- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

حبيبتي (10) مجلة منيرة

- الإعلانات -

حبيبتي (10) مجلة منيرة

محمد نجيب عبد الكافي

أرشيف الكاتب

2021/10/23 على الساعة 05:54

عندما وطأت قدماي إسبانيا في صائفة منتصف سبعينات القرن الماضي، بنية قضاء أسبوع أغطي فيه صحفيا حال الفريق فرانكو، سيد البلاد وقتئذ وجلادها، الذي أدخل المستشفى يشكو علّة أو عللا، لم تفصح عنها الأنباء الرسمية النادرة المقتضبة، ثمّ أعود إلى روما حيث نويت الاستقرار، وحيث شرعت في العمل. لكن، وما تشاؤون إلا أن يشاء الله، فالأسبوع أصبح قرابة النصف قرن، وإلى اليوم لم أعد إلى روما ولو لاسترجاع ثيابي التي بقيت هناك.

استقبلتني بالمطار عائلة صديقة، عرفتها في ليبيا وساعدتها هناك بما استطعت طوال إقامتها وعملها، فقابلت الجميل بمثله، أو أحسن منه، وسلمت لي في اليوم الموالي مفاتيح البيت، وغادر الجميع إلى مصيف بالشمال الغربي، لقضاء العطلة حسب ما كان مخططا. بقيت بمفردي إذن، فنظمت حياتي حسب متطلبات العمل، والغوص في معرفة البلد وأهلها معرفة أوسع وأصدق. بدأت بمكتبة البيت التي وجدتها ثريّة منوّعة المحتوى.

فمن أول ما جلب انتباهي، مجلة جذبني اسمها عربيّ الجذور، وهو “المنارة”، وحجمها وسمكها إذ أتت في حوالي مائتي صفحة. رغم جهلي لغة ثربانتس آنذاك، سحبت العدد الذي أمامي بنيّة مطالعته، معوّلا على معرفتي لغتين شقيقتي الإسبانية، وهما الفرنسية والإيطالية، وشرعت في التصفح والتفحص، ثمّ المطالعة بدأ بالعناوين، فاندهشت. اندهاشي له أسباب عدّة. أولا عنوان المجلة إسباني بالتبنّي، وبلا تحريف في المعنى تقريبا، إذ هو المنارة، ومن معانيه المتعدّدة حسب القاموس الإسباني نفسه، هو ذلك النور الذي يشعل من طرف الطلائع التي تكون منتشرة على الحدود أو السواحل. ثانيا إن المجلة صادرة عن جمعيّة الصداقة الإسلامية المسيحيّة. ثالثا مديرها قسيس “يسوعي” اسمه سلفادور غومث نوغالس. رابعا غلافها من رسم ريشة فنان عراقي هو فائق حسين. خامسا إخراجها وتصفيفها يدلّ على أنها ليست من الوسائل والصحف السيّارة، يؤكد ذلك أبوابها الأربعة وهي دراسات ومقالات موحّدة مواضيعها، الفكرة والعبارة، معلومات مكتبيّة بتلخيص وتحليل وتقديم كتب، أخبار وإعلام.

كل هذا جعلني أزداد اهتماما وحبّ اطلاع ومعرفة، لأن حدسي دفعني إلى الظن أنها صوت استشراق فزاد هذا في عنايتي وبحثي عن مزيد الاطلاع والاكتشاف. دخلت الباب الثاني مجهدا النفس والفكر كي أفهم ما يمكن فهمه فينير ويفيد، لأن الفكرة والكلمة هما مفتاح اللغز، وبهما أستنير وأسير. حسنا فعلت. لأن الخشية التي كانت تساورني منذ البداية، وهي أن تكون المجلة ذات صبغة أكاديمية بحتة، فتصعب معالجتها صحفيّا، زالت عن نفسي لأني وجدتها غير ذلك، وما استطعت فهمه آنذاك، هي أنها لسان استشراق أو استعراب، وعليّ أن أكتشف وأتبيّن ذلك. أرجأت معالجتها بعض الوقت، لأني كنت بصدد تعلّم اللغة عن طريق “علِّم نفسَك”، وأكثر من الاستماع لما تبثّه الإذاعات المسموعة والمرئيّة فأرمي عصفورين بحجر واحد، أتعلّم لنفسي وألتقط الأخبار لعملي.

أكثرت أيضا محاورة زملائي، الإسبان خاصة، بعد أن رجوتهم عدم التردّد عن إصلاح أخطائي فمنهم من فعل مشكورا. فما هما إلا أسبوعان أو ثلاثة، حتى استنار لي الطريق، وأصبحت قادرا على التعبير الصحيح والفهم الصائب وكتابة قصار النّصوص أيضا، ولو بترك أخطاء في الطريق، وبأسلوب ذي طابع أجنبي عن اللغة نفسها. عندها عدت إلى المجلة بثقة وثبات، وما أن قرأت ما كتبه مديرها في كلمة افتتاحية، فهمت منها أنها “تريد وتطمح ولو باحتشام وتواضع، إلى نشر والتعريف بالأدب والفكر الإسلامي المعاصر، مستعدّة لمواجهة الصعاب والعراقيل المؤكّد ظهورها في طريقها.” كنت في صائفة عام أربعة وسبعين، أي مرّت ثلاث أو هي أربع سنوات على العدد الذي بين يديّ، وهو الأول، فعزمت على اقتناء العدد الأخير، فإذا به عددان، الخامس والسادس في سفر واحد، فبدا كتابا لا مجلّة، لأن صفحاته قربت من الأربع مائة، والباب الثاني منه، المخصص للرأي والكلمة، نال، وهذا ما أسعدني، نصيب الأسد بين الأبواب الأخرى، لأنه علاوة على محتواه المركز على الكتب والإنتاج الفكري، ترجمة وشرحا وتحليلا، كان لي خير وسيلة لإثراء وتحسين لغتي الجديدة، لغة “دون كيخوطي” ومؤلفه ثربانتث، ولغة “كيبيدو” أو قابادو كما أصبح الاسم بتونس، تحمله عائلة أدباء من أصل أندلسي. أما الباب الثالث فهو مخصّص لتقريظ ووصف كتب مشاهير المؤلفين والشعراء، منهم على سبيل المثال لا الحصر، محمود تيمور، نزار قبّاني، عبد الوهاب البياتي، نجيب محفوظ، محمود درويش، عبد الصبور، وطبعا أدونيس.

نشرت المجلة أيضا أعمالا أكثر شمولا، كالتعريف بالشعر التونسي أو المغربي أو الأدب العراقي، مما يفرض فهم الغاية الأساسية أو الهدف المقصود وهو تقديم وتعريف، محلّلا ومنتقدا، ما ينتجه الفكر والأدب الإسلامي، الذي يشمل بالطبع العربي. كفى هذا بأن ترتبط المجلة بذهني ورأيي على الأقل، بالاستعراب الإسباني. ثم إن المجلة، حسب ما جاء في مقالات بعض كتابها، أن محتوياتها استجابت لأذواق وطلبات القرّاء.

الغريب في الأمر هو أني، رغم هذا الحدس الباعث لاعتبارها لسان استعراب حديث معاصر، عرفت عنه نفثات وعرفت اسم باعثه ومنشئه، لم ألتفت، كما كان يجب أن أفعل، إلى تركيبة إدارتها وفريق تحريرها، ولما فعلت، بعد لأي ومدّة، وظن وتخمين، وجدت الجواب اليقين، الذي أيّد وأكّد حدسي وظني إذ أن مدير تحريرها ليس هو إلا باعث الاستعراب الإسباني الحديث الأستاذ بيدرو مارتيناث مونتابث، الذي درس ودرّس بالقاهرة، واشتغل بالإذاعة في مصر، ومنها تعرّف على معظم بلدان الشرق الأوسط العربية. أسماء أخرى لم أكن أعرفها ولا سمعت بأصحابها، كلهم من خيرة المستعربين، وهم اليوم، ومنذ أن وثقت في نفسي وفي لغتي، أصدقاء مقرّبون. أول من عرفت منهم الأستاذ فرناندو دي آغريدا، وكان التعارف عن طريق “المعهد الثقافي الإسباني العربي” الذي لعب دورا كبيرا، علميا وثقافيا، بين إسبانيا والبلدان العربيّة، خاصة منها المغرب العربي. كان هذا وإسبانيا ترزح تحت دكتاتورية فرانكو.

 فهمت وقتها وتأكدت، أن المجلة هي صوت الاستعراب، وما صلتها بالكنيسة إلا مظلة تحتمي بها ضد أي خطر قد يأتيها من السلطة الظالمة الغاشمة، التي كانت تحتكر كل شيء في البلاد، بما في ذلك الأفكار والألسنة، التي كمّمت أفواهها عن كلّ رأي أو تفكير، إن لم يكن ما تريده هي أو الكنيسة، التي كان من الصعب تحديد وتأكيد إن كانت عميلة السلطة أو السلطة عميلتها. أيا كان الأمر، فما هما إلا ثنائي حدّ من الحريات في جميع المجالات. لذا لجأ الباحثون عن كسر القيود، فالانعتاق وتحقيق الديمقراطية، لجأوا إلى مختلف الحيل ليعملوا، ولو بتواضع محتشم، في سبيل إيقاظ الهمم وتحريك الإرادات، للعمل وتغيير الأوضاع لما هو أفضل. لم يغب هذا عن ذهني، لأني مجرّبه أيام كفاحنا في تونس. يكفي نقل جملة مما جاء في كلمة مديرها أو هو مدير تحريرها، كي يفهم القارئ أسلوب “النضال” لأنه لا شيء غير ذلك.

تقول المجلة: “تريد المنارة أيضا أن تكون مرآة وسندانا للاتجاهات الحية والاضطرابات، نحو الحريات والإنجازات التي حققتها حاليا الثقافات الإسلامية، خاصة الآن، لأسباب بديهية، الثقافات العربية.” إن إضافة العربية إلى الإسلامية بهذه الطريقة الحذرة تعني الكثير. ليس معنى هذا أن السلطة كانت ضد العرب، بالعكس، لكن القرب الجغرافي والتململات التحريرية المستمرّة، تُخشى عدواها. الغريب في هذه المجلة التي اعتبرتها، وأعتبرها، “مناضلة”، وأصحابها مناضلو حرّية التعبير، ومن ورائه الحريات الأخرى، بدل أن تبقى وتتطوّر بأكثر حرية بعد التحوّل إلى ديمقراطية ضمنت الكثير مما هو حق المواطن، انقطعت المجلة عن الصدور، كما زال المعهد الثقافي الإسباني العربي، وعوّض بوكالة التعاون العالمي، تابعة لوزارة الخارجية، أي ثقافة تحت سيادة السياسة، دون أن أعرف، ولا أحد يعرف على ما يبدو، سبب ذلك. فهل هو محو وفسخ كلِّ ما كان أيام الدكتاتورية؟ إن هذا لا يتماشى ولا يطابق مثالية التحوّل الذي تمّ نحو الديمقراطية. يبقى السؤال بلا جواب.

محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 30-9-2021

#حبيبتي #مجلة #منيرة

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد