- الإعلانات -
تجربة تونس مميزة رغم الأزمة

- الإعلانات -
منذ تفعيله للفصل 80 من الدستور الذي أقر بموجبه جملة من التدابير الاستثنائية، أصدر الرئيس التونسي قيس سعيد منذ ذلك التاريخ الموافق 25 يوليو 2021، عددا من الأوامر الرئاسية والإجراءات القضائية والإدارية التي قوبلت بالتأييد والتفهم والدعم من جانب قسم من القوى والأحزاب السياسية ومن الشارع التونسي، في حين رفضتها أحزاب وقوى سياسية وشرائح مجتمعية أخرى، فالمؤيدون وجدوا في هذه الإجراءات تصحيحا للمسار السياسي في البلاد بعد ثورة عام 2011 التي أطاحت بنظام الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي وتصديا للانحراف والتغول السياسي الذي تمارسه بعض القوى والأحزاب، في حين وصف المعارضون هذه الإجراءات والتدابير الاستثنائية بالانقلاب على النظام والدستور ورفضوها جملة وتفصيلا.
من أهم القرارات الاستثنائية التي صدرت عن الرئيس التونسي وأثارت امتعاض ورفض عدد من القوى السياسية، تلك المتعلقة بتجميع وتعليق عمل البرلمان التونسي، الذي كان بمثابة المكسب السياسي الكبير الذي حققته الثورة التونسية حيث شهدت تونس بعد الثورة انتخابات برلمانية ديمقراطية حظيت بمباركة مختلف القوى والمنظمات العالمية، ومع ذلك، فإن بعض القوى السياسية التونسية التي أيدت إجراءات سعيد تنظر إلى البرلمان الحالي المجمد على أنه نتاج فساد سياسي شارك في إنتاجه قوى سياسية وشخصيات متنفذة لها مصلحة في وجود مثل هذا التشكيل البرلماني.
في مثل هذا الاضطراب السياسي الذي دخلته تونس منذ لجوء الرئيس التونسي إلى المادة ثمانين من الدستور لتبرير إجراءاته، فإن تباين وجهات النظر والخلافات السياسية بين مختلف القوى هو أمر متوقع وطبيعي جدا، فالساحة التونسية، وبعد الإطاحة بالنظام السابق تشهد حراكا سياسيا غير مسبوق، ناهيك عن تعدد الأطياف السياسية والتي هي الأخرى تختلف في مواقفها من الأوضاع الداخلية والعلاقات الخارجية بحسب الموقع العقدي والأيديولوجي لهذه القوى أو تلك، وبالتالي فإن تأييد أو رفض قرارات الرئيس لا يؤشر بدقة إلى مدى صحة هذه الإجراءات ودستوريتها من عدمه.
يمكن الجزم بأن الإجراءات الاستثنائية التي أقدم عليها الرئيس التونسي تعتبر أهم وأخطر التطورات السياسية على الساحة التونسية بعد الثورة، ورغم ما تسببت فيه هذه الإجراءات من تعميق للأزمة السياسية في البلاد وذهاب الأحزاب والقوى السياسية المختلفة إلى صدامات سياسية، إلا أن ما يمكن الاستئناس إليه هو أن تونس مازالت تحافظ على الطابع السلمي لهذه الصدامات، ولم تنزلق إلى المحظور الذي انزلقت إليه دول من قبلها، كما هو الحال في ليبيا مثلا، بغض النظر عن دور التدخلات الخارجية في الدفع نحو المنزلق الدموي الخطير.
فالتزام الأحزاب والقوى السياسية التونسية بالطابع السلمي لخلافاتها ينم عن درجة عالية من الوعي وبالمسؤولية الوطنية العليا، ذلك أن أي محاولة لجر تونس نحو الهاوية الدموية، كما يحدث في دول عربية أخرى، من شأنه أن يدمر جميع المنجزات التي تحققت حتى الآن في هذا البلد العربي العزيز على قلوبنا جميعا، بل ان تونس تقدم الأنموذج الأمثل في العملية الديمقراطية والتحول السياسي الذي أعقب ثورتها، فهذا بحد ذاته يعد مكسبا لمصلحة الجميع وبالتالي فإن الحفاظ على هذا المكسب يبقى مسؤولية جميع القوى والأحزاب السياسية ومختلف فعاليات المجتمع التونسي.
المؤيدون لقرارات الرئيس التونسي والمعارضون لها، جميعهم مطالبون بإبقاء خلافاتهم في إطارها السلمي والقانوني والدستوري، فالرئيس سعيد، كونه رجل قانون دستوري، فسر المادة ثمانين من الدستور التونسي التفسير الذي يعتبره سليما ويستند إليه في قراراته وإجراءاته، وبالتالي فهو لا يرى في هذه الخطوات أي شكل من أشكال الانقلاب على الدستور، والمعارضون لهم أيضا قراءاتهم للدستور، وبالتالي ليس من المنطق عزل مواقفهم وفهمهم وتفسيريهم لمواد الدستور وتجاهل مواقفهم.
فالعملية السياسية في تونس تسير بمشاركة جميع القوى والأحزاب السياسية المشرعة والمرخصة قانونا، بغض النظر عن الاختلافات العقدية والأيديولوجية بين هذه القوى أو تلك، وقوة التجربة التونسية وتميزها أنها لم تقص أحدا عن المشهد السياسي، طالما كان هناك التزام واحترام من هذه القوى بما يقره ويفرضه الدستور والقانون من نصوص وإجراءات، فتباين القراءات والتفسيرات ليست سببا مبررا لإقصاء وعزل هذه القوى والأحزاب أو تلك، وإنما المبرر الوحيد هو الانتهاك وعدم الالتزام الصريح والدقيق بنصوص الدستور والقوانين المتممة، عدا ذلك فإن الاختلاف السياسي والأيديولوجي في الحدود السلمية، يعد مكسبا على الجميع الدفاع عنه وحمايته لأن في ذلك حماية للتجربة وللمصلحة الوطنية التونسية.
إقرأ أيضا لـ”عبدالله الأيوبي”
#تجربة #تونس #مميزة #رغم #الأزمة
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
