- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

بلقزيز يعدّد الدروس والعبر من حَراكات مرحلة “ما بعد الربيع العربي”


هسبريس – وائل بورشاشن

- الإعلانات -

الأحد 23 فبراير 2020 – 17:01

ما الدروس التي يجب علينا أن نعيها بعد خمود الحَراكات الاحتجاجية التي انطلقت من تونس عام 2010 لتجيّش مواطنين ومواطنات في العديد من دول العالم العربي، كان من بينها المغرب الذي انطلقت فيه “حركة 20 فبراير” عام 2011، ومازالت حاضرة في معجم نقاشه السياسي والثّقافي ولو غابت عن الشارع إلا من شعارات وأعلام تستنجد بذكراها؟. يشرّح الأكاديمي المغربي عبد الإله بلقزيز في كتابه المعنون بـ”ما بعد الربيع العربي”، هذه الحراكات، وعيوبها، وما جاءت به من إيجابيات، مستشرفا مستقبلها في حالة عدم الاستجابة للتّحديات التي تواجهها ساكنة المنطقة العربية. ويسجّل بلقزيز في كتابه هذا أنّ الحديث عن “الربيع العربي” لزمن طويل قادم سيكون بما هو “لحظة مفصلية في التاريخ العربي السياسي الحديث والمعاصر”، لا بمعنى أنّه “كان ثورة غيَّرَت واقعا وأحدثت تحوّلات جديدة عزّزَت مسار التّقدّم”، لأنّه “فجّر بنى ومؤسّسات وقطّع أواصر وعلاقات من دون أن يبني أخرى أو ينسج وشائج اجتماعية بديلة”. ويرى الكاتب أنّ من الأحرى الحديث عن حركات للتّغيير في الوطن العربي، لا بوصفها حركات للثورة، مع التحديد على وجه التّحقيق والتّدقيق لمعنى التغيير الذي نقصده وحدوده المتاحة والممكنة لا المفترضَة والمتخيَّلَة؛ وفرّق في كتابه بين “انتفاضات وحركات احتجاجية مدنية بلغت مبتغاها جزءا أو كلّا في تونس، ومصر، والمغرب، وسلطنة عمان، وبين تحرّكات مسلّحة أدخلت نفسها في نفق حروب داخلية لا يتبيّن ضوء في نهايته، وقدّمت الذّرائع لأنظمتها لاستخدام أقسى أنواع العنف”. المزاج الجَمعي العربي كان قبل ثورة تونس وفق قراءة بلقزيز “متعكّرا للغاية، ومزدحما بمشاعر الإحباط والانكسار نتيجة ما خذّلته به معطيات واقع بدا مريضا ومرضيّا”، باستشراء الاستبداد والفساد، والفقر والحرمان والتّهميش الاجتماعي، وتمريغ الكرامة الوطنية في الأوحال دون أن يضيء أفق في آخر الطّريق، أو تكون هناك معارضات تعوَّل عليها فتجذب النّاس إلى السياسة والشّأن العام، وتعيد إليهم ثقتهم في إرادتهم وأملهم في تغيير ممكن. ويعود الباحث إلى هذا المناخ السياسي والنّفسي السوداوي الذي اندلعت فيه أحداث الانتفاضات في تونس، قائلا إنّ تهاوي نظام زين العابدين بن علي في أربعة أسابيع على غير توقّع، وبما أنّ أمّ المشكلات والبلايا كان الاستبداد والفساد، خُيِّلَ إلى كثيرين أنّ الأفق سالكٌ أمام الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، كأنّما للاستبداد والفساد مظهرٌ حصريّ، وعنوان رسمي يتجسّدان في “النخبة الحاكمة”، وكأنّ من سيأتي بعدها لن يكون مثلها، وكأنّ الاستبداد والفساد رجُل أو رجال، لا نظام اجتماعي – سياسي. وعرج بلقزيز على “الانعطافة المزاجية التي حصلت بشكل حادّ من حالة اليأس والإحباط والخيبة، إلى حالٍ نقيض من الاستبشار والثّقة المطلقة بالذّات والوهم بإمكان تذليل المستحيلات وإحلال الرغبة محلّ الممكن”، وهو الانتقال النّفسي من مزاجٍ سلبي ومحجم إلى مزاج إيجابي ومُقدِم، لا يترجم نفسه دائما انتقالا في الوعي والفكر من النّكوص إلى اقتحام الآفاق، ومن الانفعال إلى الفعالية. هذا الانتقال الشعوري، وفق الكاتب، “يجري في النّفس فيبدّلها من حال إلى حال، ويصوّر لها كلّ صعبٍ ذليلا”، وهو ما يرى أنّه “عين ما حصل بمناسبة اندلاع أحداث “الربيع العربي”، خاصّة في لحظة الاندفاعة الأولى بين نهاية خريف 2010 وأواسط صيف 2011”. ووصف بلقزيز الثقافة السياسية الموجِّهَة والمتمثّلة في وعي الفاعلين في الحراكات العربية بأنّها “ثقافة قصوويّة غير واقعية، وتحشيدية غير تنظيميّة، وشعاراتية غير برنامجيّة”، وزاد شارحا القصوويّة بأنّها طنزعة طلب الأقصى من المطالب من دون الاهتمام بالممكن وغير الممكن فيها من وجهة نظر الواقع وميزان القوى”، وعدّد مطالب في هذا السياق من بينها “إقامة ملكية برلمانية”. واستحضر الكاتب “عدم انتباه المسكونين بفكرة التّحشيد للحاجة إلى تنظيم الفعالية الثورية وتأطيرها”، قائلا إنّ “ما تمّ كان فيه تبجيل للعفوية، مع المبالغة في التّشديد على استقلالية الحركات السياسية عن أيّ عنوان حزبي، واستيهام إمكان بناء رأي عامّ ثوري على شعار، والاستخفاف الشّديد بالمسألة البرنامجية، والاعتقاد السّاذج بإمكان اختزال برنامج سياسيّ حول الديمقراطية والانتقال الديمقراطي مثلا إلى مجرّد شعار يطالب بالديمقراطية”. وانتقد بلقزيز “بعض سمات الثّقافة السياسية الرّثّة وضّحلة المحتوى، التي أطلّت بمناسبة ما سمّي “الربيع العربي”، وكانت لها مقاليد أحداث ذلك الرّبيع وتحرّكاته”، ثم استرسل قائلا: “إذا كان يمكن أن تُعذر الجموع الشعبية والشبابية في إفصاحِها الحرَكي عن تلك الثقافة لحداثة عهدها بالعمل الاجتماعي – السياسي، فلا سبيل إلى التماس الأعذار للنّخب السياسية الحزبية والمدنية عن سقوطها في مستنقعات القصوويّة والتّحشيدية والشّعاراتية، التي جرّت أفعالُها إلى نتائج سياسية في غاية السّوء”، وزاد مستنكرا: “وهل من سوء أشدّ من أن يكون من تلك النّتائج انقلاب المزاج العامّ من الحماسة للتّغيير إلى الخيبة والإحباط؟!”. ويرى كاتب “ما بعد الربيع العربي” أنّ دروس الربيع العربي لم تنبّه النّخب الحاكمة حصرا إلى خطورة إشاحتها النّظر عن الاجتماعيّ في التنمية، وما سيكون عليها أن تدفعه من بقاء سلطتها أو استقرارها لقاء تجاهلها المديد للمسألة الاجتماعية، بل “نبّهت أيضا النّخب المعارِضة، أو هكذا يُفترض، إلى مركزية المسألة الاجتماعية في أيّ تغيير”، ونبّهتها إلى غضّها الطّرف عن “مطلب العدالة الاجتماعية والتّشديد بدلا من ذلك على مركزية المسألة الديمقراطية وعلى الحقوق السياسية للنّخب في مقابل الحقوق الاجتماعية للشّعب”. ولا يخلو كتاب بلقزيز من جرد لإيجابيّات الحراكات، من يقظة القوى الشبابية العربية وزيادة فعاليتها بعد عقود من سياسات التجهيل والاستبعاد والإقصاء عن العمل العام، والتمييع الهادف إلى إفراغ وجودها الاجتماعي من أيّ فاعلية إيجابية تخدم المجتمع وقضاياه، ونهضة مؤسسات المجتمع المدني، وطرح بعض ممنوعات السياسة في الحياة العربية، وإزاحة أنظمةٍ فاسدة من السّلطة. كما يذكر كاتب “ما بعد الربيع العربي” أنّ من بين النتائج الإيجابية بعيدة الأثر للحراكات “انهيار حاجز الخوف الذي كان حائلا دائما أمام مشاركة الناس في الحياة العامّة والمطالبة بحقوقهم”، و”تزايد الوعي بأهمية الدولة للاجتماع الوطني في السنوات الأخيرة” بعد فترة كانت فيها مؤسسات مثل الجيش والقضاء موضع نقمة من المتظاهرين، متوقّعا أنّنا قد نبلُغ في المستقبل “المرحلة التي نعِي فيها، فعلا، الفارق بين الدولة والنّظام السياسي”. ويرى عبد الإله بلقزيز أنّ ما حصل من انفجارات هائلة في أحداث “الربيع العربي” سيتكرّر قطعا إن لم يقع تدارك عواملها الاجتماعية بالتّصحيح والتّصويب، الذي لن يكون شيئا آخر غير “إنتاج رؤية جديدة للمسألة الاجتماعية، وترجمتها في مخطّطات وبرامج عمل للتّنمية الاجتماعية تغطّي الحاجات الأساس، وتقلّص الفجوات الخرافية بين الطّبقات الاجتماعية، ومساحات الإفقار والتّهميش، وتحارب الفساد وهدر المال العامّ، وتوفّر فرص العمل لملايين العاطلين عنه، وتؤمّن الخدمات الأساسية التعليمية والصحية، وتوفّر شبكات التأمين الاجتماعي من ضمان صحي وسواه”. ويزيد بلقزيز مؤكّدا أنّ “أيّ تنمية اقتصادية غير ذات مضمون اجتماعي أو لا تقوم على مقتضى التّنمية الاجتماعية، وأيّ تنمية لا تكون العدالة والنّصفة في الحقوق ميزانها، هي حكما آيلة إلى إخفاق أو على الأقلّ إلى الاصطدام بالنتائج الاجتماعية الثّقيلة المترتّبة عن سوء توزيع الثّروة”، وتوفّر البيئة الخصبة المناسبة لـ”انفجارات هائلة”. كما يذكر الكاتب المغربي أنّ انعدام حياة سياسية طبيعية في البلاد العربية يزيد من فرص انفلات الانفجارات من أيّ ضابطٍ يعقِلُها، ومن أيّ إطار اجتماعي يحتويها، سواء كان نقابات أو أحزابا أو منظّمات مدنية أو غير ذلك، ما ينجم عنه “الاحتداد الشديد في تعبير الانفجارات الاجتماعية عن نفسها، وفي جملته الجنوح إلى العنف”.



المصدر


الصورة من المصدر : www.hespress.com


مصدر المقال : www.hespress.com


- الإعلانات -

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد