- الإعلانات -
ساكن في سواد النني: رحلة نهال كمال مع الخال عبد الرحمن الأبنودي | القدس العربي


« لم أشعر حتى الآن بأنه رحل.. فشل الجميع في إقناعي بذلك. ما زلت أذكر اللقاء الأول والنظرة الأولى والكلمة الأولى والابتسامة الأولى والنكتة الأولى، والخلاف الأول والضجة التي أحدثها زواج رجل يقترب من الخمسين بفتاة في العشرينيات.. ما زلت أشعر بأنه «قاعد معاي وبيشرب شاي» صباح كل يوم، كما غنت فايزة أحمد من كلماته فعادته لم تنقطع».
هذه من مقدمة الكتاب الذي لجأت إليه حين وجدت أنني في حالة من الاشتياق إلى شيء يخفف عني أوجاعي الجسدية، وآلام الحياة الثقافية المهترئة من فرط ما فيها من قضايا تافهة، آخرها ضجة الرفض للترحم على الفقيد سيد القمني.
كان هذا الكتاب موجودا بين كتب لم أقرأها منذ ستة أشهر، والمدهش أني رأيته وقد صار على سطح الكتب، كأنما خرج من بينها ليقول اقرأني فأنا من تبحث عنه. بالفعل بدأت في القراءة التي أخذتُ منها هذه السطور الأولى من مقدمة الكتاب الصادر عن دار «ريشة» العام الماضي. نهال كمال إعلامية مرموقة ومذيعة في التلفزيون المصري، وكان زواجها من الأبنودي فعلا حديث الحياة الثقافية، فالأبنودي ذلك الوقت كان زوجا سابقا للمخرجة عطيات الأبنودي ويقترب من الخمسين، بينما نهال كمال شابة بكر لم تتزوج بعد. أذكر أنني ذهبت بعد أسبوع تقريبا من الزواج، مع الشاعر محمد كشيك لنهنئ الأبنودي بالزواج في شقته في المهندسين، ولم نُطِل. كانت هذه أول مرة أزوره في بيته، وشغلتني الأيام عن تكرار الزيارة، لأنه كان ملء الفضاء والأرض. تتحدث نهال كمال ببساطة شديدة، وبحب جميل عن سنوات عمرها مع عبد الرحمن الأبنودي. وقد صاغت المذكرات في شكل حكاية، تتابع فيها الأحداث منذ لقائهما أول مرة، حتى وفاته في فصول قصيرة مثل الحياة التي جرت بهما، وتنهي كل فصل بمقاطع من شعره، تعبر عن الفصل أو تكمله. ذهبت كما تقول على مضض إلى المركز الثقافي الفرنسي في الإسكندرية، كما دعتها ابنة خالتها، وهي بعد طالبة في السنة الأولى في كلية التجارة في الإسكندرية، فهي سكندرية الميلاد والمنشأ قبل أن تعمل في القاهرة، لكنها ذهبت لترى وتسمع هذا الشاعر الذي تملأ أغنياته الفضاء. بعد ذلك اندهشت كيف صارت هذه البداية مدخلا إلى الزواج منه، هو الصعيدي وهي ابنة الإسكندرية. أكثر من فصل عن اقترابهما ودور أمه الصعيدية فاطمة قنديل في ذلك.
استمعت تلك الليلة إلى بعض قصائده، لكن قصيدة «الخواجة لامبو» صارت نقطة تحول في حياتها، وبالفعل كانت هذه القصيدة مثار حفاوة كبيرة من كل الأجيال. أدهشتها حركاته وهو يلقي الشعر أو لغة الجسد. رأته ولم يرها هو بين الجمهور الحاشد، حدث أن والدها المهندس ضابط الجيش الاحتياط أصبح رئيسا للمقامة الشعبية في السويس وهي طفلة، ويحدث أن الأبنودي يكتب ذلك في ديوانه «وجوه على الشط» وحين يتقابلان يشعران بأنهما كانا معا وسط الأحداث، رغم أنها كانت طفلة وقت الحرب عام 1973. انتهت سنوات الجامعة وكان والدها يعطيها حرية التنقل بين البلاد، خاصة في أوروبا وأسرته معه ثم تعود إلى مصر، إلى القاهرة لتعمل في البداية في إذاعة الشباب والرياضة، ثم التلفزيون، وتقرر عمل لقاء تلفزيوني للأبنودي غير المُستحَب ظهوره فيه. يوافق رئيسها على أن يتحدث في الأدب فقط، وهنا يكون اللقاء الأول مباشرة. يذهب الأبنودي للعلاج في يالطا ويعود ليعزمها على الغداء في بيته بحضور أمه فاطمة قنديل من الصعيد فتذهب ولا تجده. تتغدى مع أمه، التي مهدت الأرض ليتشجع عبد الرحمن للزواج منها، ملخصة الأمر في جملة واحدة «هي دي أم عيالك» كانت هي مخطوبة لأحد أقاربها، لكن سحر الأم وسحر الأبنودي جعلها تتشجع، رغم رفض أسرتها في البداية.
رفض الأبنودي العزلة بعيدا عن الناس، ما أثار كاتبا مثل محمد حسنين هيكل حين زاره كيف يحدث ذلك حقا، وكيف يوافق المستشفى الذي كان الأبنودي يجبره على ذلك، وعلى أن يترك الموبايل معه في غرفة العناية المركزة، فهو لا يريد أن ينفصل عن الدنيا، وإلا سيترك المستشفى، فيستجيبون، فالدولة في النهاية وراءه تنتظر شفاءه.
وتمشي مع الكتاب بأفراحه وآلامه. أفراحه بإنجاب الطفلتين آية ونور، وآلامه في مرض الأبنودي في ما بعد. وبين البداية والنهاية حياتهم في قرية الضبعية على بعد تسعة كيلومترات من الإسماعيلية، في بيت بناه الأبنودي على أرض اشتراها، مساحتها فدان واحد، وليس كما كان يقول البعض عشرات الفدادين، زرعها بالخضر وأشجار المانجو، الذي تشتهر به الإسماعيلية. في كل وقت نحن مع الأبنودي نعرف كيف يكتب، وكيف يكون أكبر قلق له حين لا تأتيه القصائد، وكيف يزرع وكيف يطهو الأطعمة، ومن زاروهم في البيت من الفنانين والكتاب، وعلاقة الأبنودي بهم. بليغ حمدي ومحمد رشدي ومحمد منير وماجدة الرومي وعبد الحليم حافظ وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة وشادية، والأغاني التي كتبها لهم وكأنها رسائل حب لنهال كمال، رغم أنها لم تقل ذلك. كان هذا تفسيرنا لكثير من الأغاني ذلك الوقت، وحين قرأت الكتاب أيضا.
كذلك زارته المذيعة منى الشاذلي ونادية لطفي ومحمود درويش وسميح القاسم وجمال الغيطاني وإبراهيم داود وغيرهم كثير جدا. وقصص مودة وتعاون، وقصص خلاف لم يطل مع بعضهم، مثل بليغ حمدي ومحمد رشدي، الذي ضايقه أن يعطي الأبنودي أغانيه الشعبية لعبد الحليم بعده، ورحلة تحقيقه للسيرة الهلالية بين مصر وتونس، وحلقات التلفزيون الخاصة عن أيامه الحلوة، التي أقنعها بأن تديرها هي كزوجة ومذيعة، حتى بداية المرض في صدره الذي تردى بسبب إدمانه التدخين بشكل مرعب يصل إلى مئة سيجارة في اليوم، بينما تكبر آية ونور. ثم رحلة العلاج إلى أمريكا التي شابها تقصير الأطباء الأمريكيين في ولاية فلادلفيا، ثم رحلة أخرى إلى فرنسا، حيث وجد رعاية حقيقية وطباً أفضل، لكن في النهاية كان المرض يعود، حتى دخل المستشفى العسكري وقبله القصر العيني، وكيف تحولت غرفة العناية المركزة إلى مقهى من كثرة الضيوف وباقات ورودهم.
رفض الأبنودي العزلة بعيدا عن الناس، ما أثار كاتبا مثل محمد حسنين هيكل حين زاره كيف يحدث ذلك حقا، وكيف يوافق المستشفى الذي كان الأبنودي يجبره على ذلك، وعلى أن يترك الموبايل معه في غرفة العناية المركزة، فهو لا يريد أن ينفصل عن الدنيا، وإلا سيترك المستشفى، فيستجيبون، فالدولة في النهاية وراءه تنتظر شفاءه. أذكر بعيداعن الكتاب أن إشاعات كثيرة انطلقت عن وفاته، فكتبتُ مقالا في جريدة «اليوم السابع» عنوانه «الأبنودي لا يموت» وفوجئت به يحدثني من المستشفى بالموبايل سعيدا بالمقال، كما فعل ذلك من قبل حين أصدرت مجلة «الهلال» عددا خاصا عنه وكتبت فيه مقالا عنه أعجبه جدا، وكان المقال عن أغنية «عدا النهار» التي أعطتنا القوة بعد هزيمة 1967. لكن للأسف لم نلتق إلا مرات قليلة جدا في مؤتمرات أو ندوات، وكان الأبنودي بعيدا عن القاهرة، فجل أو كل وقته في بيته في الإسماعيلية. تتحدث نهال كمال ببطء عن أيام النهاية وكيف كان الأبنودي غير مرتبك، ويوقن بأنه ذاهب فقد ماتت اخته وأمه. كان يشغله فقط أن لا تغلق نهال الموبايل الخاص به بعد وفاته، وبالفعل لم تفعل ذلك، وراحت ترد على المكالمات كأنه حىّ. لقد كانت وصيته الأخيرة في لقاء أخير له مع المذيعة لميس الحديدي كلمة «ماتنسونيش». وتعلق نهال كيف ننسى من يسكن في سواد النني. والحقيقة أن الأبنودي حفر لنفسه مكانا خالدا في الشعر والأدب العربي، سواء بما كتبه من دواوين أو أغنيات أو تحقيق للسيرة الهلالية أو مشاركة في العمل العام، وقصائده الرافضة للقهر التي أدخلته السجن أيام عبد الناصر، وإن لم يطل سجنه.
رحم الله الأبنودي الذي لن يموت، وشكرا للإعلامية المثقفة زوجته نهال كمال التي صورت حياته معها كأنها فيلم سينمائي، تراه بلغتها الفنية الدقيقة المشبعة بالمشاعر أكثر مما تقرأه.
كاتب مصري
- الإعلانات -
#ساكن #في #سواد #النني #رحلة #نهال #كمال #مع #الخال #عبد #الرحمن #الأبنودي #القدس #العربي
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
