- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

حزب الدستور وبورقيبة والإسلام

يوم 3 أغسطس هو يوم ميلاد الزعيم الحبيب بورقيبة (نحيي اليوم الذكرى 119 لميلاد رجل استثنائي عاش محناً استثنائية وملأ قرناً من تاريخ بلادي بما في مسيرته من حسنات وسيئات ويتبادر إلى ذاكرتي أن هندستي الجينية مع جيلي تشكلت في النصف الثاني من القرن العشرين (قرن بورقيبة)، وهي هندسة غريبة فرضت علي وربما على أبناء جيلي مسارا لم نختره ولكني أحمد الله كل لحظة على أنه لم يدفعني إلى خيانة قيمي ومبادئي ما استطعت ولعل في مساري بعض العبر للشباب الذي كثيرا ما يسألني مشكوراً كيف أوفق بين اهتمامي الأكاديمي بشؤون الإسلام وبين انتمائي منذ 1962 إلى حزب الزعيم بورقيبة، الذي تميز بتفسير خاص للإسلام.
وأنا أتفهم تساؤل هؤلاء الشباب لكن أرى من واجبي أداء شهادة عن عصر لم يعيشوه وعن مرحلة لم يعرفوها إلا بالسماع عسى أنير في وجوههم قبساً من نور الحقيقة حول جيلي وحول التحولات الكبرى التي عاشتها بلادنا والعالم العربي والأمة الإسلامية قبل أن يولد هذا الشباب، فأنا ولدت في القيروان في نفس البيت الذي بناه جدودي القادمون من قبيلة قديد، والتي لا تزال إلى اليوم بين مكة والمدينة في الحجاز، وجاء جدي الأول مع الفاتح موسى بن نصير في سنة 711م حسب ما كتبه المؤرخ المرحوم حسن حسني عبد الوهاب، وكان جدي الذي تلاه اسمه أحمد القديدي وكان وزيراً عند إبراهيم بن الأغلب الثاني الذي لقب بالسفاح وثار عليه جدي هذا وقتله الحاكم الجائر شر قتلة كما ورد ذلك في صفحات 110 وما بعدها في الجزء الأول من كتاب إتحاف أهل الزمان للعلامة المؤرخ المصلح أحمد بن أبي الضياف، ثم جاء جدي الثالث وهو القائد العسكري والمرابط سالم القديدي ومقامه يزار إلى اليوم في القيروان ومهدد بالسقوط في شعب لا يقدر تراثه ولا يعترف بفضل من خدموه، وهو الذي جهز جيشاً قيروانياً للتصدي لملك فرنسا لويس التاسع في قرطاجة، لأن هذا الملك الملقب بالقديس لويس كان قائد جيش الحملة الصليبية، وكان سيمر إلى بيت المقدس من تونس، وشارك هذا الجد في معركة عام 1270م مع مجموعة مجاهدين هبوا لصد الصليبيين، لأن الإسلام كان جنسيتهم والجهاد كان واجبهم، وذكرت بعض كتب التاريخ أن الشيخ سالم تزعم جيشا من القيروان وذهب إلى المهدية فأحرق أسطول الملك الفرنسي لويس التاسع الذي كان يستعد لغزو بيت المقدس في الحملة الصليبية السابعة وكل من يزور المهدية اليوم يجد مقام الشيخ سيدي سالم القديدي في حي برج الرأس وهو مقام أسسه أهل المهدية تكريماً للرجل الصالح.
وعندما ولدت ونشأت في ظلال هذا التاريخ على بعد أمتار من جامع عقبة بن نافع كانت الصورتان اللتان فتحت عليهما عيني في مجلس دارنا نهاية الأربعينيات هما صورة الملك المجاهد الشهيد المنصف باشا باي وصورة الزعيم بورقيبة باللحية الكثة في منفاه بالمشرق العربي. لأن والدي رحمه الله كان كجل أبناء جيله وطنياً يحلم بالاستقلال ويساند الزعيم المجاهد من أجل ذلك الاستقلال وتربى جيلي على تلك القيم في مدرسة الفتح القرآنية ثم في الفصول الأولى من التعليم الزيتوني بل كان الاستقلال في تقديرنا قطعاً مع الذوبان في الاستعمار أي في الواقع عشنا نحلم بالاستقلال كاستعادة الهوية إلى جانب اكتساب الحداثة.
ثم إن أحد أخوالي كان من المقاومين بالسلاح واسمه رحمه الله عثمان سعيد الذي أصبح بعد الاستقلال ضابطاً في الحرس الوطني، كان كثيراً ما يختبأ في بيتنا على السطوح في بداية الخمسينيات، وكنت ألامس بندقيته الرشاشة بإعجاب طفولي وكانت والدتي تخفيها خوفاً من عصابة اليد الحمراء الإرهابية التي كانت تغتال الوطنيين.
هذا هو نموذج المقاوم الدستوري الذي عرفته إلى جانب المعلمين الذين كانوا يدرسون لنا في المدرسة القرآنية (الفتح) وهي مدرسة وقفية، وكانوا من مؤسسي الحزب الدستوري بقصر هلال عام 1934 منهم رحمهم الله محمد بودخان والطاهر عطاء الله والشاذلي عطاء الله وهم ممن عرفناهم مسلمين ملتزمين معتدلين ودستوريين وطنيين صادقين.
هذا هو المناخ الفكري والسياسي الذي نشأنا فيه فلا فرق لدينا بين الدين واللغة العربية والعروبة والهوية والاستقلال وبورقيبة نفسه كان بالنسبة لجيلي مثالاً للمقاومة ويلقب بالمجاهد، وحين كنا نزور جزيرة جالطة بعد الاستقلال والتي نفي فيها الزعيم كنا نقول كيف ظل هذا الرجل صامداً على هذه الصخرة في البحر لا يلين ولا يخضع، ونرى في ذلك الصبر موقف الزعيم المسلم الوطني. وكذلك كنا نقرأ في صحافة الاستعمار بأنه متهم بالإرهاب الإسلامي، ففي عدد من مجلة (باري ماتش) الباريسية صادر في مارس 1952 كتب مدير المجلة (رايمون كارتييه) حرفياً يقول: “انظروا إلى عينيه الزرقاوين إنهما يخفيان إرهابياً إسلامياً”! هذا هو بورقيبة الذي أحببناه.
ثم حين تحقق الاستقلال كنا نرى في بورقيبة زعيماً مسلماً مثيراً للجدل إلا أنه حقق كثيراً من مقاصد الشريعة ومنها أنه سوى بين المواطنين بإلغاء القبلية والإقطاع، ثم أعطى الأولوية المطلقة للتربية والتعليم وتعميم الصحة فنشأ في بلادنا رجال ونساء متعلمون وواعون قادرون على تحمل المسؤوليات، وانخرطنا في حزبه على هذا الأساس لأنه لم تكن في تونس أحزاب وأنشأنا تيارا عروبيا مؤمنا بالهوية بزعامة محمد مزالي لكن الزعيم أصيب بأمراض بدنية وعقلية في مرحلة خرفه وتحول إلى لعبة في أيدي ابنة أخته الجاهلة وأيدي الجنرال الطموح زين العابدين بن علي وطبعا كانت مجموعتنا مستهدفة من قبل حزب فرنسا (أقوى الأحزاب في تونس والدول التي كانت مستعمرات فرنسية إلى اليوم مع أحداث 2022) فنفينا وأخرجنا من ديارنا بغير حق ولوحقنا وتشرد أولادنا في أرض الله وعادت الدولة العميقة التي ارتبطت مصالحها الفاسدة بمصالح الاستعمار والتطبيع مع العنصرية الإسرائيلية وهو حالنا اليوم سنة 2022… والله من وراء القصد.

[email protected]

- الإعلانات -

#حزب #الدستور #وبورقيبة #والإسلام

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد