- الإعلانات -
تونس.. انقسام حول الدستور الجديد | صحيفة الخليج

د. محمد عزالعرب *
دعا الرئيس التونسي قيس سعيّد، الناخبين إلى الاستفتاء على مشروع دستور جديد يوم 25 يوليو/تموز المقبل؛ حيث سيجيب الناخب بكلمة «نعم» أو «لا» على السؤال الآتي: هل توافق على مشروع الدستور الجديد للجمهورية التونسية؟ ووفقاً لهذا المرسوم سيجري التحضير للدستور الجديد ونشره في أجل أقصاه يوم 30 يونيو/حزيران المقبل؛ حيث تتولى الهيئة الاستشارية الوطنية برئاسة صاديق بلعيد، صياغة مشروع دستور جديد للجمهورية الجديدة.
أثار المرسوم الرئاسي جدلاً واسعاً في الداخل ما بين مؤيد ومعارض. فالرأي المؤيد لهذا المرسوم يستند إلى أن الاستفتاء على الدستور يعد من البنود الرئيسية لخريطة الطريق التي أعلن عنها الرئيس سعيد منذ 13 ديسمبر/كانون الأول الماضي، لتدشين «الجمهورية الجديدة» بعد أكثر من عشر سنوات على متاهة الانتقال في أعقاب ثورة تونس التي أدت إلى إسقاط نظام بن علي من دون أن تنجح في تشكيل نظام سياسي جديد. لذا، يعد من أهم البنود التي يرغب الرئيس التونسي في تعديلها في الدستور الجديد، النظام السياسي الذي يريده «نظاماً رئاسياً» خلفاً للنظام «البرلماني المعدل» الذي كان مطبقاً خلال العشرة أعوام الماضية.
وتبعاً لذلك، فإن إجراء الاستفتاء على الدستور وكذلك إجراء الحوار الوطني يعمل على دعم استقرار وتماسك مؤسسات الدولة التونسية، بما يجعل قرار تصحيح لدستور تم صياغته بأساليب ديمقراطية مغشوشة. وقد اعتبر رئيس تونس خلال إشرافه على اجتماع لمجلس الوزراء بتاريخ 19 مايو/أيار الماضي، أن مشروع الاستفتاء المنتظر، «سيمكن تونس من المرور من دستور كان سيفجّر الدولة من الداخل إلى دستور يعبّر عن إرادة الشعب»، مضيفاً «ستكون جمهورية جديدة قائمة على أسس متينة تضمن وحدة الدولة واستمرارها وتضمن حقوق التونسيين والتونسيات في العيش الكريم».
كما أن داعمي الدستور المنتظر يعتبرونه قادراً على تجاوز الأزمات السياسية والتحديات الاقتصادية الضاغطة والتأثيرات الاجتماعية لها على نحو ما يعبر عنه مؤشر الإضرابات الفئوية وبشكل خاص في المناطق الطرفية التي لا تزال تعاني إشكالية التنمية غير المتوازنة. كما أن المرحلة المقبلة من تطور البلاد تتطلب بلورة توافق مجتمعي لتجاوز تداعيات وضع عالمي ألقى بتأثيراته ممثلة في أزمة كورونا وحرب روسيا وأوكرانيا.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي أقرض في 25 مايو/أيار الماضي تونس 300 مليون يورو، بما يساعدها على خفض العبء على الموازنة العامة وتنفيذ إصلاحات رئيسية. كما سبق أن وقع البنك المركزي التونسي في 20 إبريل/نيسان الماضي، اتفاق قرض بقيمة 700 مليون دولار مع البنك الإفريقي للاستيراد والتصدير لتمويل ميزانية 2022.
وثمة مجموعة من القوى والأحزاب السياسية الداعمة للمرسوم الرئاسي وخريطة الطريق ومنها «حزب التحالف من أجل تونس» و«حزب الجمهورية الثالثة» و«حركة الجمهورية الجديدة» و«ائتلاف صمود» و«الرابطة التونسية لحقوق الإنسان».
جبهة المعارضة
أما الرأي المعارض يستند إلى أن الاستفتاء على الدستور تمثيلية ديمقراطية يجب العمل على عدم إجرائها وضرورة الكفاح من أجل العودة للشرعية الدستورية. كما أن الدعوة للاستفتاء على الدستور مخالفة للدستور والشرعية وتكريساً للانقلاب الذي قام به سعيّد في يوليو/تموز الماضي على الشرعية والتجربة الديمقراطية التونسية، وأن الاستفتاء القادم فاقد للشرعية والمصداقية. ووفقاً لهذا الاتجاه، فإن قرار تشكيل الهيئة الوطنية الاستشارية لصياغة دستور جديد يتماشى مع توجهات الرئيس بشأن تأسيس نظام سياسي جديد يقوم على تأكيد انفراده بالحكم الفردي المطلق، وهو ما يمثل فشلاً للتجربة الديمقراطية التي شهدتها البلاد خلال الأعوام العشرة الأخيرة.
وبناء على ذلك، يرى أنصار هذا الرأي أن ثمة ضرورة لتشكيل رأي عام ضاغط لمواجهة مشروع الرئيس سعيّد، على نحو يدفعه إلى إعادة النظر في طريقة تحاوره مع بقية مكونات المجتمع التونسي، وإشراك قوى سياسية ومجتمعية ونقابية «فاعلة وحية» في فعاليات هذا الحوار بما لا يجعل الأخير «شكلياً» يؤدي إلى تمرير خيارات معروفة بشكل مسبق، ويمتلك بعض الفاعلين من داعمي هذا الرأي تحريك كتل صلبة في المجتمع مثل موظفي الشركات العمومية، لاسيما في ظل تأخر الأجور في بعض الأحيان، وهو ما أكده نور الدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل بتاريخ 23 مايو/أيار الماضي، بأنه يرفض الاستفتاء على مشروع الدستور التونسي لأنه «لن يستجيب لتطلعات القوى الوطنية ولن يحل أزمة البلاد».
ويضم هذا الرأي مجموعة من الأحزاب والقوى والتيارات السياسية المناوئة لمشروع الرئيس وهي الحزب الدستوري الحر والاتحاد التونسي للشغل والتيار الديمقراطي (الذي يضم 5 كيانات هي حركة النهضة وائتلاف الكرامة وقلب تونس وحراك تونس الإرادة وحزب الأمل) وجبهة الخلاص الوطني التي تضم عدة مجموعات (مواطنون ضد الانقلاب وتوانسة من أجل الديمقراطية واللقاء الوطني للإنقاذ ومبادرة اللقاء من أجل تونس). هذا فضلاً عن شخصيات عامة وبرلمانية وأكاديمية لدرجة أن عمداء كليات الحقوق اعتذروا عن المشاركة في لجنة تعديل الدستور.
وقد قال العمداء في بيان صادر عنهم بتاريخ 24 مايو/مايو الماضي إنهم «ومع تقديرهم لثقة رئاسة الجمهورية في الإطارات العليا للدولة، فإنهم يعبّرون عن تمسكهم بحياد المؤسسات الجامعية، وضرورة النأي بها عن الشأن السياسي»، وذلك طبقاً لأحكام الفصل 15 من دستور 27 يناير 2014، وبالقيم والحريات الأكاديمية المعمول بها والمتفق عليها، حتى «لا ينجروا إلى اتخاذ مواقف من برامج سياسية لا تتصل بمسؤولياتهم الأكاديمية والعلمية والبحثية والتأطيرية».
وأضاف البيان أنه «ولأنه يحق للجامعيين، شأنهم شأن سائر المواطنين، أن تكون لهم آراء سياسية، وأن يعبّروا عنها بكل حرية، فإن ممارسة هذا الحق تكون باسمهم الخاص، لا باسم المؤسسة الجامعية، خاصة عندما يشغلون منصب مسؤولية بالجامعة التونسية، التزاماً بواجب التحفّظ».
أزمة مستمرة
خلاصة القول إن الانقسام الحاد داخل المجتمع التونسي ما بين داعم ورافض لقرارات وإجراءات الرئيس قيس سعيد يؤدي إلى استمرار بقاء البلاد في أزمة متعددة الأبعاد، لاسيما في ظل تفكك متواصل لتحالف القوى السياسية والمجتمعية مع الرئيس قيس سعيد، وهو ما قد تستغله حركة «النهضة» لتصفية حساباتها مع الرئيس سعيد، ويعقد التوصل إلى تسوية مرضية من خلال الحوار، الأمر الذي يجعل التحول الذي تشهده تونس من الألم إلى الأمل بعيد المنال في لحظة قريبة ما.
* رئيس وحدة الدراسات العربية والإقليمية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
- الإعلانات -
#تونس #انقسام #حول #الدستور #الجديد #صحيفة #الخليج
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
