- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

تنهيدة وطن.. عميقة وطويلة

حوصلة سنة 2022 البائسة، وأفق عام 2023 الغامض…

أولًا، فثانيًا/ بين حصيلة المقاربة و”حصلة” المفارقة:

اولاً: سنة 2022 تحزم حقائبها الملغمة والمبعثرة؛ وهي سنة الخيبة والاضاعة والوجع معًا؛ عالميًا وإقليميًا ووطنيًا وحتى جهويًا في ليبيا المفرقة المتفرقة على الاصعدة المجتمعية والاقتصادية والسياسية، ربما النجاح النسبي اليتيم، وهو تواصل حالة “اللا حرب” المضطربة، وعدم انفلات الحرب الروسية الأوكرانية، رغم فاتورة التضخم وغلاء الاسعار، مع استثناء البهرة المعنوية الوحيدة في نجاح قطر في إختبار كأس العالم وابداع المنتخب المغربي فيها. يطل عام جديد، ولن يكون سهلًا أبدًا، إلا كفرصة ومفرق مرور نحو براقة الأمل بمستقبل بشرية أدنى خطورة، وأقل عسارة في أمنه وسلامته في ظل استمرار الحرب العالمية المصغرة في أوكرانيا، واحماء العضلات لتطاحن امريكي صيني، معزتصاعد مضطرد في سخونة مياه المتوسط الشرقية، وشروخ تصدعات الاقتصاد العالمي الناتجة عن شبح بل شيطان تضخم ركودي مرعب، يهدد عموم البشرية، وبالأخص فقرائها وضعفائها، ونحن منهم، وبالذات جيراننا القرب في مصر وتونس والسودان والنيجر وتشاد، يزيد من وطأته زحف كارثة مناخية وبيئية متصفة باحترار الأجواء وجفاف الأرض وغرق الشواطئ وزحف الصحاري، ليشح المال ويندر الماء ويغلى الغداء ويعز الدواء، فيدفع البشر سوقًا نحو ملحمة صراع البقاء وتيه الهجرة، تنافسًا على القليل من موارد الأمل وصغير أمل الموارد.

وللأسف حروبنا الليبية التي تقودها نخب شرهة منا مدفوعة بالجشع ومشحونة بالأنانية ومحفزة بالحقد ومفعمة بالجهل وفائضة في الوهم وغارقة في الانغلاق، تقودنا وتجعلنا لقمة سائغة لكل ذئب متربص وضبع جائع، وتشاهدها متفرجة ما تبقى من نخب منشطرة بين المشاركة في وليمة اللئام واللوماء، وبين التسامي عن التواطؤ المخلوط بالتحسر لقلة الحيلة وقليل الشجاعة.

وطنيًا، سنة 2022:

1- كانت سنة الخيبة وطعن الأمل المتطلع في الانتخابات. تعدد الطاعنين المفترسون الذين، وعلى رأسهم مسؤولية ذلك عقيلة صالح الذي تفوق بتعريته المثابرة لجسد الانتخابات أمام كل خنجر مسموم. يوازي ذلك انفصال كامل وانفصام تام من العصبة المتحكمة عن سماع أنين الشعب المنهك والمهترئ الكادح.

2- المجلس الرئاسي والذي صُمم وهُندس جنيفيًا، دوليًا وبانسياب محلي، بأن لا يكون مجلس ولا يكون رئاسي، وأكد ذلك نتاجات ادائه المقيد بتشكيله الثلاثي- والذي يعرف أي مبتدئ علوم ادارية تناقض ذلك مع مبادئ الادارة في ضرورة وحدة القيادة. مما يجعل من غير الممكن تحميل  ثلاثية الرئاسي وزر الوضع الراهن؛ مع رجاء العشم منهم جمعًا في مبادرة وطنية عملية وشجاعة وحازمة للقيام بـ”ثورة” سياسية تتقلب على سفه السرطان السياسي المستشري.

3- نجاة عبد الحميد الدبيبة من محاولة محكمة للاطاحة به، واجهتها فتحي باشاغا. إفلات ونجاة الدبيبة لم تكن لقدرات خارقة لديه، بل في رعونة المنقلبين وسذاجتهم وبالتالي، تحشد الرافضين لحلف المنقلبين.

موقف الدبيبة صعب وبالذات في إدمانه للانتصارات الشكلية المتصاغرة والمدغدغة  للرأي العام، والتي لا يمكن ضمان استطالة مدى تخديرها، بقصوره في تأسيس رؤية وخطاب سياسي مستقبلي؛ مع عجزه في التواصل الشعبي الحقيقي لغياب  قاعدة/ إطار سياسي وسيط بين السلطة والشعب- وتلك مسلمة لا يغفلها إلا غافل سياسة ومجتمع. بجانب -ليس بمعنى الجانبي- انحصار سلطته التنفيذية الواقعية في أرخبيل جزر منقطعة، تتبعه طواعية لرفضها لمخالفه.

4- في حين أن وضع باشاغا أصعب، ليس فقط في توالي فشل محاولته في تولي الحكومة، بل في تكلسه السياسي لدرجة الشلل الطوعي عن تطوير المبادرة وتغيير الخطاب وتحوير الأساليب وتوسيع التواصل. فهو يمارس الانتحار البطيء المؤكد كمثل المضرب عن الطعام غير أنه مضرب عن السياسة كـ”فن الممكن“.

5- ومن محل الدرس لكلا من الدبيبة وباشاغا، يمكن تلخيصه في قصر وضحالة الرؤية والتواصل، ومن ذلك:

> إهمالهما واستهانتهما في تأثير الرأي العام، والاستهزاء بدور الطبقة السياسية الوسيطة.

> تكرار ألاعيب سياسية من مدرسة الضرائر والحموات.

> تركيزهما على صفقات التقاسم، وإرضاء مراكز القوى المراهقة (غير راشدة) والمتقلبة.

> إدمان استهواء فرقعات الأداء المسرحي المبتذل.

> وكذلك سذاجتهم في فهم ابجديات المبتدئ في التعامل مع اللاعبين الدوليين.

6- عقيلة صالح وخالد المشري رئيسا المجلسين، النواب والدولة، وبعد إفشال الانتخابات وترسخ طلاق الشارع لهما، فلقد جاهدًا بجد ومثابرة على إفراغ المجلسين من أية ثقة شعبية أو دولية، فتحول رئيسهما من لاعبين مهمين، بتحول أحدهما إلى مهرج او بلهوان (يترك خيار تفضيل النعت للقارئ المحترم) سياسي يجر معه كومبارس سياسي. فرصة ضئيلة متضائلة تتقلص أمامهما باستعادة الاحترام الشعبي عبر التعجيل بالانتخابات عوضًا عن سيرك الخزعبلات اللا منتهية من المناورات لذات المناورة.

7- خليفة حفتر والذي بالرغم من انتكاسة الحرب على طرابلس، فلقد حولها فعليًا إلى انتصار سياسي على الأرض بحوزه السلطة الواقعية على معظم الجغرافية الليبية بديموغرافيتها ومواردها الحيوية، بجانب طبقة سياسية وقاعدة شعبية موالية، تساندها قوة عسكرية مطيعة له، وتعززها منظومة مخابراتية منضبطة معه، وتدعمها شراكة براغماتية حريصة ومؤثرة مع وفي كل السلطاتين التشريعيتين (النواب والدولة) والحكومتين، ويرفد ذلك اقتناع أطراف ليبية وإقليمية ودولية بمحورية دوره، بما في ذلك مخالفيه قبل حلفائه؛ ولكن ذلك يزعجه توتر وجفاء علاقته مع الفاعل الدولي الأهم والمتمثل في الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وايطاليا والمانيا، في ظل اهتزاز الوزن الروسي، وتنعم التوجه الفرنسي، وضعف أو تشتت أو خفوت داعميه الإقليميين. وكذلك، صلابة وتصلب الجناح الليبي المخالف له، والذي وإن تركز في غرب ليبيا إلا أن له امتداداته الموجودة في الشرق والجنوب.

مع نقطة ان منافسه الرسمي الأهم، المتمثل في الدبيبة، هو أيضًا مثله مقاتل سياسي، ليس كغيره او من سبقه ممن يتجنبون المواجهة السياسية.

المعضلة الأكبر لحفتر هي في كيفية صياغة وإخراج سردية تغيير الصورة النمطية والمتجذرة عنه لدى جزء كبير من الليبيين والعالم الخارجي، والموصوفة بالصرامة والعنف، لدرجة الغطرسة والشراسة، المشتملة والمتأسسة على منهج شمولي أحادي يقصي ولا يحتوي التنوع والتعدد، في ضوء مقارنة الناس لثقل قبضته في مناطقه.

8- ارتباك أنصار النظام السابق- حتى لا أقول تخبطهم- ومن عجيب الحيرة الاحتضار والتهاوي السريع لمشروع وخطاب وايديولوجية ومشروع ونظرية النظام السابق بدون أدنى مقاومة أو مناعة رغم جهود أربعة عقود من التبشير والفرض والقولبة. وهذا لا يعني انتهائه، لتبقى شخصيات وتركيبات مجتمعية معتبرة كانت ولا زالت موالية له، وتعيش الحنين. إلا أن المعضلة في عدم قدرة نخب النظام السابق في تسويق خطاب لقواعدها يوضح أن الماضي السياسي لن يعود، وأن حصص السلطة والمال لن تكون امتيازات وتفضيلات كما سبق، بل ستتوازن مع حجمهم السكاني وتأثيرهم السياسي. مع ضبابية وتنافر في القيادات الوريثة، ليكون أبرزها سيف الاسلام القذافي؛ مع  الإقرار بنجاحهم في حيازة نصيب مهم في كل السلطات المختلفة منذ إتفاق الصخيرات عبر توزع التحالفات والمواقف.

9- جدلية المكونات الأمازيغية/ الطارقية والتباوية، والتي شهدت تراجع امازيغي بل ترجيع الامازيغية متعمد منذ 2014 بعد موازنة لم تستمر إلا ثلاث سنوات لأسباب عدة منها حسابات واصطفافات سياسية خاطئة او استهداف سياسي متعمد؛ دشنته صخيرات الوفاق وعمدته جنيف الحكومة الوطنية وبرلمانية الحكومة الموازية عبر تهميش نوعي وعددي للمكونات وبالاخص الأمازيغي، والذي كتنبيه يجب أن يدق جرس إنذار بعواقب تراكم التهميش والتعالي، والذي عرف النظام السابق عواقبه وحاول تداركه ولم يسعفه الوقت لتأخر استجابته لمطالب الحق الأمازيغي. وفي احداث ثورة فبراير وعملية فجر ليبيا وتصدي البركان علامات ومعالم قد تتكرر.

10- النخب السياسية تجرعت سم نخبها؛ فبعد ازدهار مبشر وقصير قبل الانتخابات الملغاة، انبثق ما يلامس المائتي حزب، وبزغ ما يزيد عن خمسة آلاف مرشح برلماني، وأينع ما يقارب من مائة مرشح رئاسي، في وعد بحديقة سياسية وارفة، ليكشف فشل الانتخابات عن تفاهة الأحزاب إلا قلة محدودة، وعن تلهف آلاف البرلمانيين الموعدين إلا معدودين مجهريًا، وعن تهافت الأغلبية الساحقة والمبرمة من المرشحين الرئاسيين. فقد كشفت الانتخابات المفشلة عن عمق وسعة جذور الازمة الليبية المصابة في خواء وعلقم حصاد ثمار نخبها حصيلة بذور “جمهرة الديموكراسي” المهجنة والموبؤة، المغروسة بيد فلاح طالح، يكره مفيد الثمار ويعشق اشواك الطلح؛ لتجاهد حسن البذور في مقاومة هيجان الافساد.

وهذا لا يعفي صادق وقادر النخب السياسية والثقافية من وظيفتها العضوية للانخراط الفعال والشجاع في الانقاذ ليكون الخلاص الجمعي الذي لا تحققه النجاة الفردية، فبدون الانخراط الايجابي للنخب السياسية والثقافية في الشأن العام وتغييره تتحول النخبة إلى نادي سريالي من برج-عاجيين واهمين، تدميهم حجار وأشواك تسلط الدهماء والغوغاء، الذين يضرون انفسهم أيضًا، عبر توجيه واستغلال الشعبويين والدوغمايين والفاشيين والعملاء والسيكوباتين لهم.

11- والخلاصة هي الشعب، والذي بكل اختصار مباشر، لا يستوجب الإطناب لوضوح بؤس الحال. فالشعب كان ولا يزال هم الضحية المسكينة والمعانية والمغدورة والصابرة والمرتجية لأيام قادمة افضل ونخب فاضلة وقيادات فضيلة. فالشعب كان ولا يزال هم الضحية المسكينة والمعانية والمغدورة والصابرة والمرتجية لايأم افضل ونخب فاضلة وقيادات فضيلة.

ثانيًا/ أفق عام 2023 الذي مقدماته هي مخرجات سنة 2022:

فما لم تجري انتخابات ناجحة في عام 2023 تغير التسلط السياسي والمجتمعي الحالي وتفرز طبقة سياسية أقل سوءً وأكثر وطنية وارقى معرفة؛ او تتكون تشكلًا قوة وطنية سياسية لها مخالب وأنياب. وفي كلا الخيارين اشتراطا وجوبيا، أن:

> تعلي وتقدم من مفهوم الأمة الليبية والوطن الليبي، المتكامل والفعال والمتعاون مع المحيط الإقليمي والدولي، والمسئول إنسانيًا.

> تبسط سلطتها على الشعب الليبي.

> وتعم سيطرتها على كل التراب الليبي.

> وتجمع وتفهم وتراعي وتنظم التعدد والتنوع والاختلاف في بوتقة وطنية مشاركة وضامة.

> وتضبط وتوحد الإدارة العامة المركزية و بتناسق مع الجهويات والمحليات والمجتمع المدني في لا مركزية حقيقية فعالة.

> وتفرض هيبة القانون واحتكار السلاح باتزان ووعي وطني مدرك لمآلات الديكتاتورية والقمع والإرهاب والاحتكار؛ بدون تدخل في العمل السياسي وتحترم الحريات والحقوق.

> وتطوق داء التوغلات والتغولات  والغنائيمية القبلية والعائلية المتسلطة كما هو معاش اليوم من سطوة وتمكن مدن وقبائل وعائلات محددة  ورثت جبروت  القبائل المُزاحة.

> وذلك بمراعاة تكافؤ الفرص وعدالة التوزيع وجزائية الاداء.

> وتصلح كفاءة الاقتصاد والمالية والنقدية، والإدارة والقطاع العام والرقابية، وفق اضبط القواعد والمعايير الدولية.

> مع استئصال سوء الإدارة وتقزيم الفساد والنهب والهدر عبر آليات الشفافية والتقييم لا عبر اجراءات انفعالية تصطاد صغير السمك وتهاب كبير الحوت.

> وتعيد الرعاية والعدالة الاجتماعية والتنموية المستدامة الشاملة.

> مع صياغة معادلة اقتصادية لقطاعات وإنتاجية وعوائد قطاعات النفط والغاز والاستثمارات الداخلية والخارجية والشركات القابضة والاحتياطيات بما ينميها للحاضر والمستقبل.

> وتضمن حقوق الأجيال.

> وتصون البيئة ومستلزماتها.

> تشجيع وحماية واقحام الخاص في المجال الاقتصادي الانتاجي والتشغيلي (التوظيف/البطالة) وليس التجاري والخدمي، مع تطوير نظام الجباية الضريبية ومنظومة المسؤولية الاجتماعية وشبكة حقوق العمال.

> السير الجدي في خيار تنويع الاقتصاد والاستغلال الامثل للموارد.

فسنة 2023 تحمل في أحشائها مخاض تحديات بنيوية وتهديدات وجودية، منها:

> خطر داهم ليس فقط بتواصل نقصان السيادة الوطنية بل نحو التهام والتعدي على التراب الوطني ومجاله البحري إما بالضم الكامل او التبعية المدعمة او التغيير الديمغرافي او بالخروج عن السيطرة.

> بامتداد مع تواصل الانشطار الجهوي والانقسام القبلي في جزر شبه مستقلة ينفث نافخي الكير (ليبيون واجانب) فيها الكراهية والبغضاء وحتى التقاتل والتحارب.

> انتكاسة اقتصادية بانفجار الفقاعة الاقتصادية المنتفخة بتضخم إنفاق المالية العام (انفاق اسمي/رقمي، وغير واقعي ولا منعكس على القدرة الشرائية)، وقد يعجل من ذلك توقف مفاجئ للحرب في اوكرانيا في اية لحظة. انفجار الفقاعة الاقتصادية ستكشف عوار السياسة الاقتصادية، وينتج عنها تدني حاد في مستويات المعيشة وصاروخية الدين العام، وتعثر الدولة عن الإيفاء حتى بأساسيات الخدمات والواجبات المتدنية أصلًا، فما بالك باستحقاقات فاتورة داعيات الحرب والفوضى والتوغلات الداخلية والخارجية. مع استمرار تفاقم أزمات المياه والكهرباء والصحة العامة وتدني التعليم وتذبذب الأمن.

> غير ذلك المسار سيتأكد مسار الدولة “جمهورية الموز” و”الفاشلة”و”الهشة” و”الدمية” و”المنهارة” و”المارقة” و”المنهارة” و”المزعجة” و“العالة” و”المغرية” و”الجانية” على نفسها وعلى غيرها – كل توصيف فرعي سابق للدولة له تعريفه ومحموله. ولن ينفع معه بيع لغة الشعارات والتبريرات الممجوجة، لان عصا التهاون لا ترحم.

ستزيد ايام 2023 من تعرية ما عرته، ما لم يسحب غطاء البطانية عن متلحفيه النائمين معًا على سرير الوطن!

إبراهيم قراده/ ادرار نفوسه

26 ديسمبر 2022

- الإعلانات -

#تنهيدة #وطن. #عميقة #وطويلة

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد