- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

ديمومة تيه البداوة السياسية

حلقة الوجود المفرغة في ظل إهمال نظريات التأسيس 

هل ليبيا دولة؟ هل ليبيا اقليم جغرافي؟ هل سكان ليبيا شعب؟ ومن ثمة يكون سؤال السلطة السياسية فيها؟ هل يمكن تأسيس الدولة الليبية (غير الفاشلة وغير المتوهمة) وسلطتها السياسية الفاعلة بدون تحديد جغرافية الإقليم الليبي، وبدون تعريف ماهية الليبيين؟

بدون استيعاب التاريخ بخريطة الجغرافية، والجغرافية بمعرفة مقاييس الاقتصاد، والاقتصاد بتوجهات بوصلة السياسة، والسياسة بفهم علوم السياسة، التي من أساسياتها نظريات الدولة وتكونها. فمن غير ذلك لن تفيد جولات الاقتتال والغطرسة المتتابعة، ولن تجدي حوارات تقاسم السلطة المتتالية، ولن تنفع حملات المصالحة الوطنية العشوائية، ولن يصل ماراثون الاستعانة بالخارج لخط النجاة. لتكون حلقة مفرغة من توالد الأزمات، والتي حتى إن خمدت وتوازناتها حيناً مؤقتا، فستكون عن حالة مسخ مختل ومشوه،  يراكم عبوات الانفجار نحو أزمة وجودية مريرة أخرى.

من التبسيط التلفزيوني الساذج حصر تعمق واستطالة الازمة الليبية: الصراع الجهوي والقبلي والشللي والشخصي وكذلك الإقليمي على الاستئثار وتوزيع ثروات الموارد الليبية. وبالتالي ستكون المعالجات قاصرة، وبل ستساهم سلبًا عبر المزيد من تدوير الحلقة المفرغة وبعجلة متسارعة.

سرديات التاريخ البشري القائمة مسلمة الصراع والتدافع البشري المتواصل صاغتها علوم السياسة والاجتماع في أبواب وأقسام، ليعرفها ممارسوا السياسة وليوظفها في صالح شعوبهم، بما أن السياسة هي التعاطي مع الشأن العام للصالح العام. غير ذلك ليس سياسة،  وإن انتحل تسمية السياسة لدى الشعوب المأزومة.

هذا التبسيط تتلقفه غالبية النخب المثقفة الليبية، بدعم إرادي أو غريزي من الأطراف المسيطرة في الداخل والمحركة من الخارج.

سؤال الأساس حول ماهية وكينونة الدولة الليبية يظل هو. الغائب الاعظم، بما ان الدولة أي دولة هي مجموع ترابط ثلاث عناصر أولية، هي: الارض (الاقليم)، والسكان (الشعب)، والنظام السياسي (السلطة الحاكمة). ومن تأتي عناصر مكملة من مثل درجة تحقيق الأمن والحاجات، والسيادة، والاعتراف الدولي… درجة ثبات عناصر المعادلة ترجمته في مدى بسط السلطة على إقليمها ودرجة قبول شعبها بها (موالاة ومعارضة، وليس أقلية مستحوذة بالعسف وأغلبية مقصية بالقمع).

حسب علمي السابق، ان كل دارسي المرحلة الجامعية الاولى (بكالوريس/ ليسانس) في أقسام الفلسفة والسياسة والاقتصاد والاجتماع والقانون يدرسون شرطًا وابتداءا مباديء العلوم السياسية، والتي منها نظرية الدولة ونشأتها. وحينها يتعلم من سيكون مستقبلاً متعاطي مع الشأن العام مقدمات ضرورية لقرارته المستقبلية ويحفزه بنكهات فلسفية عن أفكار أفلاطون، كونفوشيوس، ابن خلدون، وابن رشد، روسو، بوك، هوبز، لوك، مونتسكيو، هيغل، نتيشة، ماركس، ستيوارت ميل، غرامشي، فيبر…

بمعنى ان هناك مدخل عام،  يفسر نشأة الدولة وتكونها في أربع نظريات رئيسية هي: النظرية الدينية، نظرية التطور، نظرية العقد الاجتماعي، نظرية القوة. وان هذه النظريات تتدخل بترجيحات.

السؤال، اين ليبيا في ذلك؟

يصعب العودة لتاريخ الدهور البعيدة السابقة إلى ما لا نهاية تاريخية. وعموماً، فمع وبعد تراجع وأفول عصر الامبراطوريات الكبرى (العثمانية، البريطانية، الفرنسية، الاسبانية… وآخرها الروسية فالسوفياتية) ومن ثمة ظهور وترسخ مفهوم الدولة الوطنية منذ مؤتمر صلح وستفاليا (1648) -قبل 370 سنة- والذي ساد وامتد بعد نهاية مرحلة الاستعمار إثر الحرب العالمية الثانية 1945، حين نالت أغلب الدول نشأتها باستقلالها كدول وطنية ذات إقليم وسكان وسلطة.

وفِي حالتنا وحالنا الليبي يبدو لدرجة تقترب من التأكيد غياب النظرة المعرفية والتعامل العلمي مع أزمة الوجود والمصير.

الإقليم الليبي الحالي -كان يعرف بطرابلس الغرب قبل الاستعمار الايطالي- يمكن تعريفه بأنه الرقعة الجغرافية خلال المرحلة العثمانية الثانية (1835) والذي احتلته إيطاليا في 1911، ثم قسمه الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) إلى ثلاث أقاليم/ إدارات: طرابلس برقة كادراتين تحت بريطانيا وفزان تحت فرنسا. لتتأسس رسميا (وكمرجعية سياسية ودولية) الأقاليم الثلاث. النظام الفيدرالي الاتحادي استمر لما يقل عن 12 سنة(ديسمبر 1951-أبريل 1963)، لينتقل الإقليم الليبي لنظام وحدوي بسيط استمر شبه مستقر في طوقه الخارجي القامع لأي مناقشة حتى 2014، أي ما يزيد عن نصف قرن. لان بعد سنة 2014 انفلت الحروب الاهلية والصراعات المجتمعية، وبرزت أصوات متناثرة بمطالب متنافرة غير واضحة المعالم حول هويات فرعية جهوية وقبلية وثقافية، وحتى درجة نكران الوجود عند شطط البعض.

وبموازاة ذلك يمكن تعريف وتحديد الإقليم الليبي سياسيًا بمعرفة حدوده، فهو الذي يجاور حدود مصر وتونس والجزائر والنيجر وتشاد. وهي دول كانت ولايات ومستعمرات ورثت حدودها مثلنا. صحيح أن بعض مناطق الحدود حديثة الترسيم لانها كانت مناطق فارغة السكان او عديمة الاهمية لانها نائية وصحراوية، مقابل ان مصر وتونس بالتحديد كانتا لفترات زمنية طويلة من قرابة 500 سنة بنفس الحدود مع ليبيا، قبيل العثمانيين ولحد الان.

ببعض التفصيل فولاية/إيالة مصر العثمانية  التبعية المباشرة بدأت في سنة 1517 حتى سنة 1805 حين تأسست الاسرة العلوية (محمد علي) واستمرت إلى جمهورية مصر منذ سنة 1953 (ثورة يوليو)، تخللها نظام الحماية والوصاية البريطاني. اي حدود مصر (الإيالة، الحماية، المملكة، فالجمهورية) مع ليبيا شبه ثابتة منذ خمس قرون (505 سنة). أما بخصوص تونس، فلقد ألحقها العثمانيون لهم سنة 1574 ثم حكمت الاسرة الحسينية منذ 1705 إلى سنة 1957 تخللتها الحماية الفرنسية في 1881 حتى 1956، ثم الجمهورية التونسية من 1957 لحينه. أي الحدود التونسية مع ليبيا كان معلومة لقرابة 448. استحضار مثلي تونس ومصر لا يعني إهمال باقي الحدود، إلا أن باقي الحدود اقل جدلية لوجود اتفاقيات بين الدول المستعمرة و لقلة السكان.

وهكذا فحدود رقعة الإقليم الليبي معروفة سياسيًّا.

وهنا يبرز سؤال المكون السكاني للإقليم الليبي. إذا انطلقنا من الحدود الغربية الشمالية لليبيا لا نجد هناك معضلة سكانية حدودية أو تاريخية. في حين انه في جنوب ليبيا تبرز أمامنا اشكالية القبائل العابرة للحدود، حيث تقسم الحدود مكون امازيغ الطوارق بين ليبيا والجزائر والنيجر فيما يخص ليبيا (أرض الطوارق تشمل وتمتد كذلك إلى مالي وبوركينا فاسو) في حين ينتقل التبو في مساحات تتقاطع فيها ليبيا وتشاد والسودان والنيجر. أما بالنسبة لشرق ليبيا، فالمسألة تاريخية متشابكة حين هاجرت وهُجرت جماعيًا في الفترة بين  1633 و1817 مكونات قبلية إلى مصر، أهمها أولاد علي والجوازي. والمهاجرين توطنوا واكتسبوا الجنسية المصرية، غير أن السؤال التاريخي فالسياسي يبرز من حين إلى آخر، وبالاخص في فترات الازمات وضعف وفشل الدولة والركون للتعصب القبلي.

هذا يعيدنا للعلوم السياسية ونظرياتها وتطبيقاتها في العلاقات السياسية الوطنية والدولية، وهي بالخط الاحمر العريض الذي تحته خط: ان الحدود الجغرافية السياسية والادارية ليس بالضرورة أن تتوافق وتتطابق مع الحدود الجغرافية الاجتماعية والاقتصادية، فالحدود السياسية والإدارية هي المعيار لا التواجد الاجتماعي، وهذا في العلاقات الدولية خط احمر، ولهذا تتواجد أقليات انتماء في دول كثيرة. بمعنى أن وجود مكون سياسي في دولة او اقليم او محافظة يميل او تعود أصوله لدولة او اقليم او محافظة اخرى لا يلغي الحدود إلا بالحروب (والاستفتاء) والاعتراف الدولي معًا. ولكن يبقى هذا العامل عنصر إزعاج وتوتر تزداد خطورته في الدول الفاشلة الضعيفة، وقد يتطور إلى فشل مزمن منسي ومهمل، وقد يتطور إلى انقسام واضح أو تبعيات أوضح لدول أخرى.

وهذا ما نراه اليوم من نزعات ونزاعات جهوية ومناطقية وقبلية في طول ليبيا وعرضها. وهو مادة احتراق حارقة يستسيغها بعض انتهازيّ السياسة بجشع وقصر نظر اناني، ويغيب أو يُغيب فيها الصوت الصوت الوطني العارف والمدرك.

التنافس البرقاوي الطرابلسي، والتحارب القبلي في طرابلس، والنزاع الحضري البداوي في برقة، والتيه الفزاني الفزاني، وصراعات الهويات الفرعية (عربية، أمازيغية، تباوية)، ومماحكات العراقة والشرفية والشريفية والاستيطانية والولاءات الامازيغية والعربية والأندلسية والكوارغلية والصحراوية (الساقية الحمراء) وحتى المالطية والصقليوية… كلها مؤشرات لداء عميق مستشري.

سبع عقود فشلنا- كليبيين- في صياغة تعريف “الليبيانة”، بسبب القمع السلطوي وبسبب الفهم المغلوط لـ”حتاحت على ما فات” بدفن الأسئلة واختلاق اجابات لا اسئلة لها. تابو في العلن، وحليب تحريض وكراهية للاجيال في المرابيع والخيم العنصرية المغلقة، أججها صراع الاستحواذ على أنبوب الثروة الكسول (النفط).

وكلما تأخرنا في طرح سؤال الماهية الوجودي الأساسي، فكل الحلول قنابل عنقودية مؤقتة ستنفجر علينا وعلى الأجيال.

العنصر الثالث لتكوين الدولة بجانب الإقليم الجغرافي والشعب، هو النظام والسلطة السياسية. هذا العنصر سيظل مترنحًا وسيغري ويجذب الأدعياء الانتهازيين كما تجذب الحلوى المكشوفة أو القمامة النحل والذباب والنمل والحشرات والقوارض.

نظريات نشأة وتكوين الدولة تقول بأن أهمها أربع: 1- الدينية الإلهية، 2- التطورية، 3- العقدية الاجتماعية، 4- القوة (ليست دائما ذات محمول سلبي في السياسة والعلاقات الدولية هي أحيانًا ضرورية واحيانا لا يوجد غيرها).

وباسقاطها المرن على الواقع نجد اليوم ان دول نشأت ثم استمرت بتداخل متراوح نسبي بين هذه النظريات والتفسيرات.

ولعل استحضار مثال تاريخي للمملكة الأردنية الهاشمية يقرب الصورة. تأسست المملكة الاردنية الدستورية سنة 1946 كتطور لإمارة شرق الاْردن برئاسة الأمير عبد الله بن الحسين سنة 1921. الأمير عبد الله الحسين هو ابن شريف مكة الهاشمي الشريف حسين وهنا محل البعد الديني، بعقد اجتماعي لتحالف والتفاف حضري فلسطيني وبدوي من العشائر، تطورت الإمارة إلى مملكة، حظت بدعم قوة خارجية متمثلة في بريطانيا، تذبذبت متانة ديمقراطية العقد الاجتماعي ولكنه حافظ على عقد التأسيس في ملكية دستورية برلمانية، صمدت ونجحت المملكة باستخدام القوة الضرورية في فترات مفصلية. وبالمثل مع تغيرات استحضار مثال السعودية، مع فرق تحالف آل سعود السياسيين مع آل عبد الوهاب الدينيين، في عقد اجتماعي تبادلي بين الحكام والشعب يضمن الأمن الحياتي ويقسم الأمان الاقتصادي، مع استخدام القوة الضرورية.

هذان المثالان -في رأي- اقرب سياسيًّا لليبيا لأن التطور المتدرج السياسي في مصر وتونس المجاورتين لم ينقطع (في تقديري الراهن) لمدة يقارب 450 سنة أو يزيد، وذلك سلسلة طويلة في تاريخ الدول. كلتا الدولتين كانتا إيالتين عثمانيتين، فحكم ذاتي واسع طويل، وتبعية استعمارية في شكل نظامي وصاية وحماية- اي تحت ومع استمرار الأسرتين المالكتين، مما يعني تواصل التطور المجتمعي باستقرار نسبي، ثم النظام الجمهوري فيهما، والذي لم يتلاعب بالفتن الاجتماعية، بل استخدام الأدوات الطبقية والبيروقراطية.

في حين ليبيا (طرابلس مركز الحكم) خلال الـ500 سنة مرت بغزوات الإسبان ثم الحكم العثماني الأول، فالأسرة القرمانلية (1711-1835) ثم الحكم العثماني الثاني، فالاستعمار الايطالي العسكري الفاشي الاستيطاني الالحاقي (1911-1943)، ثم الإدارات البريطانيتين والفرنسية، فالدولة الاتحادية (1951-1963)، فالدولة الموحدة البسيطة ذات العشر محافظات في المملكة والجمهورية (1963-1976)، ففوضى الجماهيرية من 1977 إلى 2011 حين وحيث انتقلت ليبيا من محافظات ومراقبات وبلديات وكمونات وشعبيات ونقاط الخمس وسلطة شعب والادارة الثورية والقيادات الشعبية والشرعية الثورية والقبائل الشريفة… لتكشف ثورة فبراير 2011 وتنكشف عن نظام حكم اللانظام، وسلطة فردية مطلقة بدون هرم وعلاقات سلطة محددة، انعكست على معادلة صمود ومتانة الدولة: الإقليم الجغرافي والسكان والسلطة السياسية.

عند الاستقلال، تأسست الدولة الليبية جزئياً على النظرية الدينية المتمثلة في الامير فالملك ادريس والطريقة السنوسية وبالاخص في برقة، وعقد اجتماعي بين حواضرها وقبائلها وأقاليمها، وقوة مستمدة من الاعتراف الدولي الخارجي، دون إتمام مرحلة (نظرية) التطور لانقطاعها في انقلاب سبتمبر 1969، الذي يسميه بعض الليبيين ”ثورة“.

سياسيًّا وحسب نظريات تكون الدول، فهذا الركام الليبي يحتاج للترتيب لاسترجاع الحد الأدنى من شروط الدولة. وفِي ظل ضعف العامل الديني لكون كل الليبيين مسلمين، ولانتفاء قيادة دينية سياسية مقبولة من العموم، ولإخفاق وتكلفة اعادة الدولة الليبية بالقوة، ولانتكاس شروط التطور المجتمعي؛ يبقى سؤال الأساس المتبقي هو العقد الاجتماعي القاعدي بين مكونات المجتمع الليبي، وهذا الانسب نظريًا وينتظر طبقة سياسية متكاملة. وإلا فليس هناك إلا نظرية القوة شريطة ان تكون ذكية وحازمة وشاملة وكاريزمية ملهمة ومدعومة بقوة اقليميا ودولياً . وإلا فهو تيه الغنم المتشردة بدون راعي في عالم الذئاب الجائعة.

خلاصة، لضيق المقام ومحدودية المقال، فالحاجة ملحة لتعريف ماهية وكينونة الشعب الليبي والعلاقات التأسيسية التي تربط ببعضه للانتماء الوطني للرقعة الجغرافية الليبية، لنعرف وتعرف السلطة السياسية ماهيتها ودورها.

ابراهيم قراده (ادرار نفوسه)

4 سبتمبر 2022

- الإعلانات -

#ديمومة #تيه #البداوة #السياسية

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد