- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

خشب خلنج طبرقة كنز صانع الغليون الوحيد في تونس

طبرقة‭ -‬تونس‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬ينحني‭ ‬أنيس‭ ‬بوشناق‭ ‬في‭ ‬ورشته‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬غرب‭ ‬تونس‭ ‬على‭ ‬آلة‭ ‬عمرها‭ ‬نحو‭ ‬مئة‭ ‬عام‭ ‬يحوّل‭ ‬بها‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬خشب‭ ‬الخلنج‭ ‬إلى‭ ‬غليون،‭ ‬وهي‭ ‬حرفة‭ ‬جلب‭ ‬جدّه‭ ‬أسرارها‭ ‬من‭ ‬أوروبا‭ ‬قبل‭ ‬نصف‭ ‬قرن،‭ ‬ويأمل‭ ‬أنيس‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ينقلها‭ ‬بدوره‭.‬
أنشأت‭ ‬عائلة‭ ‬بوشناق‭ ‬المحترف‭ ‬قبل‭ ‬نصف‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬إحدى‭ ‬الطرق‭ ‬الملتوية‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬طبرقة‭ ‬التي‭ ‬تستقطب‭ ‬السيّاح‭ ‬الأجانب‭ ‬بفضل‭ ‬تلالها‭ ‬الخضراء‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬المتوسط‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬بضعة‭ ‬كيلومترات‭ ‬من‭ ‬الجزائر‭.‬
تتميز‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الزراعية‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬تونس‭ ‬بامتداد‭ ‬الغابات‭ ‬واحتوائها‭ ‬على‭ ‬شجر‭ ‬الفلين‭ ‬بالاضافة‭ ‬الى‭ ‬الخلنج‭ ‬الذي‭ ‬استعمله‭ ‬الفرنسيون‭ ‬لمدة‭ ‬طويلة‭ ‬كمادة‭ ‬لصناعة‭ ‬الغليون‭.‬
في‭ ‬العام‭ ‬1968،‭ ‬جلب‭ ‬جدّ‭ ‬سامي‭ ‬الشاذلي‭ ‬بوشناق‭ ‬من‭ ‬سويسرا‭ ‬آلات‭ ‬للثقب‭ ‬والتجويف‭ ‬لتمكنه‭ ‬من‭ ‬تحويل‭ ‬خشب‭ ‬الخلنج‭ ‬في‭ ‬مشغله‭ ‬في‭ ‬طبرقة‭.‬
ورفض‭ ‬الفرنسيون‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬منح‭ ‬الجدّ‭ ‬أسرار‭ ‬الحرفة‭ ‬وخباياها‭.‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬الشاذلي‭ ‬جمع‭ ‬ما‭ ‬أمكنه‭ ‬من‭ ‬تقنيات‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استراقه‭ ‬النظر‭ ‬عبر‭ ‬نافذة‭ ‬ورشة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬سان‭ ‬كلود‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬جورا‭ ‬الفرنسية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تُعتَبَر‭ ‬عاصمة‭ ‬الغليون‭ ‬المصنوع‭ ‬من‭ ‬خشب‭ ‬الخلنج‭.‬
‮»‬أمرّر‭ ‬المشعل
حظيَ‭ ‬غليون‭ ‬بوشناق‭ ‬بسمعة‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬بها،‭ ‬ولم‭ ‬يفكر‭ ‬أنيس‭ ‬يوماً‭ ‬بضرورة‭ ‬تولي‭ ‬مهمة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحرفة،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعيش‭ ‬منذ‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬حيث‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬المطاعم‭.‬
عاد‭ ‬أنيس‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2011‭ ‬الى‭ ‬تونس‭ ‬حين‭ ‬توفي‭ ‬الجد‭ ‬وقرّر‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬احياء‭ ‬الورشة‭ ‬واعادة‭ ‬أمجادها‭.‬
ويروي‭ ‬أنيس‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬المولعين‭ ‬بجمع‭ ‬الغلايين‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬نقل‭ ‬إليه‭ ‬‮«‬الشغف‭ ‬بهذا‭ ‬العمل‮»‬‭. ‬ويضيف‭ ‬‮«‬لقد‭ ‬كشف‭ ‬لي‭ ‬عن‭ ‬آفاق‭ ‬المهنة‮»‬‭.‬
أفاد‭ ‬أنيس‭ ‬من‭ ‬مساعدة‭ ‬حرفي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬مع‭ ‬جدّه،‭ ‬أفشى‭ ‬له‭ ‬بكل‭ ‬أسرار‭ ‬مراحل‭ ‬الصناعة‭ ‬وتقنياته،‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يقرّر‭ ‬الحفيد‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2020‭ ‬الغوص‭ ‬في‭ ‬أغوار‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭.‬
أصبح‭ ‬أنيس‭ ‬في‭ ‬سنّ‭ ‬37‭ ‬عاما‭ ‬يملك‭ ‬تصاميم‭ ‬خاصة‭ ‬به‭ ‬وتلقى‭ ‬استحسان‭ ‬كثيرين،‭ ‬وأصبح‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬قلّة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الذين‭ ‬يحترفون‭ ‬صناعة‭ ‬الغليون‭ ‬بالطريقة‭ ‬اليدوية‭.‬
بدأ‭ ‬أنيس‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬زبائن‭ ‬من‭ ‬المحامين‭ ‬والسياسيين‭ ‬والأطباء‭ ‬ثم‭ ‬مع‭ ‬جامعين‭ ‬للغليون‭ ‬ودبلوماسيين‭ ‬‮«‬يرغبون‭ ‬بإهداء‭ ‬قطع‭ ‬أصلية‮»‬‭.‬
يتميز‭ ‬خشب‭ ‬الخلنج‭ ‬بمقاومته‭ ‬للحرارة‭ ‬ولا‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬طعم‭ ‬ما‭ ‬يتيح‭ ‬من‭ ‬تذوق‭ ‬نكهات‭ ‬التبغ‭ ‬الصافية‭.‬
يقول‭ ‬الحرفي‭ ‬وقد‭ ‬ظهرت‭ ‬نُدب‭ ‬على‭ ‬يده‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬صقل‭ ‬الخشب‭ ‬‮«‬أشعر‭ ‬بفخر‭ ‬بأني‭ ‬صانع‭ ‬الغليون‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬تونس،‭ ‬ولكن‭ ‬وبصراحة‭ ‬أحبذ‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬توجد‭ ‬منافسة‭ ‬لأنها‭ ‬تدفعني‭ ‬للتقدم‭ ‬أكثر‮»‬‭.‬
ويتابع‭ ‬‮«‬السوق‭ ‬كلّه‭ ‬لي،‭ ‬وأشعر‭ ‬بثقل‭ ‬المسؤولية‭ ‬لأني‭ ‬الوحيد‭ ‬لكي‭ ‬أمرّر‭ ‬المشعل‭ ‬لشخص‭ ‬آخر‮»‬‭.‬
يعمل‭ ‬مع‭ ‬أنيس‭ ‬حرفيان‭ ‬وأمامه‭ ‬طلبات‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬للتجهيز،‭ ‬ويقول‭ ‬‮«‬كل‭ ‬غليون‭ ‬أنجزه‭ ‬يباع‮»‬‭.‬
يقضي‭ ‬أنيس‭ ‬معظم‭ ‬الوقت‭ ‬في‭ ‬ورشته‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬منزل‭ ‬العائلة،‭ ‬حيث‭ ‬يستلهم‭ ‬التصاميم‭ ‬التي‭ ‬ينفذها‭ ‬لاحقا‭.‬
ويقول‭ ‬‮«‬ينتابني‭ ‬إحساس‭ ‬بالرجوع‭ ‬الى‭ ‬الوراء‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬القديمة‭…‬ومهمة‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬طريقة‭ ‬الصناعة‭ ‬التقليدية‭ ‬للغلايين‭ ‬مثلما‭ ‬كان‭ ‬يفعل‭ ‬أبي‭ ‬وجدّي‭ ‬في‭ ‬السابق‮»‬‭.‬
وفي‭ ‬تقديره‭ ‬‮«‬هي‭ ‬ورشة‭ ‬ومتحف‭ ‬وبداخلها‭ ‬روح‮»‬،‭ ‬لدرجة‭ ‬أنه‭ ‬يكتفي‭ ‬بعمليات‭ ‬التنظيف‭ ‬الضرورية‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬ويترك‭ ‬للعناكب‭ ‬مجالا‭ ‬لبناء‭ ‬بيوت‭ ‬على‭ ‬الآلات‭.‬
يبدأ‭ ‬العمل‭ ‬باختيار‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬الخشب‭ ‬داخل‭ ‬الورشة‭ ‬التي‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ ‬تسمية‭ ‬‮«‬مغارة‭ ‬علي‭ ‬بابا‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬غرفة‭ ‬أرضية‭ ‬وتحتوي‭ ‬على‭ ‬كنز‭ ‬العائلة‭ ‬من‭ ‬قطع‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬خشب‭ ‬الخلنج‭ ‬مجففة‭ ‬منذ‭ ‬قرابة‭ ‬عشرين‭ ‬عاما‭.‬
يكشف‭ ‬أنيس‭ ‬أنه‭ ‬يملك‭ ‬‮«‬كميات‭ ‬تكفي‭ ‬للعمل‭ ‬طوال‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬المقبلة‮»‬‭ ‬بوتيرة‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬صناعة‭ ‬غليونين‭ ‬كل‭ ‬يوم‭.‬
يقطع‭ ‬خشب‭ ‬الخلنج‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬ثمّ‭ ‬يغلى‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬لمدة‭ ‬12‭ ‬ساعة‭ ‬ليُجفّف‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬أعوام‭ ‬الى‭ ‬عشرين‭ ‬عاما،‭ ‬وكلما‭ ‬طالت‭ ‬سنوات‭ ‬التجفيف،‭ ‬تحسنت‭ ‬نوعية‭ ‬الخشب‭.‬
يفضل‭ ‬أنيس‭ ‬القيام‭ ‬بكل‭ ‬مراحل‭ ‬الصناعة‭ ‬من‭ ‬تقطيع‭ ‬وتشكيل‭ ‬وتجويد‭ ‬للقطع‭ ‬يدويا،‭ ‬ويقول‭ ‬‮«‬باستطاعتي‭ ‬العمل‭ ‬بآلات‭ ‬حديثة‭ ‬وذلك‭ ‬يسهل‭ ‬المهمة،‭ ‬ولكن‭ ‬أفضل‭ ‬مواصلة‭ ‬العمل‭ ‬يدويا‭ ‬لأنني‭ ‬أجد‭ ‬فيه‭ ‬سعادة‮»‬‭.‬
يواجه‭ ‬قطاع‭ ‬الصناعات‭ ‬التقليدية‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬تبعات‭ ‬وخيمة‭ ‬بسبب‭ ‬وباء‭ ‬كوفيد‭-‬19‭ ‬واضمحلال‭ ‬السياحة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬لكن‭ ‬أنيس‭ ‬يقدم‭ ‬بديلا‭ ‬يعوض‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬للسياحة‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬والتي‭ ‬تختزل‭ ‬بصورة‭ ‬‮«‬‭ ‬جمل‭ ‬ونخيل‭ ‬وسجاد‮»‬‭.‬

- الإعلانات -

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد