- الإعلانات -
ترامب.. فن الصفقة أم فن السرقة
أخيرا وبعد انتظار دام ثلاث سنوات حافلة بالقرارات القضائية والدفوع الشكلية والاستنطاقات المباشرة، تم توجيه أول ادعاء رسمي ضد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، ليتحول الى متهم عليه أن يواجه إحتمال الإدانة بالنصب والإحتيال في أعز “ميزاته” كرجل أعمال ناجح. وشملت الدعوى التي رفعتها المدعية العامة في نيويورك لتيشيا جيمس يوم الأربعاء، ثلاثة من أولاده هم دونالد جونيور واريك وايفانكا والشركة القابضة التي تحمل اسم العائلة والتي يتولون فيها الى جانب والدهم مسؤوليات إدارية تنفيذية. (راجع المدن).
على الرغم من الطبيعة غير الجنائية للدعوى التي فصًلت في 222 صفحة تفاصيل السلوك الإحتيالي المزعوم لترامب ومؤسسته العقارية والمتمثل في دأبه لسنوات طويلة على تضخيم قيمة عقاراته لخداع المستثمرين والحصول على شروط تفضيلية لقروضه من المصارف ثم التقليل من قيمتها نفسها في البيانات الرسمية للتهرب من دفع الضرائب المستحقة عليها، ومن الأمثلة الدامغة ضمن المائتي حالة التي أوردها الادعاء، شقته السكنية الشخصية التي يمتلكها في البرج الذي يحمل اسمه على الجادة الخامسة في نيويورك، والتي ادعى في أحد طلبات القروض أن مساحتها تبلغ 30 الف قدم مربع وقيمتها التقديرية 327 مليون دولار، بينما مساحتها الحقيقة 11 الف قدم مربع وقيمتها 80 مليون دولار، أن تكشف زيف ادعاءات ترامب عن مواهبه الإستثمارية وقدراته التفاوضية البارعة.
تأتي هذه الدعوى وفي ولاية نيويورك بالذات لتنعش آمال مناؤي ترامب الكثيرين الذين أحبطهم توجه المحامي العام الجديد في مانهاتن – نيويورك آلفن براغ أوائل العام الحالي صرف النظر عن الإستمرار في السعي الى الادعاء الجنائي على ترامب في القضية نفسها بعد أكثر من سنتين من الجهد الذي بذله سلفه سايروس فانس جونيور (ابن وزير الخارجية في عهد جيمي كارتر والذي يحمل الاسم نفسه) والذي عمل لحوالي سنة مع هيئة محلفين كبرى لتكوين ملف القضية التي انبثقت عن اعترافات المساعد الشخصي السابق لترامب المحامي دايفيد كوين بعد اتهامه بانتهاك قانون الانتخابات عبر تحويل مبلغ 130 الف دولار لنجمة الأفلام الإباحية ستيفاني كليفورد (اسمها الفني ستورمي دانيلز) للتستر على علاقتها الجنسية مع ترامب عام 2006 عندما كانت زوجته الحالية ميلانيا حامل بآخر أولاده بارون، واحتساب المبلغ ضمن مصاريف الحملة الانتخابية لترامب.
ما يساعد جيمس في مواجهتها الحقوقية مع ترامب أنه في الحادي عشر من آب/ أغسطس الماضي أضطر الى المثول امامها للتحقيق الشخصي معه، في تلك الجلسة اختار ترامب ان لا يرد على أي سؤال وجهته اليه مستفيدًا من التعديل الخامس في الدستور والذي ينص على حق أي متهم بالرد على أي سؤال يمكن أن يقود الى تجريمه في المحكمة. وهذا ما فعله إبنه أريك، الا أن هذا المعطى الذي يكون فعالًا في القضايا الجنائية لا يفيد في القضايا المدنية حيث يمكن للقاضي ابلاغ المحلفين أن بإمكانهم إفتراض ذلك كإحتمال التورط في الذنب.
كعادته سارع ترامب الى الولولة الإعلامية والحزبية واتهم جيمس بالتجني والتحامل و”مطاردة الساحرات” وتنفيذ الأجندة الليبرالية للحزب الديمقراطي، وساق على سبيل تأكيد دعواه مقاطع مصورة لها اثناء حملتها الانتخابية عام 2018، وهي تتعهد بملاحقة ترامب قانونيًا في الولاية وانهاء مسيرته الطويلة من الإفلات من العقاب، لكن سيرة جيمس ومنصبها يعفيانها من أمام الأميركيين المستقلين وغير المسلوبين بترامب من التيار اليميني الديني، ففي سيرتها أن أكبر قضية افتتحت فيها عهدها هي تحقيقاتها التي قادت الى الإستقالة المهينة لحاكم ولاية نيويورك السابق الديمقراطي اندرو كومو الذي بينت انه تحرش بكثير من النساء اللاتي عملن في ادارته، وهو ليس ديمقراطيًا وحسب وانما ابن عائلة عريقة في الحزب الديمقراطي ووالده حاكم نيويورك الأسبق والمرشح الرئاسي ماريو كومو، ثم أن منصبها منتخب، وفي الواقع الأميركي هو منصب سياسي ينبغي ان يكون المرشح اليه في اية ولاية حزبيًا، وفي نظام الحزبين سيكون جمهوريًا أو ديمقراطيًا، لذا فالتهمة غير مؤثرة.
ربما من سوء طالع ترامب ان ادعاء جيمس جاء في الأسبوع نفسه الذي تلقى فيه أول خسارة قانونية في ملف سرقته لملفات سرية وحساسة من البيت الأبيض في نهاية عهده العام الماضي، فقد نقضت محكمة استئناف فدر الية حكم القاضية إيلين كانون، التي عينها ترامب في منصبها، منع وزارة العدل النظر في الملفات المصنفة سرية أو سرية للغاية، وقالت في قرار إجماع لقضاتها الثلاثة وبينهم اثنان ممن عينوا في عهد ترامب أن ” صلاحيات الحكومة الواسعة على الوثائق السرية تجعل من قرار كانون خاطئًا بما يتعلق بتلك الوثائق وأن لوزارة العدل الحق في الاحتفاظ بها ومراجعتها ومتابعة التحقيق بشأنها ولن تكون ضمن صلاحية القاضي الخاص الذي عينته كانون للنظر في الأوراق المصادرة من منتجع ترامب في فلوريدا.
رفضت جيمس وفق التقارير قبول تسوية في اللحظة الأخيرة يدفع بموجبها ترامب غرامات مالية شرط عدم اعترافه بأنه مذنب، وهي وسيلة شائعة في القضاء الأميركي لتوفير المال والوقت والجهود في القضايا الثابتة ضد المتهمين. تستند جيمس في رفضها الى قدرة مكتبها على ادانة ترامب بلا مواربة، وهو بذلك سينضم الى نسيبه والد صهره جيرالد كوشنير (تشارلز) الذي أمضى سنتين في السجن بعد ادانته بتهم مماثلة، وبهذا ستنال ايفانكا ترامب الحُسنيين بأنها ابنة مدان وكنة مدان، وهي في ذلك ليست وحيدة فالكثير من كبرى العائلات الأميركية الثرية اكتشفت بعد فوات الأوان أن للقانون رأياً آخر في ممارساتها.
بنى ترامب كل مجده الشخصي الذي آل به الى رئاسة الدولة الأقوى في العالم على تسويق نفسه كرجل اعمال لا يشق له غبار، بإمكانه ان يحقق ما يريده من خلال قدراته التفاوضية الهائلة نافيًا حقيقة انه ورث ثروته عن ابيه، وحاول توثيق ذلك عام 1987 في كتاب عنونه بـ “فن الصفقة” كتبه له الصحافي طوني شوارتز، الذي كشف لاحقًا ضحالة ترامب وتفاهة افكاره، يتحدث فيه عن مواهبه التفاوضية وكيفية تحقيق أفضل النتائج في التعاملات التجارية. حقق الكتاب بفضل الصحافة الصفراء التي يستثمر فيها ترامب كثيرًا أفضل المبيعات. لم يفت ذلك جيمس وهي تعلن ادعائها عليه فقالت: “عندما تدعي أنك تملك أموالًا ليست لك، هذا لا يبلغ فن الصفقة، هذا هو فن السرقة. وأضافت لا يمكن أن يكون هناك قوانين مختلفة لأناس مختلفين في هذه الولاية أو في هذه الأمة.
- الإعلانات -
#ترامب. #فن #الصفقة #أم #فن #السرقة
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
