(MENAFN- Alghad Newspaper)إيلي القصيفي* – (أوريان 21) 29/11/2022
بعد عقد من خروجها من سورية، تصالحت حماس مع دمشق خلال اللقاء الذي جمع الرئيس السوري بشار الأسد بوفد من ممثلي الفصائل الفلسطينية، ومن ضمنه ممثل حماس، خليل الحية، في 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2022. ولم يكن هذا القرار وليد الأمس، ويتطلب فهمه مراجعة مسار المتغيرات الكثيرة التي طرأت على المشهد الإقليمي، ودور فاعلين أساسيين مثل إيران وحزب الله.
* *
كانت العلاقة بين دمشق والحركة الفلسطينية قوية طيلة أعوام عديدة؛ حيث كانت العاصمة السورية“ملاذًا آمناً” لقيادة“حماس” منذ أوائل العقد الأول من القرن الحالي. إلى جانب البعد السياسي والعسكري والأمني لوجودها في سورية، جمعت علاقة شخصية“وثيقة جداً” بين الرئيس السوري والرئيس السابق للمكتب السياسي للحركة، الذي كان يقيم في دمشق. ويشير الباحث الفلسطيني صقر أبو فخر إلى أن“أوساط خالد مشعل تقول إن مشعل كان يلتقي مع الأسد في حفلات شواء”.
وفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، فإن أكثر من نصف مليون لاجئ فلسطيني يقيمون في سورية، وخصوصاً في مخيم اليرموك في دمشق، الذي شهد معارك ضارية بدءاً من أواخر العام 2012. ويشير أبو فخر إلى أن“حماس” انخرطت في القتال داخل المخيم عبر مجموعة يطلق عليها اسم“أنفال بيت المقدس”، بقيادة أحد مساعدي مشعل، وقد سيطرت على جزئه الجنوبي ثم سمحت بوصول الجماعات المتطرفة، قبل أن يحسم النظام السوري والموالون له المعركة لصالحهم.
أما على الصعيد السياسي، فقد جاءت أبرز مواقف حماس المعارضة للأسد على لسان اثنين من أهم قادتها السياسيين، هما إسماعيل هنية، الذي قال خلال صلاة الجمعة في جامع الأزهر بالقاهرة في شباط (فبراير) 2012:“أحيي كل دول الربيع العربي، وأحيي شعب سورية البطل الذي يناضل من أجل الحرية والديمقراطية والإصلاح”، وخالد مشعل الذي رفع علم الثورة السورية في مهرجان حاشد في غزة بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيس الحركة في كانون الأول (ديسمبر) 2012، وقال:“لا نؤيد سياسة أي دولة أو أي نظام يخوض معركة دموية مع شعبه”. وجاءت هذه التصريحات بعد خروج قيادات حماس من دمشق وانتقالهم إلى قطر.
تجاذب بين الجناحين، السياسي والعسكري
يشير أبو فخر إلى أن“موقف حماس ضد النظام السوري كان انعكاساً للموقف العام لتيار الإخوان المسلمين المؤيد لثورات الربيع العربي، بعد أن ظن هؤلاء أنهم في طريقهم إلى الحكم، لا سيما بعد وصولهم إلى السلطة في مصر وتونس”. ويلفت إلى أنه كان هناك اتجاهان داخل حماس في ذلك الحين؛ الأول يقول بوجوب البقاء على الحياد بشأن أحداث الربيع العربي، والثاني يقول بوجوب تبني الموقف العام لـ”لإخوان” في المنطقة، علماً بأن الجماعة المصرية تعد التيار الأم للحركة الفلسطينية. ولكن، وفق الباحثة في المعهد الألماني للدراسات العالمية والمناطقية، مارين كوس، فإن“كتائب عز الدين القسام”، الجناح العسكري لحماس، أبدت استياءها بشكل خاص من مغادرة الحركة لسورية، لما تسببت فيه هذه الخطوة من انخفاض شديد في الدعم المالي والعسكري الإيراني.
ولكن، على الرغم من خروجها من سورية، لم تخرج حماس كلياً من مدار إيران، كما ذكر بذلك تشارلز ليستر من معهد الشرق الأوسط على قناة“الجزيرة” القطرية،(1) وإن كانت العلاقة بين الجانبين قد تراجعت إثر اندلاع ثورات الربيع العربي وحتى العدوان الإسرائيلي على غزة في صيف العام 2014، وفق الكاتب الفلسطيني صقر أبو فخر. ففي آذار (مارس) 2015، التقى خالد مشعل -الذي كان يشغل منصب رئيس المكتب السياسي لحماس- بعلي لاريجاني، رئيس مجلس الشورى الإيراني آنذاك. واعتبر باسم نعيم، نائب رئيس الدائرة السياسية في حماس، ذلك اللقاء، مؤشراً على“مزيد من الدفء في العلاقة الوثيقة بين الحركة وطهران”. وكان لاريجاني قد قال في تصريح له خلال زيارة قام بها إلى لبنان في كانون الأول (ديسمبر) 2014“إن حماس والجهاد الإسلامي هما حركتا مقاومة فاعلتان”.
إلا أن التحول الكبير في مسار استعادة“دفء” العلاقات بين حماس وطهران حدث في العام 2017، وتحديداً بعد الانتخابات الداخلية للحركة، التي أسفرت عن سيطرة ممثلي الجناح العسكري على مؤسساتها في قطاع غزة، حيث يعد قائد حماس الجديد في القطاع، يحيى السنوار، ومعظم أعضاء المكتب السياسي في غزة، من قادة“كتائب القسام” أو المرتبطين بها.
الساحة اللبنانية
سرعان ما انعكس تحسن العلاقات بين طهران وحماس إيجاباً على العلاقات بين الحركة الفلسطينية وحزب الله اللبناني، الحليف الوثيق لإيران. ولطالما كان الحزب والحركة حليفَين مقربين قبل الانتفاضات العربية في العام 2011، وكان بينهما تعاون سياسي وعسكري، واصطفاف وثيق إلى جانب إيران وسورية في إطار ما يسمى“محور المقاومة” أو“الممانعة”. وتشير كوس إلى أن حزب الله كان تاريخياً صاحب اليد العليا في الشراكة بين الطرفين، إذ كان يؤمن التدريب العسكري لمقاتلي حماس، ويُقدم لها توصيات سياسية، ويشجع المنابر الإعلامية التابعة له على دعمها. كما أن العديد من كبار المسؤولين في الحركة يقيمون في ضاحية بيروت الجنوبية، معقل حزب الله. وكان تأثير الحزب على حماس نابعاً بشكل أساسي من علاقته الأوثق مع إيران، وقدرته على أن يشكل رابطاً مهماً بين الحركة الفلسطينية وطهران.
ولكن، بعد اندلاع الحرب السورية ودعم حماس لفصائل معارِضة، بينما أرسل حزب الله مقاتليه للدفاع عن نظام الأسد، تراجع التعاون بينهما إلى الدرك الأدنى. وفي حين استمرت الاتصالات بينهما على مستوى منخفض، كما تقول كوس، تبادل الطرفان الانتقادات في العلن. وقد شدد أعضاء في المجلس التشريعي الفلسطيني ينتمون إلى حماس على أن الدعم العسكري الذي يقدمه الحزب لنظام الأسد ليست له أي علاقة بالمقاومة. وفي المقابل، اتهم حزب الله الحركة الفلسطينية بخيانة قضية المقاومة ضد إسرائيل، والتقرب كثيراً من الإخوان المسلمين في مصر.
على الرغم من كل ذلك، عادت الروابط بين حزب الله وحماس لتتحسن بحلول النصف الأول من العام 2017. ويُذكر أن محمد الضيف، القائد العام لكتائب عز الدين القسام، كان قد أرسل في أيار (مايو) 2015 رسالة إلى نصر الله يدعو فيها إلى تقاطع النيران بين الحركة والحزب في مواجهة إسرائيل. وتجددت الاجتماعات بين مسؤولين كبار من الجانبين، وكان أبرزها اجتماع عُقد في 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2017 في بيروت بين الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، ونائب رئيس المكتب السياسي في حماس، صالح العاروري. وفي اليوم التالي، شارك هنية في المؤتمر العالمي الثاني لدعم المقاومة الذي عُقد في بيروت وحضره ما يزيد على مائتي شخص من أكثر من ثمانين بلداً، بينهم نصر الله ونائبه نعيم قاسم.
أتاح حزب الله لحماس منذ العام 2017، وبشكل تدريجي تبعاً للتطورات الإقليمية، توسيع حضورها السياسي والعسكري والأمني في لبنان. فبعد الأزمة الخليجية بين دولة قطر -أحد أبرز الداعمين الإقليميين لحماس- والمملكة العربية السعودية في ذلك العام، لجأ العاروري إلى بيروت، إذ لم تعد الدوحة قادرة على استضافة قادة حماس النشطين لأنها كانت تحاول صد الاتهامات التي طالتها بدعم التنظيمات الإرهابية.
كما أن زيارة هنية إلى بيروت في أيلول (سبتمبر) 2020 أظهرت التحول النوعي في حضور حماس على الساحة اللبنانية؛ حيث التقى رئيس المكتب السياسي للحركة بنصر الله، كما تخلل الزيارة انتشار عسكري ظاهر وكثيف لعناصر حماس في مخيم عين الحلوة، وهو أمر ما كان ليحصل لولا التقارب المستجد بين الحركة وحزب الله. ويذكر أن زيارة هنية لبيروت حصلت بعد وقت قليل من توقيع اتفاقية التطبيع بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل في 13 آب (أغسطس) 2020، ما أعطاها معنى سياسياً واضحاً لناحية استعداد“محور المقاومة” لتوطيد أواصره، رداً على مسار التطبيع بين دول عربية وإسرائيل. كما كشف محمد السنوار، عضو هيئة أركان كتائب القسام، عن وجود غرفة عمليات مشتركة بين الحزب والحركة،(2) التي ساندت الحركة في معركة“سيف القدس” في أيار (مايو) 2021، وضمت ضباطاً من حزب الله ومن“الحرس الثوري الإيراني”، وكان مقرها في لبنان. وكان انفجار مستودع للأسلحة تابع للحركة في مخيم“البرج الشمالي” بالقرب من مدينة صور الجنوبية في 12 كانون الأول (ديسمبر) 2021، الذي أسفر عن مقتل حمزة شاهين، دليلاً آخر على الحضور الأمني والعسكري المتزايد لحماس في لبنان.
على المستوى السياسي، عملت حماس على إجراء مصالحة بين الحزب و”الجماعة الإسلامية” في لبنان، ثم أسهمت في إيصال الجناح القريب منها إلى سدة القرار في الجماعة، ويعد أعضاء هذا الجناح أشخاصاً مدرجين على جداول رواتب حماس بوصفهم موظفين متفرغين، وفق الصحفي صهيب جوهر، الباحث في ملف حركات الإسلام السياسي.
هزائم مفصلية، من حلب إلى القاهرة
كان لا بد أن يؤدي توطيد علاقة حماس بكل من إيران و”حزب الله” في نهاية المطاف إلى المصالحة بين الحركة الفلسطينية والنظام السوري، خصوصاً وأن إيران والحزب كانا طيلة الأعوام الماضية يسعيان إلى إعادة بناء دوائر”محور المقاومة”. وأظهرت حماس تدريجيًا رغبة في“العودة” إلى سورية، خصوصاً بعد إعادة إنتاج هيكليتها الداخلية في العام 2017. وقد بدأت أصداء هذه الرغبة تُسمع في أروقة حماس بعد العدوان الإسرائيلي على غزة في صيف العام 2014، حيث ارتفع أكثر، وفق أبو فخر، صوت التيار الذي كان يدعو إلى الوقوف على الحياد في الحرب السورية، فإذا به يدعو إلى شكر إيران وسورية معاً، خاصة وأن إيران كانت ترسل الأسلحة إلى الحركة عبر سورية إلى السودان، ومنها إلى مصر براً ثم سيناء وصولاً إلى غزة.
يشير مصدر إعلامي فلسطيني في بيروت، رفض الكشف عن اسمه، إلى أن الحديث عن المصالحة بين الحركة والنظام السوري بدأ يتردد أكثر في أوساط حماس بعد حسم نظام الأسد وحلفائه معركة حلب في صيف العام 2016. وهي معركة اعتبرت مفصلية في مسار الحرب السورية، باعتبار أن استعادة النظام السوري للعاصمة الاقتصادية، حلب، بدعم من روسيا وإيران، عزز الاعتقاد بعدم قدرة المعارضة السورية على إسقاط النظام. والتالي، فإن رهان حماس على وصول الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم في سورية أصبح بعيد المنال، خاصة بعدما سقط حكمهم في مصر في العام 2013.
وهكذا لم يعد الموقف المؤيد لإعادة العلاقات مع النظام السوري داخل حماس يقتصر على جناحها العسكري والأمني، وقد حرص إسماعيل هنية بعد انتخابه رئيساً للمكتب السياسي للحركة على تعديل خطابه، والاقتراب أكثر من سورية وإيران. وأعلن في حزيران (يونيو) 2018 أن ما نُسب إليه من كلام حول دعم الثورة السورية غير دقيق، وأن حماس لم تكن يوماً في حالة عداء مع النظام السوري.
ولكن، لماذا تأخر عقد المصالحة بين الحركة الفلسطينية ودمشق طيلة هذه الأعوام؟ هل كان مرد هذا التأخير إلى تحفظ النظام السوري على عودة الحركة إلى سورية وحسب، أم أن مصالح كل الأطراف المعنية بهذه المصالحة لم تكن قد اتضحت بعد بما فيه الكفاية؟
في الواقع، يصعب الاعتقاد بأن تحفظ دمشق على حماس، أو“كرهها” لها، وفق تعبير أبو فخر، هو ما أخر عقد المصالحة. ففي ظل موازين القوى الحالية ضمن“محور المقاومة” التي تقوده إيران، لا يمكن لنظام الأسد أن يرفض طلباً لإيران تعتبره طهران مصلحة حيوية لها. أما التفاصيل الشكلية لزيارة ممثل حماس، خليل الحية، إلى دمشق ولقائه الأسد في 19 تشرين الأول (أكتوبر) 2022 ضمن وفد فصائلي فلسطيني، فلا تؤشر على حرص النظام السوري على تبيان موقفه المتحفظ من حماس والحذر من تسريع وتيرة العلاقات معها بقدر ما تؤشر على سعي الأسد إلى إظهار مكانته ضمن“محور المقاومة”.
شروط دمشق
وضعت دمشق شروطاً لاستئناف علاقاتها مع حماس، منها -وفق جريدة“الشرق الأوسط” السعودية- استبعاد قياديين في الحركة من دخول أراضيها، وأبرزهم خالد مشعل،(3) حيث ميزت دمشق بين“الجناح المقاوم” و”الجناح الإخواني” للحركة، وفق صحيفة“الوطن” السورية الموالية للنظام، علماً بأن الإعلام الموالي له تعامل بتحفظ شديد مع موضوع إعادة العلاقات مع حماس. كما ذكرت صحيفة“الوطن” في 18 تشرين الأول (أكتوبر) 2022 أنه“وقع الاختيار على الحية ليترأس وفد حماس إلى سورية”، مما يعكس رغبة النظام الواضحة في إظهار أنه هو الذي حدد تفاصيل اللقاء، شكلاً ومضموناً.
ووفق مصادر إعلامية متقاطعة، اشترطت دمشق أن تقدم حماس اعتذاراً عن موقفها من الحرب في سورية، وهو ما رفضته الحركة“رفضاً قاطعاً”، لكنها أصدرت عوضًا عن ذلك بياناً في 15 أيلول (سبتمبر) 2022 أكدت فيه قرارها استئناف العلاقات مع دمشق و”سعيها إلى بناء وتطوير علاقات راسخة معها”. وكان الحية قد أكد، في تصريح لجريدة“الأخبار” اللبنانية والقريبة من“حزب الله” منذ 22 حزيران (يونيو) 2022، أنه تم اتخاذ قرار بـ”إعادة العلاقة مع دمشق”. كما أشارت الحركة في بيانها إلى أن هذا القرار يصب في“خدمة الأمة وقضاياها العادلة، وفي القلب منها قضية فلسطين، لا سيما في ظل التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة”، وأدانت تعرض مواقع في سورية للقصف الإسرائيلي.
أرجع العديد من المحللين عودة العلاقات بين دمشق و”حماس” إلى رغبة إيران في إعادة ترميم“محور المقاومة”، كرد على مسار التطبيع بين دول عربية وإسرائيل في العام 2020، ومؤخرا مع تركيا. وفي هذا السياق، يقول باسم نعيم:“بما أن بعض الدول العربية اختارت تطبيع العلاقات مع إسرائيل، فمن المنطقي أن تقف حماس إلى جانب أولئك الذين يختارون المقاومة ضد العدو الصهيوني”،(4) في إشارة إلى إيران وحزب الله. لكن أبو فخر لا يرى ارتباطاً مباشراً، من حيث التوقيت، بين إعادة العلاقات بين دمشق وحماس وبين موجة التطبيع،“فسعي إيران وحزب الله إلى عقد المصالحة بين الجانبين بدأت منذ نحو أربعة أعوام، أي قبل بدأ مسار التطبيع، لكن ظروف هذه المصالحة نضُجت الآن”. وفي جميع الأحوال، من الواضح أن هذه المصالحة جاءت كتعبير عن التقاء مصالح أطرافها جميعاً في إتمامها، سواء طرفاها الرئيسيان -أي النظام السوري وحماس- أو الأطراف التي دفعت باتجاه حصولها -أي إيران وحزب الله- اللذين بذلا“جهوداً مضنية” لإعادة العلاقات بين دمشق وحماس وبتدخل شخصي من نصر الله، وحتى من القائد السابق للحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني، وفق مصادر فلسطينية. كما يذكر مصدر إعلامي فلسطيني في بيروت أن روسيا دفعت باتجاه تحقيق هذه المصالحة، لافتاً إلى أن حماس تلقت مساعدات مالية من موسكو مؤخراً.
بعيداً عن الدوحة وإسطنبول
يقول الكاتب في موقع“أساس ميديا” اللبناني، محمد قواص، في مقال له“إن تركيا تسعى إلى استعادة شعار ‘صفر مشاكل’ مع جيرانها، فيما فرضت المصالحة الخليجية -التي تمت في مدينة العلا بالمملكة العربية السعودية في 4 كانون الثاني (يناير) 2021- تموضعاً جديداً لقطر في العلاقة مع الجوار الخليجي والدائرتين العربية والدولية، وهو ما أفقد حماس العمقين القطري والتركي.(5)
دفع التقارب المستجد بين تركيا وإسرائيل بالأولى إلى تخفيف وجود حماس على أراضيها، مما أدى إلى“طرد” عشرة نشطاء من الحركة من تركيا. ويشير أبو فخر إلى أن“المصالحة بين دمشق وحماس لم تسبب مشكلة للأخيرة مع قطر، إذ تم التفاهم على أن الحركة مضطرة إلى تطبيع علاقاتها مع الأسد، وليست لدى القطريين مشكلة مع الإيرانيين الذين يريدون هذه المصالحة”. وبينما يلفت أبو فخر إلى أن تركيا لم تستسغ عودة العلاقات بين دمشق وحماس، يشير جوهر إلى أن الأتراك شجعوا الحركة الفلسطينية على تطبيع علاقاتها مع نظام الأسد، ولا سيما أن تركيا تعتمد سياسات جديدة في التعامل مع الملف السوري، وقد تم الإعلان عن حصول لقاءات بين مسؤولين أمنيين من الجانبين.
ويقول ليستر لقناة“الجزيرة”:“يبدو أن الديناميكية الأكثر إثارة للاهتمام في إطار هذه المصالحة، هي علاقة حماس بقطر التي تظل الحكومة الإقليمية الأكثر تصميماً على الاستمرار في مقاومة أي تطبيع مع نظام الأسد”، ويعتبر أن“الوقت سيحدد ما إذا كان بإمكان الدوحة الاستمرار في التوفيق بين هاتين الدائرتين المتناقضتين”؛ أي بين علاقتها الوطيدة بحماس، وبين تطبيع الأخيرة لعلاقاتها مع نظام الأسد الذي تعارضه قطر، مع العلم أن الإعلام القطري لم يتعامل بإيجابية مع هذه المصالحة. وكان خليل الحية قد أشار في مؤتمره الصحفي في أعقاب لقائه مع الأسد إلى أن“حماس قد اتخذت قرار العودة إلى دمشق بمفردها، لكنها أعلمت الدول التي هي على علاقة بها بقرارها”، نافياً اعتراض أي منها على هذا القرار،“بما في ذلك قطر وتركيا”. لكنه عاد بعد ذلك وأصدر بياناً في 23 تشرين الأول (أكتوبر) يشير فيه إلى أن الدوحة لم تبارك هذه المصالحة.
طموحات حماس العسكرية
لكن الأكيد أن حماس اتخذت قرارها بالمصالحة مع الأسد بناءً على تقدير مصالحها المباشرة قبل مصلحة أي من الأطراف الإقليمية الداعمة لها، أو بصيغة أخرى حين وجدت أن“خسائرها” من جراء هذه المصالحة أقل من أرباحها منها. ويشير المحلل السوري كرم شعار إلى أن“عزلة حماس السياسية في المنطقة دفعتها إلى البقاء على مقربة من إيران”. علماً بأن الحية كان قد أشار من دمشق إلى أن“حماس اتخذت قرارها بالعودة إلى دمشق بالإجماع”، بينما أشارت مصادر إعلامية إلى أن“عضواً واحداً فقط داخل المكتب السياسي لحماس اعترض على القرار”. لكن هذا“الإجماع” داخل حماس يؤشر على أن خيارها لتطبيع العلاقات مع الأسد هو خيار الضرورة في اللحظة الراهنة.
يقول شعار:“تحركت حماس لتطبيع العلاقات مع سورية بضغط من إيران التي تجعل دعمها للحركة الفلسطينية مشروطاً بإعادة العلاقات مع الأسد. وهذه الخطوة ستزيد بالتالي من دعم إيران لحماس، لأنها تعيد تنظيم الحركة تحت الجناح الإيراني”.
ويتفق أبو فخر مع شعار، فيعتبر أن تطبيع حماس لعلاقاتها مع الأسد يعني أن الحركة أخذت خيارها النهائي إلى جانب“محور المقاومة”. بينما يشير ليستر إلى أن“وجود حماس محدد بمقاومتها لإسرائيل. وللحفاظ على ذلك، فإنها لا تحتاج فقط إلى الدعم الاستراتيجي الإيراني، وإنما تحتاج إلى سورية أيضاً”.
وفي هذا السياق، لا تكون عودة حماس للانضواء تحت جناح“محور المقاومة” سياسية فحسب، وإنما عسكرية وأمنية أيضاً. ويشير أبو فخر إلى أن“الحربين الأخيرتين بين قطاع غزة وإسرائيل أثبتتا أن أسلحة المقاومة الفلسطينية تحتاج إلى الكثير من التطوير. وقد بدأت داخل حماس، منذ العام 2021، مناقشة لجدوى الصواريخ التي تطلقها الحركة، حيث إنها مهمة معنوياً لكن أهميتها العسكرية محدودة”. وبما أن إيران هي التي تطور البنية التحتية العسكرية لحماس، فإن الحركة وجدت أنه لا بد من تحسين العلاقة معها إلى أقصى حد، في حين أن دمشق كانت تلعب دوراً مهماً في عملية تسليح الحركة الفلسطينية، سواء بكونها حلقة من الحلقات الجغرافية لإيصال السلاح، أو لأن الحركة كانت تقيم على أراضيها مقرات للتدريب وتطوير الأسلحة.
عودة“شكلية”
لن يكون حضور حماس في سورية قبل“الثورة السورية” هو نفسه بعد المصالحة الجديدة. صحيح أن الحية وصف اللقاء مع الأسد بـ”الدافئ” -وهو ما أثار انتقادات واسعة في أوساط قريبة من الحركة- ولكن لا يُتوقع أن تعود قيادتها إلى الإقامة في سورية، بسبب الوضع الأمني الناتج عن القصف الإسرائيلي، وانعدام الاستقرار في مناطق مختلفة من سورية. وهو ما جاء على لسان مصدر من الحركة في مقال لموقع“ميدل إيست آي” البريطاني:“لم تعد سورية كما كانت من قبل، ووضعها الأمني صعب، والقيادة لن تعود إلى الإقامة فيها، وإعادة العلاقات هي قرار سياسي ولوجستي لتعزيز التحالفات في المنطقة”.(6)
ومن جهتها، أشارت مصادر سورية لجريدة“الأخبار” اللبنانية إلى أن“عودة تمثيل الحركة في دمشق وعودة جزء من نشاطها فيها يحتاج إلى مزيد من الوقت، في ظل التعقيدات التي كانت تشوب العلاقات بين الطرفين”.(7)
ويلفت أبو فخر إلى أن“العلاقة المستجدة بين حماس والأسد هي الآن في مرحلة اختبار، وسوف تقبل سورية بممثل لحماس دائم الإقامة في دمشق والذي يرجح أن يكون علي بركة، مسؤول حماس في لبنان سابقاً، الذي يعمل كمساعد لأسامة حمدان، مسؤول العلاقات الخارجية في الحركة”، في وقت يرجح فيه مصدر إعلامي فلسطيني في بيروت أن يكون حضور حماس في سورية“في كنف حزب الله والحرس الثوري الإيراني”.
إذا كانت المصالحة بين حماس والأسد قد فتحت، بالنسبة للمصدر نفسه، نافذة عربية للحركة بعد فشلها في تحسين علاقاتها العربية الأخرى، سواء مع الإمارات العربية المتحدة أو مصر أو الجزائر -حيث حاولت أن تفتح مكاتب تمثيلية لها هناك، لكن السلطة الفلسطينية ضغطت على السلطات الجزائرية لمنع ذلك- فإن تجديد العلاقات مع حماس يشكل بالنسبة لسورية -التي لم تستطع استثمار علاقاتها العربية للعودة إلى جامعة الدول العربية- نوعاً من جائزة ترضية تسمح لها بـ”تجديد مكانتها وصورتها كدولة عربية داعمة للقضية الفلسطينية”. أما المستفيد الرئيسي من هذه المصالحة فهي طهران، التي تستعيد حلقة مفقودة في شبكة تحالفاتها في الشرق الأوسط، أو أنها تعيد، بعبارة أخرى، إنتاج“محور المقاومة” ضد إسرائيل في وقت تواجه فيه العديد من التحديات الداخلية والخارجية، وهو ما يجعلها أكثر حاجة إلى تمتين تحالفاتها الإقليمية والدولية.
*إيلي القصيفي: صحفي لبناني.
هوامش:
(1) ranian support vital for Hamas after ties restored with Syria، موقع الجزيرة بالإنجليزية، 25 أيلول (سبتمبر) 2022.
(2) قناة الجزيرة، 28 أيار (مايو) 2022.
(3)“’حماس’ تعلن من دمشق ‘طي صفحة الماضي’”، جريدة الشرق الأوسط، 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2022.
(4) Iranian support vital for Hamas after ties restored with Syria، موقع الجزيرة بالإنجليزية، 25 أيلول (سبتمبر) 2022.
(5)“طهران-بيروت.. هل بات خيار“حماس” الإيراني نهائياً”؟ أساس ميديا، 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2022.
(6) Hamas decision to restore ties with Syrian government sparks controversy، ميدل إيست آي، 18 أيلول (سبتمبر) 2022.
(7)“عهد جديد يبدأ: المقاومة كمستفيد أول”، صحيفة الأخبار، 20 تشرين الأول (أكتوبر) 2022.
MENAFN23122022000072011014ID1105347794
إخلاء المسؤولية القانونية: تعمل شركة “شبكة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للخدمات المالية” على توفير المعلومات “كما هي” دون أي تعهدات أو ضمانات… سواء صريحة أو ضمنية.إذ أن هذا يعد إخلاء لمسؤوليتنا من ممارسات الخصوصية أو المحتوى الخاص بالمواقع المرفقة ضمن شبكتنا بما يشمل الصور ومقاطع الفيديو. لأية استفسارات تتعلق باستخدام وإعادة استخدام مصدر المعلومات هذه يرجى التواصل مع مزود المقال المذكور أعلاه.