- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

د. عبد الرحيم العلام يكتب: “مصر التي في خاطري” (2-2) – بوابة الأهرام

- الإعلانات -

إذا أحبتك مصر .. فتحت لك ذراعيها .. تعددت زياراتي لمصر وتوسعت، فظلت القاهرة بالنسبة لي، ملاذا ساحرا، أجدني، في كل مرة، منجذبا إليه وإلى سحره وألفته. فالقاهرة، ستظل، بالنسبة لي، المدينة العربية التي لن أتردد في زيارتها ولو أسبوعيا، كما كنت أقول دائما لبعض أصدقائي الذين كانوا يستغربون من شدة تعلقي بهذه المدينة الفاتنة، الضاجة بالحركة والحياة، نهارا وليلا، هم الذين لم يعثروا ربما في هذه المدينة على ما عثرت عليه أنا فيها، وقد يكون ذلك من أسباب استغرابهم من كلامي.

 
تشاء المصادفات، أن تمتد أسفاري إلى مناطق أخرى من أرض الكنانة، وهي زيارات لا تقل روعة وجاذبية عن سابقاتها القاهرية، كما هو الحال بالنسبة لزياراتي المتكررة لمدينة الإسكندرية، للمشاركة في دورات “مؤتمر الإصلاح” الذي كانت تنظمه مكتبة الإسكندرية. اكتشفت سحر هذه المدينة التاريخية المتوسطية، واستعدت شريط بعض الأفلام والروايات التي استوحتها أو دارت أحداثها فيها. وتذكرني الإسكندرية بمدينة طنجة، وخصوصا على مستوى حجم وقيمة من زاروا المدينتين معا أو استقروا فيهما، من مشاهير الكتاب والمبدعين والمستشرقين العالميين.

كذلك كانت زيارتي، في وقت لاحق، رفقة وفد مغربي لشرم الشيخ، استجابة لدعوة كريمة من الحكومة المصرية، مساهمة منا نحن في حملة الترويج للسياحة في مصر، على خلفية الضربات الإرهابية الجبانة التي طالتها في تلك الفترة.

وإذا كانت زيارة شرم الشيخ قصيرة، فقد كانت المدة التي قضيناها بها هادئة وفاتنة ومبهرة بشكل يصعب تخيله، كانت المدينة وقتئذ شبه فارغة من زوارها، لكنها ظلت مشعة ومتلألئة وساحرة بجمالها وأضوائها، وبروعة بحرها وليلها، وبمتعة رحلاتها البحرية.

لازالت ذاكرتي تختزن عديد الحكايات الطريفة عن كل الأمكنة والأحياء والفضاءات والمآثر والمواقع التي زرتها في مصر، والتي يتجدد ارتباطي ببعضها في كل زيارة للبلد، بمثل ما ألتقي بوجوه جديدة،فأسعد، في كل مرة، بصداقات لن تشيخ أبدا، اعتبارا لزخمها الإنساني الدافئ، ولعمقها الوجداني الذي تعجز اللغة على نسج خيوطه.

ومن شدة إعجابي بمصر وإدماني على زيارتها، أصبحت أتقن التواصل بلهجتها العامية الجميلة، بحكم تضافر مؤثرات عديدة سابقة ساهمت في ذلك، وجعلتني أنخرط في صلب المجتمع المصري، فقد كنت وما زلت مفتونا بلهجة الصعيد المصري وبناسه الطيبين، وهو ما جعل بعض الشكوك تثار لدى بعض أصدقائي المصريين، مفادها هل فعلا لا تربطني أية روابط عائلية معينة بمصر، ولي في هذا الباب حكايات طريفة مع بعض أصدقائي من مصر، أتذكرها وأحكيها في أوقات الحنين والشوق وتمجيد المكان.

ولم يتوقف انخراطي في المجتمع المصري عند هذا الحد، بل كانت رغائبي تتفاقم في كل زيارة، في ركوب مزيد من المغامرات الشيطانية، بغاية أن أشعر بانتمائي إلى هذا المجتمع العظيم. فقد حدث ذات زيارة للقاهرة، بمناسبة الاحتفاء بالمغرب ضيف شرف المعرض الدولي للكتاب بالقاهرة، أن تجرأت وقمت بقيادة سيارة إحدى صديقاتي المصريات، في عز ذروة المرور وسط القاهرة، كانت “العربية”، كما يسمونها في مصر، لصديقتي العزيزة الدكتورة نانسي، وقد أعفيتها لحظتها من القيادة وسط زحمة المرور بوسط البلد، ومن التوتر الذي تسببه القيادة عادة في مثل تلك الظروف. كنا خمسة في السيارة، نانسي ومنة وابتسام من مصر، وحسن وأنا من المغرب.

انطلقنا في جولة ممتعة وسط القاهرة، في تحد تام لزحمة شوارعها، فالتزمت مع أصدقائي بعدم اللجوء إلى استعمال منبه السيارة لحظة القيادة، كما يفعل السائقون المصريون باستمرار، وبشكل مبالغ فيه أحيانا، لكن يبدو أن استعمال “الكلاكس” غدا سلوكا مكرورا ضمن حركة المدينة، وجزءا من أصواتها وضوضائها، فالقاهرة بدون “كلاكس” لن تغدو قاهرة، خاصة وأن “الكلاكس” يتجاوز في كثير من الحالات وظيفته التنبيهية، ليصبح سلوكا ملازما للقيادة، وإحدى وسائل التحسيس بكينونة من يقود.

وشيئا فشيئا، وجدتني جزءا من هذا المجتمع المصري الذي أحببته وعشقته بشكل لا يمكن تصوره. فسرعان ما توطدت علاقاتي مع مؤسسات ثقافية وإعلامية وغيرها، وعلى رأسها المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، منذ تولي الدكتور جابر عصفور أمانته العامة، من خلال دعواته المتواصلة للمشاركة في مؤتمراته وندواته التي تواصلت مع أمناء عامين متعاقبين. كما تم اختياري، على التوالي، عضوا في لجنة “جائزة الرواية العربية” و”جائزة الشعر العربي” اللتين يشرف على تنظيمهما المجلس الأعلى للثقافة ووزارة الثقافة.

ولم يتوقف الترحيب المصري بي عند هذا الحد، بل كنت ضيفا على دور نشر مصرية محترمة، تكرمت مشكورة بنشر بعض كتبي، منها “الهيئة المصرية العامة للكتاب” و”دار العين للنشر”، بما لهما من سمعة طيبة وواسعة في مصر والعالم العربي، ومن اهتمام لافت ومتزايد بنشر الكتاب المغربي، في حقوله المختلفة.

نشرت لي الهيئة المصرية كتابا نقديا عن “رواية المرايا” لنجيب محفوظ، سنة 2008، ضمن “سلسلة نجيب محفوظ”، التي أحدثتها الدار بعد رحيل كاتبنا الكبير، وبترحيب من رئيس تحرير السلسلة الصديق العزيز والروائي يوسف القعيد، وكان كتابي هو الثاني في هذه السلسلة، بعد كتاب أول، جاء عبارة عن ببليوغرافيا تجريبية لنجيب محفوظ وسيرة حياة ومدخل نقدي، لحمدي السكوت، فيما نشرت لي دار العين، بإيعاز من مديرتها الصديقة العزيزة الدكتورة فاطمة البودي، كتابا نقديا عن رواية “لعبة النسيان” لمحمد برادة سنة 2013.

هكذا تزايد حضور مصر في اهتماماتي الثقافية، وازداد حضوري أنا فيها على مستويات أخرى، ثقافية وإنسانية، أمام كل ما أغدقته عليَ مصر ومؤسساتها الثقافية، من محبة وترحيب وألفة. ويكفي أن أذكر من بين تلك المحطات الثقافية المضيئة، إسهامي في إنجاز مشروع ببليوغرافي كبير، هو عبارة عن “موسوعة الكاتبة العربية، ذاكرة المستقبل: 1873-1999″، أشرفت عليه “مؤسسة نور لدراسات وأبحاث المرأة العربية” بمصر، وصدر في أربعة مجلدات، عن المجلس الأعلى للثقافة ومؤسسة نور سنة 2004. وانصبت مساهمتي أنا على إنجاز الجزء الببليوغرافي الخاص ب “كاتبات المغرب العربي”، وذلك بصفتي “باحثا مساعدا” في هذا المشروع إلى جانب محمد برادة، بصفته “عضو تحرير الموسوعة وباحثا مشاركا”، وعبد الحميد عقار بصفته، هو أيضا، “باحثا مساعدا”.
لقد مكنتني زياراتي المتكررة للقاهرة والإسكندرية، من الاقتراب أكثر من الحقل الثقافي والأدبي والإعلامي في مصر، في تطوره وتراكمه، وفي تنوع أجياله وتعدد أسئلته. ودائما يحصل أن أعود من مصر محملا بكثير من المحبة والإهداءات والكتب والأفكار والذكريات الجميلة.

فأن تشارك، مثلا، في ملتقيات القاهرة ومؤتمراتها وندواتها الدولية، إلى جانب ذلك الكم الهائل من المدعوين والمشاركين، من رموز الثقافة والفكر والإبداع، من مختلف الأقطار والأمصار، وأن يشرفك الأصدقاء في المجلس الأعلى بترؤس جلساتها والمشاركة في موائدها المستديرة، وأن تستضيفك البرامج الثقافية المصرية، وتجري معك جرائد مصر العريقة حوارات صحفية، وأن تكون ضيفا على قعدات مقاهيها الشعبية، وأن يدعوك الأصدقاء إلى مطاعم ونواد لها تاريخ عريق، وغيرها من الاستضافات والمحطات الموشومة في الذاكرة، فمعنى ذلك كله، أنك تعيش لحظات نادرة ومنعشة ومتجددة في حياتك، تتقوى معها دينامية حضورك الاعتباري، ويتعزز معها انخراطك في صلب أسئلة الثقافة والإبداع والنقد في العالم العربي، بما تمنحه لك المؤسسات الثقافية في القاهرة وفي غيرها من المدن المصرية، من شهادات اعتراف رمزية واعتبارية خاصة وصادقة.

لم يحدث قط أن ترددت في تلبية أية دعوة لزيارة مصر أو للمشاركة في ملتقياتها، فتفويت أية فرصة لزيارة مصر، يعد في اعتقادي ضربا من الجنون. لكن حدث مرة واحدة فقط، وإلى حد الآن، أن تخلفت عن السفر إلى القاهرة للمشاركة في ندوة نظمها المجلس الأعلى للثقافة عن المفكر والباحث المصري الراحل “محمد مندور”.

لقد صادف أن كنت متواجدا في تونس للمشاركة في لقاء مغاربي حول “الشعر المغاربي” بمدينة تطاوين البعيدة عن العاصمة. وأمام ضيق الوقت، إذ لم يكن يفصلني عن موعد سفري إلى القاهرة سوى يوم واحد، تكرم الأصدقاء في المجلس الأعلى للثقافة فغيروا لي تذكرة سفري، بغاية أن أسافر مباشرة من تونس إلى القاهرة لألحق افتتاح الندوة بالمجلس الأعلى للثقافة وأشارك في أشغالها، بدل العودة من تونس إلى الدار البيضاء للإقلاع منها إلى القاهرة، كما كان مقررا من قبل. 

وأمام بعد المسافة بين تطاوين ومطار قرطاج بتونس العاصمة، لم أتمكن من اللحاق بطائرتي المتجهة إلى القاهرة، ففوتت عليَ فرصة لقاء آخر بقاهرة المعز وبحجم مختلف، وإن كنت قد تمكنت من إرسال ورقتي من تونس إلى المسؤولين في المجلس الأعلى، مرفوقة باعتذار شديد يبرر إكراهات تغيبي.

موازاة مع ذلك، حدث مرة أن كنت متواجدا في الأردن، بمعية أصدقاء من اتحاد كتاب المغرب، للمشاركة في اجتماع المكتب الدائم لاتحاد كتاب العرب وفي فعاليات مهرجان جرش، فتلقيت مكالمة من الصديق العزيز والشاعر المصري أحمد الشهاوي، يدعوني، أنا ومن معي من الأصدقاء، لكي نعرج على القاهرة في طريق عودتنا إلى الدار البيضاء، استجابة لدعوة كريمة من الصديقة العزيزة الكاتبة والفنانة المقتدرة الدكتورة لوتس عبد الكريم، صاحبة مجلة وصالون وقاعة “الشموع”، لحضور حفل عشاء تقيمه بصالونها التاريخي، ببيتها العامر بقاهرة المعز.

لم أكن قد تعرفت على الدكتورة لوتس عبد الكريم قبل لقائي بها ببيتها، باستثناء ما ذكر لي عنها صديقي الشاعر أحمد الشهاوي. ورغم ذلك، فقد تعودت، في مثل هذه الحالات، أن أستبق لقاءاتي وأطلع على جانب من سير من سأزورهم وألتقي بهم للمرة الأولى حتى أكون على بينة. وحدث أن تملكتني الدهشة والانبهار والإعجاب، بعد اطلاعي على جانب من سيرة الدكتورة لوتس، ولم أصدق حينها أنني سألتقي بهذه الإنسانة الفريدة والرائعة والوفية والمثقفة الكبيرة، وسرعان ما تفاقمت غبطتي وسعادتي حين وجدتني ببيتها ذات أمسية جميلة مسروقة من العمر.

وما زاد من روعة تلك اللحظة الجميلة، أنني وجدت أمامي إنسانة رقيقة من عظيمات مصر، وقد بدت الدكتورة لوتس في قمة التواضع والأناقة والنبل والكرم والأريحية، فرحة بلقائنا ومرحبة بنا وبغيرنا من المدعوين، فبدد ترحيبها واهتمامها بنا من خجلنا ودهشتنا. وليس ذلك بأمر غريب عن هذه الإنسانة الرائعة، فهي سليلة أسرة اسكندرانية عريقة، اهتمت بالفن والأدب والسياسة، وهي صديقة مخلصة ووفية للملكة فريدة، بكل ما تحمل كلمتا الإخلاص والوفاء من عمق ومعنى ونبل، فضلا عن كونها صاحبة صالون ثقافي شهير، حضر ندواته ولقاءاته كبار السياسيين والكتاب والمفكرين والفنانين والفلاسفة، وصاحبة مجلة “شموع” الشهيرة، التي كان يرأس تحريرها الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين، بأعدادها المتميزة التي خصصت للاحتفاء بكبار الأدباء والكتاب، عدا مؤلفات الدكتورة العديدة، في مجالي السيرة الذاتية والسيرة الغيرية، وغيرها من مجالات الكتابة.

كل هذا، وغيره كثير، يجعل سيرة الدكتورة لوتس غنية ومشوقة، بتجربة صاحبتها الإنسانية والحياتية والأدبية، الملأى بالذكريات المثيرة وبعديد الرحلات إلى شتى بقاع العالم، عدا زخم علاقاتها وصداقاتها الكثيرة مع رموز الثقافة والفكر والسياسة والأدب والفلسفة والطب والهندسة، داخل مصر وخارجها، ولقاءاتها العديدة مع رؤساء بعض الدول وملوكها وزعمائها.

كنت مفتونا ببهاء تلك الأمسية النادرة، ومأخوذا بجمال بيت الدكتورة لوتس وأناقته، وأنا أستعيد لحظتها بعض الوجوه والأسماء التي زارته وشاركت في ندوات صالونه وفي مرسمه بقاعة الشموع، وهو المرسم الذي كانت الدكتورة لوتس قد وضعته، في بدايته، رهن إشارة صديقتها الملكة فريدة، لتبدع فيه لوحاتها، بعد أن تخلى عنها الجميع وتم الاستيلاء على ممتلكاتها.

استهواني ما يحويه بيت الدكتورة لوتس من تحف وأرابيسك وصور شخصية لها ولوحات تشكيلية من إبداعها، وأخرى من إبداع فنانين تشكيليين آخرين، وقد اكتمل بهاء هذا الحفل بمن حضره من الشخصيات والمبدعين، كان من بينهم سفير المغرب في مصر آنذاك، السيد محمد سعد العلمي وحرمه.

كانت سهرة استثنائية بالنسبة لي، ولقاء جميلا وممتعا سيبقى موشوما في ذاكرتي ما حييت، بما تميز به من حسن استقبال وترحيب وود ورقة وكرم وسمو من قبل الدكتورة لوتس، وبما تخلله من أحاديث عن الثقافة والأدب والفن، ومن تعارف وضحك ونكت وموسيقى وإهداءات كتب، فقد شكلت تلك الليلة الجميلة مناسبة راقية، سعدت فيها بأن أهدتني الدكتورة لوتس نسخا من مجلد ضخم من تأليفها، في طبعة أنيقة، هو عبارة عن سيرتها الذاتية الآسرة، بعنوان “رحلة البحث عني”، بما يضمه المجلد من محكيات ذاتية وغيرية وصور نادرة.

شكرت لحظتها مصر البهية على كل ما تواصل تقديمه لي من فرص نادرة ولقاءات جميلة، وشكرت الصديقة العزيزة الدكتورة لوتس على الدعوة الكريمة وعلى حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة والإهداءات، وشكرت الصديقين العزيزين سفيرنا سعد العلمي وشاعرنا أحمد الشهاوي، فهؤلاء جميعا ساهموا في صنع تلك اللحظة الجميلة التي سيظل لها أثرها الخاص في حياتي.

عديدة هي سهرات القاهرة وجلساتها المفعمة بالمتعة والجمال والفرح والانتشاء والصفاء، سواء مرت أجواؤها ببواخر النيل، الثابتة أو المتحركة، بمطاعمها وحفلاتها الليلية الساهرة، أو بمطاعم القاهرة ومقاهيها ونواديها التاريخية، التي تعج دائما بفئات مختلفة من المثقفين والمبدعين والفنانين، وهو ما كان يتيح لي فرصا متجددة لأنسج عبرها علاقات جديدة، في حضرة “عمر الخيام” ورباعياته، بما يتخللها من حوارات ومتعة وبهجة، وأيضا لأدرك معنى آخر للحياة، سواء كنت في قاهرة المعز أو في غيرها من أعالي أرض الكنانة.

ولا يتوقف سحر مصر عند هذا الحد، بل إن هذا البلد الآمن ما فتئ يتيح لي فرص اللقاء على أرضه مع مثقفين ومبدعين وفنانين، لم يكن الحظ ليسعفني بملاقاتهم في بلدي أو خارجه، فكان الموعد، مرة أخرى، بأرض الكنانة في “ليلة محبة” مع فنانين مغاربة ومصريين، في سهرة فنية غنائية، بالمسرح الكبير لدار الأوبرا المصرية، احتفاء من الحكومة المصرية بالمغرب الثقافي والفني، بمناسبة زيارة وفد من الكتاب والفنانين والإعلاميين المغاربة لمصر سنة 2015 وبدعوة كريمة منها، وهم “يحملون رسالة حب إلى الشعب المصري”، كما عبرت عن ذلك الدكتورة إيناس عبد الدايم، رئيسة دار الأوبرا المصرية وقتئذ.

فبعد عودتنا من شرم الشيخ، كانت القاهرة، مرة أخرى، في موعد مع الوفد المغربي ومع الجالية المغربية المقيمة بمصر، حيث برمجت وزارة الثقافة مشكورة، في فترة توليها من طرف الوزير والصديق العزيز والكاتب المتعدد حلمي النمنم، سهرة غنائية كبرى في ختام زيارتنا لمصر، وصفت لحظتها من قبل الصحافة المصرية بكونها “حفلا أسطوريا لا يرى حتى في الأحلام”، وقد شكلت تلك السهرة مناسبة جميلة، بالنسبة لي على الأقل، لأستمتع فيها بفنانين مغاربة ومصريين، ولأجدد عبرها استمتاعي ببعض أغانيهم الجميلة في لحظات انتشاء ومتعة.

لقد عرفت تلك السهرة الغنائية تألق المطربين عبد الوهاب الدكالي من المغرب وهاني شاكر من مصر إلى جانب فنانين آخرين، من المغرب تحديدا، وأبدع في تقديمها الفنان المصري سمير صبري، هذا الفنان الذي كنت قد استأنست بمشاهدته عبر شاشة التلفاز في مرحلة عمرية سابقة، ممثِلا في أعمال درامية مصرية، ومقدما لطيفا لسهرات كبرى بمصر.

هكذا عودتنا مصر تاريخيا، وبمثل هذه الأشكال الاحتفائية وغيرها، بالترحيب بزوارها وعابري أرضها، وبالمقيمين بها والوافدين عليها، وهو جانب عكسته عديد النصوص السردية العربية والغربية، من بينها نصوص لكتاب مغاربة من أجيال مختلفة، ممن زاروا القاهرة أو درسوا بها أو أقاموا فيها، على مدى فترات زمنية متباينة، وإن كان ما كتبه المغاربة عن القاهرة تحديدا، وعن فترة تواجدهم بها قليلا جدا، وهو ما قد يثير بعض الاستغراب،إذا ما استحضرنا عدد المغاربة الذين زاروا القاهرة وأقاموا بها ودرسوا فيها، وقد نذكر من بين هؤلاء الكتاب: بنسالم حميش في روايتيه “مجنون الحكم” و”العلامة”، وعبد الكريم غلاب في مذكراته “القاهرة تبوح بأسرارها”، ومحمد برادة في محكياته “مثل صيف لن يتكرر”، ورشيد يحياوي في يومياته “القاهرة الأخرى”، وفؤاد زويريق في خواطره “خواطر في حب القاهرة”، فيما وردت القاهرة عرضا في روايات مغربية أخرى قليلة جدا.

وتعتبر تلك النصوص أهم التجارب السردية المغربية، إن لم تكن الوحيدة، التي تمكنت، من موقع التأريخ من ناحية، والتذكر المصاحب بالمعايشة الفعلية والمعاينة المباشرة لفضاء القاهرة، من ناحية ثانية، من استعادة صور ومشاهد مختلفة من المجتمع المصري، وصياغة حكايات مختلفة عنه، في ماضيه البعيد وفي حاضره القريب، وفي راهنيته المتجددة وتعدد شخوصه وتنوع أمكنته المتحولة.

ولو حدث وكتب الأديب المغربي الراحل عبد المجيد بنجلون الجزء الثاني من سيرته الذاتية، لجاء جزءا خاصا بمرحلة الإقامة بالقاهرة، بعد مرحلة الطفولة بكل من فاس ومانشستر، كما حكى عنها في الجزء الأول من سيرته الذاتية “في الطفولة”، بحيث يشكل السفر إلى مصر، كما جاء في نهاية سيرته الذاتية “في الطفولة”، حدا فاصلا بين مرحلة انتهت (سُردت في الجزء الأول) ومرحلة جديدة (لم تنشر وربما لم تكتب أصلا).

تعلمت من مصر ولازلت أتعلم منها الشيء الكثير، ولها دين كبير عليَ وعلى غيري من زوارها وعشاقها، إن على المستوى الإنساني أو الثقافي أو التواصلي أو الوجداني، فقد دخلتُ مصر آمنا ووجدت فيها ما سألت، فكنت دائما أخرج منها بصداقات لم يخطر ببالي يوما ما أن أحظى بها. صداقات عديدة، نسجتها مع عديد المثقفين والكتاب والنقاد والمبدعين والناشرين والإعلاميين المصريين، ومع غيرهم من وزراء الثقافة وأمناء المجلس الأعلى للثقافة والمركز القومي للترجمة المتعاقبين، وكذا مع بعض المسؤولين بمؤسسة دار الهلال العريقة، وهي الدار التي كنت مدمنا على قراءة إصداريها الشهريين (السلسلة الروائية وسلسلة كتاب الهلال)، لأجدني، بعد مرور مدة، ضيفا عليها، من خلال دعوة تلقيتها من أصدقاء خلص، كانوا مسؤولين وقتئذ في هذه المؤسسة الرائدة.

وأمام كل هذا الزخم في الزيارات واللقاءات والتراكم في الصداقات والعلاقات التي نسجتها بأرض الكنانة، يصبح اليوم من الصعوبة جرد أسماء كل من تعرفت عليهم وصادقتهم أو حصر لقاءاتي المتكررة بهم، وإن كانت صداقاتهم ستظل ممتدة في ومترسخة في القلب والذاكرة والوجدان.

تعودت أن أعيش في كل زيارة للقاهرة، فتنة حكايات وطرائف ممتعة ومضحكة ووقائع ومصادفات غير متوقعة، وقد أضحت اليوم بمثابة علبة محكيات بيضاء، ترافقني في تنقلاتي وجلساتي، أغترف منها في تواصلي مع أصدقائي ومع محيطي، في مصر وخارجها،  مستحضرا في ذلك “حكاء مصر الأول”، الصديق العزيز والكاتب الراحل سعيد الكفراوي، رحمه الله، بما يعرف عنه من امتلاك لطريقة مدهشة وفريدة في الحكي عن بعض الظواهر والحالات والوقائع والوجوه والأمكنة، وفي اختلاق حكايات جديدة، غالبا ما كانت من وحي اللحظة، وهو ما يضفي على جلساته ومسامراته، في مصر وخارجها، نكهة خاصة وجاذبية لا تمل، وبشهادة كل من رافقه أو جالسه، بما يعرف عنه أيضا من امتلاكه لمخزون لا ينضب من الحكايات والطرائف عن المشاهد الثقافية لعديد البلدان العربية التي زارها، ومنها المغرب.

وقد تأتي المناسبة لأحكي فيها عن بعض الطرائف التي حدثت لي بمصر أو عشتها فيها، تلك التي ستظل ساكنة في ذاكرتي ووجداني ما حييت، من قبيل حكاية “الروائي المغربي الذي صار وزيرا للثقافة في القاهرة”، وحكاية “الحريقة في الميكروباص” و”حكاية الشخوص الذين هربوا خلسة من روايات نجيب محفوظ، ثم عادوا إليها بعد، بعد احتساء الجعة”، فضلا عن عديد الحكايات والطرائف التي حصلت لي مع بعض سائقي التاكسيات، وغيرها من الطرائف التي لم أجد لبعضها تفسيرا لكيفية انبثاقها لحد الآن، كحكاية الروائي المغربي الذي صار سهوا معالي الوزير في القاهرة.

وحتى وأنا في المغرب، ظلت مصر حاضرة بكامل عنفوانها وطيبوبة أهلها ونبل مسؤوليها. فقد كنت محظوظا بأن نسجت علاقات صداقة ومحبة مع جل السفراء الذين تعاقبوا على تدبير شؤون سفارة جمهورية مصر بالمملكة المغربية، فكنت دائما أحظى بدعواتهم وبترحيبهم النادر لحضور المناسبات الرسمية وغيرها من اللقاءات الخاصة، سواء بالسفارة أو بمقر إقامة السفير، من قبيل تلك اللقاءات التي جمعتني بمفكرين وأدباء وفنانين مصريين، ممن كانوا يزورون المغرب، فيستضيفهم هذا السفير أو ذاك بمقر إقامته.

كذلك كنت أتلقى دعوات طيبة، لمشاركة السفير أجواء متابعة مباريات الفريق الوطني المصري في كرة القدم وتشجيعه، ولو عن بعد. كان المهم بالنسبة لي، هو أن نشارك إخوتنا في مصر فرحتهم بالانتصار، في جلسات كان يعمها الفرح والصدق وكرم الضيافة، بإقامة السفير.

وحدث مرة، ونحن بإقامة السفير، أن كنا نتابع مباراة للمنتخب المصري مع فريق إفريقي لم أعد أتذكره، في إطار إحدى الإقصائيات الإفريقية، كان المنتخب المصري منهزما بفارق إصابة، بعد أن تلقى هدفا مباغتا، فتكهرب الجو قليلا وعم الصمت لفترة، ولم تعد قعدتنا حماسية كما بدأت. كانت المباراة على وشك نهايتها، فتسللت وغادرت إقامة السفير دون أن يشعر بي أحد؛ إذ لم أستسغ أن تنتهي المباراة بهزيمة منتخب مصر الذي قدم مباراة جيدة، وصعُب على أن أواصل المكوث هناك، بعد أن تعطلت لغة الكلام. بحث عني الأصدقاء إثر ذلك، فوجدوا أنني غادرت الإقامة، وقد تفهموا موقفي.

هذا الصديق السفير المصري نفسه، يشهد له، بأنه كان من شدة انتصاره للبعد الثقافي في توطيد العلاقات بين مصر والمغرب، وراء عديد المبادرات الثقافية الجميلة والمضيئة، والتي كنت شاهدا عليها ومنسقا إلى جانبه لبعضها، أذكر من بينها سعيه إلى تنظيم احتفالية كبرى بالروائي المصري الراحل جمال الغيطاني، بكلية آداب الرباط، فضلا عن سعيه، قبيل انتهاء مهامه، إلى تنظيم حفل موسيقي كبير بالمسرح الوطني محمد الخامس بالرباط، سنة 2017، بمناسبة حلول الذكرى الستين لنشأة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والمغرب، وهو الحفل الذي أحياه الموسيقار المصري الأسطورة عمر خيرت، ولأول مرة بالمغرب، وحج إليه جمهور عاشق لهذا الموسيقار ولأعماله التي ملأت الدنيا، من مدينة الرباط ومن خارجها. 

لقد أتاحت لي تلك الأمسية الموسيقية الرائعة ولكل من حضرها، فرصة الاستمتاع بأعمال هذا الموسيقار الكبير، والتملي برؤيته، والانتشاء بمقاطع من أروع أعماله الخالدة، في سهرة لم تكن لتخطر على بال أحد، وصفها البعض بأنها ثاني سهرة خالدة بعد السهرات الثلاث التي أحيتها أم كلثوم بالمسرح نفسه، سنة 1968، وتسلطنت فيها كوكب الشرق، وهي ترتدي القفطان المغربي.

على هذا النحو، دأبت مصر تاريخيا على أن تغمرنا بثقافتها وفنونها وبأبعادها الإنسانية النبيلة، سواء هناك في مصر أو هنا في المغرب، ما يجعلني اليوم مدينا لمصر إلى حد كبير، على كل ما منحته لي هذه الأرض الطيبة من لحظات إمتاع ومؤانسة وفائدة وسعادة ومرح وانتشاء، في نهاراتها ولياليها، وفي نيلها المقدس وعلى بواخرها الأسطورية الجاثمة على ضفتيه، كما في حاراتها ومتاحفها وأبراجها ومسارحها وميادينها الساحرة، وفي مكتباتها ومطاعمها ومقاهيها وفنادقها، وأيضا في دورات معرضها الدولي للكتاب ومعارضها التشكيلية، وفي بيوت أهلها وحفلاتها وسهراتها اللاتنسى، وفي تاكسياتها وميترو أنفاقها، وفي غيرها من المحطات المتلألئة والضاجة بالحركة والحكايات والأخبار والأطياف والخيالات والخواطر والاستيهامات والاستذكارات والروائح وأصوات الناس والآذان، والملأى بالذكريات والمشاهد والتفاصيل والطقوس والمناقشات والمفاجآت والمشاعر والمغامرات والإهداءات والرغائب والتيه والانتشاء والشقاوات والمسرات والتعليقات الساخرة، وغيرها مما تعودت أن تجود به عليك مصر على مدى فترات متعاقبة، وتحديدا منذ ارتباطك الأول بعوالمها السينمائية والثقافية والغنائية والموسيقية، وكلها لحظات من الصعوبة القبض عليها اليوم دفعة واحدة، بما أنها لحظات منفلتة من دائرة التشظي والانكفاء والوهم والرتابة والغشاوة والزوال، لتستقر وإلى الأبد في الأحشاء وفي دائرة العشرة والمحبة والرغبة والذوبان والفرح الداخلي وأعماق النفس والناس..

تلك، هي مصر التي في خاطري…
___
رئيس اتحاد كتاب المغرب

#عبد #الرحيم #العلام #يكتب #مصر #التي #في #خاطري #بوابة #الأهرام

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد