- الإعلانات -
رمضان والإذاعة.. فن الدمج صوتياً بين اللغة والنور

من الممتع والمُبهج أن تكون قادراً على تذويب الضوء الروحي بالمعرفة، ومن ثم تشكيل ذاك العجين على شكلٍ قابل للتداول، هذا ما يحدث كلما اقترب شهر رمضان الكريم، حيث تدفعك طاقة إيمانية متفردة إلى التسابق على أن يكون لك محلاً قيّماً على خارطة الإذاعة لتؤنس ذاك المقام التي تأمله عند الله تعالى من العبادة.
لقد فتحت ملكة الشعر لي أبواب الإعلام صحافةً وإذاعةً مسموعة على مصراعيها، فمن امتلك هبة الشِّعر تملّك ناصية اللغة وشكّلها كيفما أراد الخطاب، لذلك تمكنت من الكتابة الصحافية وبالتالي مهنتها، وعرفت الخطوط الفاصلة بين أن تكتب مقالاً أو ملفاً صحافياً، أو حلقةً إذاعية حيث تختلف لغة الخطاب وتشترك تقنيات أخرى في الرقص مع اللغة من مؤثرات صوتية وموسيقية وتحكم في الطبقات التي تريد للمستمع أن يصل إليها، لكن ذروة العمل الإذاعي كان في البرامج الرمضانية الثقافية حيث أميل، وحيث أطعّم المعرفة بالإيمان، ومنذ الثمانينيات من القرن السابق كنتُ مواظباً تقريباً على الإعداد الإذاعي لرمضان، مع مرور فترات انقطاع لأسباب إدارية أو سياسية أو مالية.
كانت الإذاعة مملكة أوسع من المدينة، حيث يمتد الصوت حتى خارج الوطن، وبالتالي كانت قبلة كل المثقفين والأدباء، وعلى الرغم من ضيق الحال الذي لم ينفرج إلا لمرور دنانير لا تسمن ولا تغني من جوع، إلا أن المتعة بالعمل والعلاقات والتنافسيات كانت على أشدها، والأجمل أنك تجد جمهوراً لك أينما وليت وجهك، فقد كانت الإذاعة الرسمية الليبية هي الوحيدة على الساحة آنذاك، مع وجود إذاعة صوت الوطن العربي الموجهة، في بيئة الإذاعة فهمت وتعلمت التفاصيل الدقيقة للمهنة، ليس الكتابة والإعداد وحسب بل حتى الإخراج والتأثير الصوتي ومتعة التحكم في حرفٍ واحد أثناء المزج (المكساج) بواسط تحريك بكرة الصوت آنذاك سنة صغيرة للأمام أو الخلف، ولن تحس بهدر وقت ساعتين مثلاً مقابل خمس دقائق هي المادة الإذاعية، لأن في الساعتين متعة لا يحسها إلا من عاشها، وأحياناً أكثر عندما يتعلق الأمر بإحضار عدد من الأشرطة الموسيقية من المكتبة المسموعة، لتختار المقطع الموسيقي المناسب، وليس مثل الآن، فقد دخل الذكاء الاصطناعي في التقنية الإذاعية وصار الاختيار في لحظات.
في الإذاعة يكون تعاملك كمعد برامج ثقافية مباشرة مع القامات، تمتلك أثناء العمل كل أنهار خبراتهم ومودتهم وصداقتهم ومصداقيتهم وعمقهم، ترتقي بهم، وتحرص على أن تكون دقيقاً في العمل مثلهم، وحريصاً حتى على الكلمة الواحدة، بل على الحرف الواحد وأنت تضع في اعتبارك رهافة حس المتلقي المجهول الذي يستمع إليك، نعم قامات كبيرة عملت معهم برامج كاملة كل برنامج ثلاثون حلقة، كل حلقة من خمس عشرة إلى عشرين دقيقة أي 600 دقيقة للبرنامج الواحد يقابلها زمناً مضاعفاً عشرات المرات في الإعداد والتجهيز والتقديم والمونتاج والإخراج، لقد كان من بين الأساتذة الكبار الذين قدموا برامجي الإذاعية عبر الإذاعة الرسمية أو الموجهة أو حتى المحلية بعد أن ظهرت، المرحوم الأستاذ عبد الفتاح الوسيع، والأستاذ علي أحمد سالم أمد الله في عمره والمرحوم الأستاذ عبد الله عبد المحسن، والسيدة الفاضلة عزيزة عبد المحسن، والأستاذ سالم الفيتوري والأستاذة جميلة صلاح الدين و الأستاذ أحمد النائلي، والأستاذ عمر الجروشي، والمرحوم الأستاذ عبد الرسول العريبي، والمرحوم الأستاذ حسن بن عامر وغيرهم ناهيك عن عددٍ كبيرٍ من الفنيين والإداريين رحم الله من توفي منهم وأطال في عمر الباقين ومتعهم بالصحة والعافية.
أكثر شيء حزنت عليه غير فقد الأحبة والصحاب، هو فقد المواد الإذاعية نفسها في مرحلتين؛ إحداهما عندما اشتد الحصار الإمبريالي على ليبيا فشحت المواد، لدرجة اضطر الفنيون على التسجيل على الأرشيف، بالفعل كارثة ضاعت منها بعض برامجي منها (كتابات قبل الإصدار) بصوت عبد الله عبد المحسن وكان أول برنامج ثقافي على إذاعة بنغازي المحلية. والفترة الثانية هي ضياع جزء من الأرشيف الإذاعي لإذاعة أفريقيا الموجهة والإذاعة الوطنية الرسمية بعد احتلال مقريهما من الدواعش، واستطاع المحلصون نقل جزء كبيرٍ منها إلى أماكن محمية.
من ضمن برامجي الإذاعية الرمضانية على سبيل المثال لا الحصر:
> الإذاعة الرسمية: من ضمن البرامج التي قام بإعدادها : (ثقافة الماء) تقديم عبد الله عبد المحسن – (منازل القمر) 90 حلقة تناوب على تقديمها عبد الله عبد المحسن، عبد الفتاح الوسيع – (ابتكارات وعلوم) تقديم: جميلة صلاح الدين – (حديث الثريا) تقديم: عمر الجروشي.
> أصدر برنامج مجلة العرب الطبية المسموعة، ورأس تحريره حتى الحلقة السبعين منه، وهو إخباري طبي تثقيفي لمدة ساعة مباشرة على الهواء (تقديم عمر الجروشي).
> إذاعة بنغازي المحلية: إعداد أول برنامج ثقافي بها وهو: (كتابات قبل الإصدار) تقديم: عبد الله عبد المحسن، وإعداد برنامج (منمنمات) تقديم: سالم الفيتوري.
> إذاعة صوت أفريقيا: ساهم في إعداد حلقات من برنامج (سوانح أفريقية). (ديوان النثر الأفريقي) تقديم بالمشاركة: عزيزة عبد المحسن – علي أحمد سالم – عبد الفتاح الوسيع.
> الفضائية الليبية : برنامج منازل القمر – 28 حلقة، علمي ثقافي، تقديم: علي أحمد سالم وأحمد النائلي).
أما بعد 2011 فقد شح العمل الإذاعي والبرامج التي عملتها كانت على شبكة BBN، منها: (استشارات تربوية) – (الفرج بعد الشدة)، وشاركني في التقديم الأستاذة أمينة الرملي.
تلك شذرات من رحلتي الإذاعية في رحاب شهر رمضان، الذي أرجو أن تعود خارطته الإذاعية إلى الاتزان والمهنية والفائدة الروحية والعقلية والنفسية.
أحمد بشير العيلة
9 رمضان 1443 هـ – 10 أبريل 2022
- الإعلانات -
#رمضان #والإذاعةفن #الدمج #صوتيا #بين #اللغة #والنور
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
