- الإعلانات -
خواطر خاطرة.. خُـــرافـــة

- الإعلانات -

محمد نجيب عبد الكافي
أرشيف الكاتب
2021/12/22 على الساعة 17:46
كلما قرأت شيئا عن حياة الحيوانات وطباعها، وأنظمة حياتها، وتصرفاتها الحياتية، إلا ووجدتني أقارنها بالحيوانات الناطقة، نحن بنوا الإنسان الذي علمه الله البيان، ومنحه اللسان، وجعله خليفة في كل مكان من هذه الأرض وادي الأحزان. كثيرا ما أخرج من مقارنتي يائسا، مستغربا، متعجبا، لأن نتيجة المقارنة كانت دائما وأبدا في صالح الحيوانات البهم. فأين نحن من نظام وسلوك وتوافر جهود النحل والنمل، وأين نحن من هداية الطيور، ووفاء الكلاب، وحنان القطط؟ فلا غرابة إذن إن استحضرت كتابا قيّما، عرفته وعرفه الكثيرون، وهو كتاب كليلة ودمنة الذي نقله فعرّبه عبد الله بن المقفع عن الفيلسوف الهندي بيدبا، الذي دعته حكمته إلى أخذ الحيوانات أمثلة وقدوة ” يربّي ” بها السلاطين والملوك، بحثا عن ردعهم عن طغيانهم وظلمهم وجبروتهم.
![]() |
لم أكن قط قادرا، وأقل من ذلك مجيدا في القيام بدور الحاكي الذي كان من أشهر شخصيات مجتمعاتنا العربية، يعرفه ويحترمه الجميع، خاصة إذا كان من المجيدين المعروفين باللباقة والفصاحة وجودة الإلقاء والتشويق. عُرف بأسماء كثيرة أطلقها عليه كل شعب حسب أهوائه ولسانه. فهو في تونس “فداوي” وفي ليبيا لا أدري، فلعل هذه الشخصية لم توجد لأن اجتماع الناس لم يكن بالمقاهي بل في “المربوعة” محدودة عدد المجتمعين أحبّة وأصدقاء غالبا. “خرارفي” الوحيد الذي عرفته في صغري، هو الشيخ خيري، الذي كان يأتي البيوت عن طريق الإذاعة فيبث حكاياته ونوادره. أما في مصر فينادونه “حكواتي” وهكذا. لذا سأبدل صوتي بخطي، خط الحاسوب الذي خلف القلم، لأنقل لقراء وقارئات هذه الصفحة الكريم صاحبها، حكاية تَكرَّم بها عليّ شيخ طوارق تحفة الجنوب، مدينة غات الباهية، وعرّبها لي مشكورا، فوجدتها -بكثير من الدهشة والاستحسان- تقدّم هي الأخرى درسها بلجوء واضعها إلى الحيوانات كي يكونوا مثالا يردع ويربّي، ففهمت أن الأمر غير موقوف على الفلاسفة والعلماء، بل هو منطق ووسيلة الشعوب ولسانها. فها هي الحكاية، التي تبدو بسيطة، بينما هي تربوية، تعريفيّة، مليئة بالحكم.
الـفـأر والجمل
أيهما أكثر حكمة، الفأر أم الجمل؟ إن الأسطورة التي يأتينا بها قصاصو الحكايات الصحراوية، تعلمنا الكثير حول العالم الحيواني. الفأر فطن، محتال، وقح، سريع، ذكي. ينزلق بين يدي الإنسان، ويتواجد في منزله، دون أن يشعر به. يأكل خبزه، جبُنَه، أشياءه، دثاره، فراشه، فيقضم له حياته. يضع له الإنسان الفخاخ، لكن الفأر يخدعها لاعبا. لذا يغضب الإنسان ويثور، بينما الفأر، بوقاحة الشيطان، يستفز، يسخر، يخيف ربّة البيت، فيجعلها تقفز على هذه الرجل والأخرى، صارخة بأعلى صوتها. بمثل هذا الحقد البسيط، يُنظر إلى هذا الحيوان الصغير أحيانا، نظرة ليّنة، قد تكون مرحة قليلا، إذ أنّ وقاحته تمثله مجيد القفز، محتالا، مُلهٍ، وغالبا براقا باهرا.
أما الجمل فهو حيوان ضخم، هادئ، إن فرض الاحترام فما ذلك إلا لخصاله مثل تحمّله وصبره وقوته، وصلابته. يمتاز بشديد تحمل العيش أياما بلا طعام ولا شراب، سائرا تحت شمس الصحراء المحرقة، بساق أمام أخرى، مطيعا، فلا يكشِّر وجهه أبدا. الجمل أمين، خادم مخلص، ولا يقال عنه أبدا أنه رقيق أو ذكي، محتال أو مسيء. لكن، ها هو فأر، قد قفز، وهو هارب من الإنسان، فوق ظهر الجمل والْتَمَظ، (طقطق بلسانه مثل الجَمّال) ثمّ ضرب سنام الجمل يأمره بالنهوض والتقدم. لم يقل الجمل ولا كلمة، وهو تحت الحمولة. أما الفأر فبافتخار وثقة في سلطته، جعل يقفز فوق جبل من الشعر.
عند أحد صغار الأنهار، طلب الجمل من الفأر النزول، والسير أمامه ليأخذ بزمامه ويدلّه. “أيها الفأر، يا جمّالي، دلني على الطريق، فما أنا إلا مركبة، وأنت تعرف من أين يكون الذهاب”. أجابه الفأر: “أخشى الغرق في هذا الواد”.
قال الجمل: “إذن، أنا وحدي لم أعبر نهرا من قبل، وسأفعله اليوم من أجلك، فسأحاول”. وهكذا، يبل أرجله قائلا أن الماء غير غارق، فهو لا يصل ولا حتى أسفل الأرساغ. أجاب الفأر: “هذا طبيعي، إن ما هو صغير بالنسبة لك، يصبح جبلا بالنسبة لي، والبرغوث الذي بقرصك هو لي فيل استوائي. إن ما هو مجرد خيط ماء لديك، هو محيط هائج بالنسبة للفئران، فلا يمكنني أن أدلك”. فقال الجمل: “إذن، دعك من التفاخر، انزل من المركبة، كي تفكر في طريقة تفلت بها من الرجل الذي يلاحقك وها هو أراه قادما”. قال الفأر متوسلا: “أرجو المعذرة، أنزل على ركبتي وأوجه لك ألف رجاء كي تعبر بي الواد. وبالمقابل، سأسير فوق الجبال والتلال منشدا مدحك وقائلا إن الجمل هو أكثر الحيوانات حكمة”.
لا شك وأن من قرأ الحكاية بتمعن وتبصر، قد استنتج أنها استعملت أقرب الحيوانات في تلك البيئة، وأنها تنهى عن التكبر، والأنانية، والتحايل، والتذلل بعد العُنْجُهِية، وتُكبر الصبر، والتعقل، وتحمّل الصعاب، وحكمة التصرّف في الأمور. أين نحن من كلّ هذا؟ ألسنا في حاجة لأخذ العبرة من البُهم والاقتداء بها؟ لو فعلنا لصلحنا.
محمد نجيب عبد الكافي
مدريد في 29-11-2021,
* تنشر هذه السلسة بصفحة الأستاذ/ المهدي كاجيجي (فيس بوك)
#خواطر #خاطرةخـــرافـــة
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -

