- الإعلانات -
زمن التضخم البصري

هسبريس
كُتّاب وآراء
- الإعلانات -
رشيد الحاحيالأربعاء 12 أبريل 2023 – 09:11
خلال لحظات البحث في “الربرتوارات” الرمزية لعدة ثقافات وحضارات ومدارس وسياقات تاريخية، والاشتغال على مقاربتها فنيا لترجمة الأفكار والأحاسيس التي يثيرها هذا الموضوع الغني والمتعدد، انتابني السؤال الآتي: هل مازالت للفن خاصة فنون التشكيل مكانة في عالمنا اليوم، الموسوم بوفرة الإنتاج والتضخم البصري، وهل يستطيع الإبداع الفني الحفاظ على وظيفته التعبيرية والجمالية وجاذبيته الثقافية في الحاضر والمستقبل؟ وهل مازال الإنسان في حاجة إلى الصورة التشكيلية والفنية التي خصها ريجيس دوبري بوسم حفظ الرمزية وبحيوتها وسحرها الذي يوصلنا بالرعشة الأصلية للوجود؟ لا شك أن الدوافع الذاتية والفكرية وأهمية وراهنية هذا التساؤل وأبعاده، ترتبط بما يلي: العودة إلى التراث الفني البصري للثقافات والحضارات والأزمنة الكبرى، يدفع إلى التأمل واستحضار سياقاته التاريخية والثقافية، والعلاقة التي حكمت إنتاجه خاصة في جانبها الأساسي المرتبط بالإنسان والمجتمع والمحيط الطبيعي، والمتخيل الرمزي والحاجيات والرغبات التي يعكسها ويحملها كتعبير بصري، هذه العودة تجعل الفنان اليوم وجها لوجه مع الواقع والإنتاج البصري المتضخم الذي يعيش فيه، خاصة الصورة الإلكترونية والرقمية والحوامل ووسائل التواصل الجديدة، وهو ما يطرح عليه بإلحاح جدوى ممارسته الإبداعية وفردانيته التعبيرية وانهماكه الجمالي في زمن الشاشات والوفرة الصناعية والرقمية والإنتاج والاستهلاك الجماعي والعشوائي للصورة. يعتبر والتير بنيامين من أول المفكرين الذين انتبهوا إلى الإشكال الفني والثقافي الذي يطرحه الإنتاج التقني المعاصر في المجال البصري، حيث وضح في نصه التأسيسي الشهير المعنون بـ”الأثر الفني في عصر الاستنساخ أو الإنتاج التقني”، بأن التقنيات الصناعية والتكنولوجية الحديثة تفقد العمل الفني قيمته الشعائرية، فقيمة الأثر الفني تقوم إشراطا على الوجود المفرد وأصالته. من هذا المنظور يتضح الفرق الكبير من منتجي الصور ومستهلكيها، حيث أن الإمكانيات التقنية التي توفرها الوسائل الراهنة، وواقع التضخم والتخمة البصرية التي تطبع واقعنا الاجتماعي والاقتصادي اليوم، تفتقد عامة إلى مقومات الإبداعية والجمالية بمفهومها الفني والفكري، بل إنها كرست للامعنى والجفاء الرمزي وتسطيح القيمة البصرية التي اختزلت في التواصل والتلقي بمهمومه التجاري والاستهلاكي بل والشعبوي، وهذا ما يؤكد الحاجة الدائمة والملحة إلى الصورة الفنية وخاصة التشكيلية والمعلم الثقافي والجمالي، ومن ثمة إلى الإبداع والإنتاج البصري الحامل للمعنى وقيم الذوق والجمال. لا شك أن توسع مجالات وتقنيات ووسائط الإنتاج البصري أتاحت للفنانين والمصممين إمكانيات توظيفها في مختلف الأجناس التعبيرية الفنية وخاصة التشكيلية والغرافيكية التي صارت مفتوحة على كل الفنون، كما أتاحت إمكانيات وسهولة التواصل والتلقي، وما يسمى بدمقرطة الصورة التي كانت حكرا على فضاءات ومجموعات محددة، بيد أن مستويات الاشتعال الجمالي والإبداعي في المنتوج البصري الراهن تظل ضئيلة مقارنة بواقع التضخم والجفاء الذي أفضت إليه، مما يؤكد الحاجة الكبيرة إلى مرجعيات وقيم الفن والجمال ومؤطراتها الثقافية في مجالات الإنتاج والاستهلاك، خاصة عبر التنشئة والتعليم الفني والثقافي، من جهة، وإلى تعزيز الولوج العمومي إلى الإبداع والممارسة الثقافية الحاملة والمنتجة للمعنى والذوق والتقدير الجمالي، من جهة أخرى. إن خوصصة النظرة الحديثة، كما أكد ريجيس دويري، تقف وراء فقر الدم الذي أصيب به عالم الصورة. فقد فقدت صورنا حيويتها ورمزيتها، وهذا ما يشكل بالتأكيد خطرا قاتلا لسحر الصورة، وفي نهاية المطاف للفن بالتحديد. انطلاقا مما سبق، يمكن القول إن مجالات التعبير البصري وانتاج الصور المرتبطة بالإبداع، خاصة فن الصباغة والسينما والفوتوغرافية و”الديزاين” بمختلف مجالاته، والإنتاج الثقافي الموسوم بالديمومة والانهماك والطقوسية، في دلالتها الوجدانية والفكرية والتخييلية، في مقابل الطابع المؤقت والآلي والاستهلاكي للصور التقنية الجديدة، تظل حاجة إنسية ووجودية تحفظ للإنسان آدميته عبر ذكائه الطبيعي وفعاليته الرمزية ونزوعه الحضاري إلى الرقي والقدرة على التفكير والتذوق وإنتاج المعنى، وعلى الاستمتاع والاشمئزاز كخصائص كينونته البشرية وشرطها الذاتي والحضاري.
#زمن #التضخم #البصري
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
