والكل حريصٌ على استثمـار الفيشطـا.. كمـا تنشط بالمناسبة عروض الزوايــا الصوفية من سيدي الشعاب و المـُكّنــي والزاوية الكبيرة التي تختلـط عروضهـا المواكبة للمهرجان مـع عــروض الرقص الشعبي الجماعي على إيقــاع والدفـوف وأنغـام الغيطــة والـزُكــرة.
بعــد أن أطمـأن أن الأمــور على مـا يـُـرام.. تـوجـّـه إلى الحمـّـام ونـزع عـن قدميـه قـُمبــالي الخدمــة الكاوتشوك ذي الرقبــة الطويلــة وأنتعـل قبقاب الخشـب.. وأنعـش جسـده بالمـاء البـارد وبالــغ في دَلْكِ جلـده وفَـركِ شعـره بالمــاء الساخن والصابـون الأخضـر ليستشعــر نشـوة النظـافـة تسـري في أوصالـه وهـو يرتــدي أكيـاس الخيـش النظيفـة من جديـد.. كـان عشقه للنظافـة فطـرياً غريـزياً مقـدساً.. يستوجـب حـرصـه الملحـوظ على إزالـة آثـار الموت وبقــع الـدم عن جسده وخيشتـه السرمديـة التي يرتديهـا.. والتي لا تفارق بـدنه الزائــل ولا تحجــب روحـه المرحـة الأزليــة.. تعـود على الاستحمام مرتين عند شــروق الشمس وغروبهــا ليرتدي ثيابـه التي يكـون قد غسلها بعنايـة في الليلـة السابقـة وهي مكونـة من سروالين من قماش الدوهك الخشن وسرابيل تغطي وسطـه وأكتافــه من خيش القـُنـّب التي كان يحتفظ بها بعـد تفريـغ شكاير التبن والشعير في معلف الدواب.. ويختــار أجمـل الأكياس وأنظفهـا ليُـدخـِـل زوايـا قاعهـا ببعضهــا فتصبح برنـوساً لم يحلـم بارتدائه حتى باي تونس في زمانـه.. يضعـه على رأسه يحميـه من وهـج الشمس ويداري ابتسامته الساحرة التي يـرد بها على تحيـة الآخرين الساخرة ليبقي دائماً لغـزاً مستغلقاً لصيامـه الدائـم عن الكلام.. ذكاؤه الاجتماعي الفطري عــزّز حرصه على عدم إزعاج الآخرين بِزِفْرة السلخانة عن بدنـه فلم يخلُ حزامـُـه قـَط من أصبع مسكٍ يـُضمّـخ به فــروة رأسه بعد الحمـّـام وعـود أراك لتنظيف أسنانه عندما يكون وحيداً يتحدث مع رأسه.
مقتصدٌ في أكله.. لا يأكل إلا على جـوع ولا يستزيد من الطعام حتى الشبع.. ويستهلك كلَّ سُعرٍ حراري يكتسبه في العمل والجهد والنشاط المتواصل.. وكانت وجبتـه اليوميـة الوحيدة من بقايا ما ينشره من لحـم عن عظـام السقايط.. يشويها بدهنهـا دون تتبيـل على جمـر مـوقـد الحطـب أمام حجـرتـه.. الموقـد الذي يحتضن تنكــة السمن القديمة التي يستعملها قــِدْراً لطبــخ البــرودو المكون من عظــام ومـاء وملــح، وقــَدْراً وفيــراً من الخضـروات.. مع بضـعِ أقــراصٍ من خبـز الشعيـر الكاملة التي يلتقطها من معلـف البهائــم.. كان يحصل على الخضــار من بقايا دكاكين الخضرة في سوق الحوت.. وبقـايا اللحـم والعظـم نصيبه اليومي من فضلات الذبح والسلخ والتقطيع في السلخانة حيث يشتغل ويقيــم.
انتشر الباعـةُ على امتــدادِ الشارع الذي بـدأ يكتـظ بالزبائـن والــزّوار والــرّواد.. وتنــوعت السلـع المعروضــة للبيــع مـن أطعمـة وألبسـة ومصنوعات تقليدية إلى الحبـوب والخضـار في تشكيلـة عجيبة جمعت بين مختلف الثقافات السائدة بين سكان طرابلس وقتئـذٍ.. فتجــد مـن يبيــع نقيـع الحمـّص والفـول المطبـوخ وغيرهـم يبيعـون الطرونـي والباسطي والجعـّـة والنبيـذ وهنـاك من يعرضـون الشاي المنعنـع بالكاكاويـة واللــوز فوق مناضدهم ويوفرون دوخــة البوخــة والنازيتـا واللاقبي من تحتــها.. كمـا تجـد أكشاك العطرية والمكسرات، والتمــور، والعسل، والـرُب، والفواكـه المجففـة، والحلويــات المحليـة جنبـاً إلى جنـب مع بـاعة الأواني الفـُخارية ومنتجات السعـف والديس من قبعــات ومــراوح والبدراويــة والحـُصــران والتوازيـــر.. دون أن يدرك أحـد أنهـم يشهدون نقطـة تحـول لسوق الثلاثاء بطرابلس من مقـره الأول بين شارع الشط و شارع البلدية بالقرب من الغراند هوتيل.. وسـوق الخـُبزة القديـم الذي كان بمحاذاة جـدران السراي الحمـراء.. لتنتقل الحركة التجارية تلقائيـا إلى مقــرهـا الجديد غربـي الميناء وليس بعيــدا عن مدينة المعرض.
جلــسَ المبروك بقيافتـه الخيشيـة على الرُكـّـابة بمدخــل السلخانـة يراقب مشهد الفيشطـا.. وهـو يتبادل الحــوار مع رأسه في تيــار الوعــي الـذي لا تـُفصـح عنــه ابتسامته ونظــرة عينيه وسرعـة مشيته الرشيقة التي كان يهـرب بها من مناكفـة ممازحيه وهـم كـُـثر.. وكـُثــرٌ أيضاً مَن يكنـّـون له بالـغ الاحتـرام والمحبـة ويسعـدون بلقائــه. لعَــلّ ذُروة المهرجان بلا منـازع نـزال التحــدي الـذي تجـري أحداثـه آخــر النهـار.. فهـو عنصـر جـذب رئيس للفيشطـا ويُعْتَبرُ أحـدَ أهـمِّ ملامحهـا المميـزة لكونـه يمثل فرصـة للرهـان على من يفــوز داخل حلبـة المصارعة.. وبغــرض ترويــج الرهانــات كان النزال في منتهى البساطة.. حيـث تجـري في البداية مباريات مصارعة رومانيـة على لقـب البطولة تكـون في أغلبهـا استعراضية.. ليتـم في نهايتهـا اختيـار البطل الفائز الذي يقف متحـدياً من يصرعه.. حيث يقف المصارع ويتقدم المتحدي ليضرب بكل مـا أوتـي من قــوة ضـربـة واحـدة ليربـح إن تمكـن أن يُرْدي المصارع أرضـاً ويخسر إن تماسك أمـام ضربتـه.. ويلعـب منظمـو النـِزال دوراً غيـر بريء في استقطاب أكبر عـدد ممكن من المراهنين لزيادة محصلة إيراداتهـم من خلال الحرص على تأجيج إثـارة النــزال وإطالـة فترتـه الزمنية وزيادة عـدد المنافسين والمتحـَـدّين ليزيــد بالتالي عدد المراهنيــن وحجم الرهانــات.
مثــل كتلــة لحــم ضخمــة.. وقف المصـارع الأبيـض البديــن.. ووضــع أصابـع يديـه بحافــة حـزامــه الجلــدي العريـض المرصـّـع على استدارتـه برؤوس مسامير فولاذية لامعــة.. كمـا تحبط بمعصميـه أســاور جلدية عريضة.. ولم يستر جسـده المترهل سوى إزار قصيــر.. منتعلا صندلاً جلدياً ارتفعت ضفائـر أحزمتـه حتى لاحقت ركبتيـه.. ارتفــع صخـب الحضـور بين فرارجيــة عـابريــن ومن المقيمين، وكذلك الــزوار من البحّـارة والسّكـّارة والقـُمـّــارة وأصحـاب الدكاكين وتجــار الســوق ورواده.. وعلا لغطهـــم وهـم يتأملـون بإعجــاب جهامــة المتحــدي ذي العضلات المفتولــة.
أخــذ حَكَــمُ المباراة بجسـده النحيـل وقامتـه القصيـرة يـدور حـول البطـل ويرطـن بالإيطالية عبارات المباهـاة والتحــدي ثـُــم نـادى بصوت منغـّـم ونبرات مبالغ في طولهـا “هـل من مُنــازل.. هـل من يرغب في الانتحـار.. هل من يريد أن تتهشم عظـامه.. ويتكسّـر رأسُـه”، والمصارع الأبيض يلـوّح بذراعيـه عاليـاً يستعرض عضلاتـه وهـو يــدور حـول الحلبـة كوحـشٍ حبيس.
تقــدم المبــروك مرتديــاً أكياس الخيش على جســده يحمــل على ظهــره كيساً آخــر مُكتنـِـز بما في جوفــه.. فانتبــه الحضـور لمقدمــه وتضاعف عـدد المشاهدين والمراهنين مـع ارتفـاع صيحـات الاستهجـان والسخـرية.. حتــى رفــع الكيس عـن كاهلــه ورمــاه وســط رُكـْـح المصارعة فأرتطــم محدثــاً صوتــاً ثقيلاً كســر بـه صوتَ الصخـب.. ثـُـم شـرع في فـَـكّ رباطـه ودسّ يــده ورفــع رأس ثــورٍ ضخــمٍ لسانـُـه بين أسنانـه وعينـاه جاحظتــان تنظــر ولا تــرى.. رفــع الرأس عاليــاً ممسكــاً قرنــه بيُسـراه وصــار يـدور على حلبـة الصراع.. فخفــت صـوت الناس.. والمبــروك يتحرك حـول المصارع الأبيض مبتسمـاً وهـو يشير في تساؤل غير مباشر أن أيـّهـُـما أصـَـح وأيـّهـُـما أضخـم.. رأس المصارع الحليق أم رأس هـذا الثـور الضخــم.. حتى وقـف إلى جانبـه.. ومــدّ ذراعـه اليسرى على امتدادهــا يتأرجـح منهـا رأس الثور.. ثـُـم صـاح بصـوتٍ قـوي خفيض كعادتـه في السلخانة وهـو يمارس عملـه “باسم الله.. الله أكبــر” وهـَـوى بقبضتـه اليمنــى على أم رأس الثـور في نقطـة معينـة يعرفهــا جيــداً بين قرنيــه.. جلجل صـوت ارتطامهــا بالعظـم وأنشــقّ الرأسُ نصفيـن حتــى ظهــر الدمـاغ مـائعــاً وسـط هشيـم الجمجمـة.
ســاد المكـان سكــونٌ رهيب لمـدة ثـوان.. كســره حَكـَـمُ النزال وهـو يصيـح معلنـاً إلغــاء المباراة لعــدم التكافــؤ بين المتنافسين في الـوزن.. فالمصـارع الأبيـض البطـل مـُصنّــف من أصحاب الـوزن الثقيـل.. أمـا ختـُوشة فليس له وزن لا في جسده ولا في وضعـه الاجتماعي.. واستطرد الحكم مُبَـرّراً قـرارَه أن هـذا الرجـل درويش وعلى باب الله وحـرام أن يـُظلم بزجّـه في مصارعة هـو ليس نــداً لهــا.. وخســـر بالتالي المراهنــون على المصارع الأبيض.. وساد الهـرج والمـرج بين الحضــور.. واندلع جدالٌ حـاد بين أطراف المراهنة على المباراة بين مؤيـد لإلغـاء النـزال ومعـارض لذلك.
في الأثنــاء انحنــى المبــروك ليلتقــط كيسَ الخيش يلملـِم فيه رأس الثـور.. ونــزل بهـدوء مـن حلبـة المصارعـة.. وأنسـلّ بين الجمهـور مبتسمـاً في غموض.. ليعــود إلى عرينـه الأثيـــر بجــوار حيوانات السلخـانة التي تجتــرّ بهـدوء مـا يـُقــدم لهـا من علـْف في انتظــار دورهـا للذبـــح.
عبد الحفيظ الزياني
طرابلس 22 يوليو 2015
هوامش:
[1] Festa (فيستا) وتعني بالإيطالية الحفل، أو المهرجان، وينطقها الأهالي (فيشطا). (صديق)
[2] gambale
[3] رائحة (صديق)
[4] الطروني أو Torroni حلوى إيطالية تقليدية تحتوي على المكسرات والعسل، توزّع في الأعياد (صديق).
الصور:
(1) غي دي موباسان. (2) نيقولاي غوغول. (3) الفيلسوف اليوناني ديوجين الكلبي داخل البرميل. (4) عن الشبكة. (5) عن الشبكة.
راجع:
– أضغاث أحلام (قصة قصيرة بقلم/ عبد الحفيظ الزياني)
– بين الآذان والإقامة (قصة قصيرة بقلم/ عبد الحفيظ الزياني)
– الحافلة الأخيرة (قصة قصيرة بقلم الراحل/ عبد الحفيظ الزياني)
– (السُوريلّلا).. قصة الراحل/ عبد الحفيظ الزياني
– الصديق بشير نصر: القاص المترجم عبد الحفيظ الزياني يرحل عنّا في صمت
- الإعلانات -
#الواقعية #المتوحشة #في #قصص #عبد #الحفيظ #الزياني
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -




