- الإعلانات -
سلطان المسلمين في حضرة بنيامين / بقلم المفكّر السياسي الدكتور محمد وليد يوسف 26-09-2023

سلطان المسلمين في حضرة بنيامين / بقلم المفكّر السياسي الدكتور محمد وليد يوسف
الشراع 26 ايلول 2023
هو رئيس المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية و الاقتصادية وهو مفكر سياسي و مؤرخ له العديد من الكتب منها
- الإعلانات -
١- جوهر النظام الدولي٢- القوانين السياسية المادية٣-أزمة الدولة في العالم الاسلامي٤- تاريخ الادارة و بنى الدولة في الاسلام٥- الأشاعرة والمجتمع والدولة٦- مبادئ السياسة و قواعد الحكم في الاسلام٧- المال في الاسلام
قال ابن الأثير في الكامل في التاريخ: لقد بقيتُ مدّة معرضاً عن ذكر هذه الحادثة [ظهور المغول] استعظاماً لها، كارهاً لذكرها.[1] وكان يرجو أن يكفيه غيره في ذكر وقائع المغول وظهورهم على البلاد.
ولعمري فإنّني قد أعرضت عن تسطير هذه الواقعة وغالبت قلمي أن يمسك عن ذكرها، ورغم ورود الخاطر منذ أوّل طرفة عين لي على صورة اللقاء بالكتابة، غير أني رجوت أن يكفيني غيري مؤونة ذلك، فتربّصت بضعة أيام لعلّ دولة أو حكومة أو حزباً أو حركة إسلامية أو مفكراً يكتب عن ذلك ويُقيلني من الكتابة ويسقط عنّي الأمر.
وقد وجدتُ في نفسي وأحزنني أن يبلغ النفاق السياسي بالناس مبلغاً عظيماً، ويأخذهم الرياء حتى سَتْرِ الحقائق فلا يجد الحقّ من يذكره وينصره.
ولمّا وقفتُ جهدي لجعل السياسة علماً بعدما كانت فناً، ونقل علم السياسة من مجال العلوم النظرية الإنسانية إلى مجال العلوم التقنية أسوة بالرياضيات والفيزياء والطب، وكما لا ينفع النفاق والكذب في هذه العلوم التقنية فإنّه لا ينفع النفاق والكذب والرياء في السياسة أيضاً. وما يلزمني من قول الحق في السياسة كما في الفيزياء – وإن كان ذلك لا يصيب هوىً عند الناس – عزمتُ على كتابة هذه المقالة وذكر الحق دون أن يصرفني عن ذلك طمع أو فزع.
ذكر بيان مديرية الاتصالات في الرئاسة التركية اجتماع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 20 سبتمبر 2023 في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها 78، وتحدّثا عن “العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين وآخر التطورات المتعلقة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني”[2] وذكر الرئيس التركي اردوغان: “تركيا يمكنها العمل مع إسرائيل في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني”[3].
هَبْ أنّ سياسياً من تونس أو زعيماً سياسياً من العراق كردياً كان أم شيعياً أم سنياً أو غير ذلك اجتمع مع سياسي من إسرائيل لامتلأت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بشتى أوصاف التهم والخيانة ونقض العهود ونكث الوعود والمواثيق وغيرها من النعوت السيئة. وما واقعة وزيرة الخارجية الليبية في حكومة طرابلس المتحالفة مع تركيا ببعيدة، حيث قال مصدر حكومي ليبي لوكالة رويترز “إنّ رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة أقال وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش بسبب لقاء أجرته مع وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين في إيطاليا”[4]، وقد ثار الناس في شوارع طرابلس وهاجموا مقرّ وزارة الخارجية، وغادرت الوزيرة نجلاء المنقوش هاربة من ليبيا إلى تركيا ثمّ إلى أوربا، وقد “أنكرت الفصائل الفلسطينية (حماس، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) مثل هذه اللقاءات في بيانات منفصلة، لأنّها ضوء أخضر للاحتلال الإسرائيلي لسياساته ضدّ الفلسطينيين”[5].
أن يجتمع تونسي أو ليبي أو عراقي أو كردي أو أفغاني بسياسي إسرائيلي فتلك خيانة أمّا أن يجتمع اردوغان مع نتنياهو فتلك حكمة سياسية ودراية استراتيجية.
أن تتحدّث نجلاء المنقوش في شؤون يهود ليبيا مع وزير الخارجية الإسرائيلي فتلك خيانة وغدرٌ لا يغتفر، أما أن يتحدّث اردوغان عن شراكة في مجال الطاقة ومدّ أنابيب الغاز من إسرائيل إلى تركيا مع ما يقترن بذلك من درِّ مليارات الدولارات على إسرائيل فتلك حنكة جيوسياسية عميقة وبُعْد غورٍ.
زيارة وفد إسرائيلي إلى جزيرة جربا في تونس ومعبدها اليهودي على صفة سياحة دينية فتلك جناية تاريخية حملت رئيس حركة البناء الوطني الجزائرية عبدالقادر بن قرينة على تهديد تونس والذهاب إلى أن “الجزائر لا يمكن أن تقبل بأن يكون جارها مطبّعاً مع الصهاينة”[6]، أمّا إقامة علاقة استراتيجية بين تركيا وإسرائيل فإنّها “تصفير للأزمات” في المنطقة ونشرٌ للاستقرار والسكينة.
لقد ران الصمت على الحركات والجماعات الإسلامية قاطبة وأصابها الصمم والبكم والعمى، أم على القلوبِ والأقلامِ والأبصارِ والبصائرِ أقفالُها فلم تبصر ولم تسمع بالاجتماع الذي ذاع وانتشر وشاع في وسائل الإعلام.
إن كان لقاء المنقوش مع كوهين (ضوءً أخضر للإسرائيليين وزيادةً لجرأتهم على المقدسات) فيا ليت شعري هل كان اجتماع اردوغان مع نتنياهو ردعاً للإسرائيليين وإحباطاً لأعمالهم وسياساتهم؟ واردوغان يسعى للتعاون معهم في مجال الابتكار والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني الذي سيزيد إسرائيل قوة وشوكة.
وكما لا ينفع الكذب والخداع والنفاق في الطب والهندسة والفيزياء والاقتصاد بسائق من عواقب موت المرضى ودمار المباني وتعطّل الآلات والأجهزة وخراب الأسواق والعملات وانتشار التضخّم والفقر فإنّه لا ينفع الكذب والنفاق في السياسة لما يقترن بذلك من خداع الناس والاستهزاء بهم والمغامرة بمعاشهم وحياتهم ومستقبلهم وضياع موارد وقدرات البلاد ونشر الفتن والفوضى والأزمات الكبرى.
ولعلّي أذكّر الناس ببعض الوقائع فعسى أن يكون فيهم مذّكّر.
لم يفتأ اردوغان منذ خروجه أمام الإعلام من ندوة جمعته في مؤتمر دايفوس في يناير عام 2009 مع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريس أن ينكر على إسرائيل سياساتها، وألا يترك واقعة إلا سخّرها للقدح والطعن في السياسيين الإسرائيليين لما رأى ذلك يستهوي قلوب العامة ويستميل الناس عامة والجماعات الإسلامية خاصة، واقترن ذلك مع بدء الأزمات في مصر وليبيا وتونس وسورية عام 2011، فاتخذ ذلك شرعة ومنهاجاً لإنفاق سياسات حزب العدالة والتنمية حتى غدت بضاعة رائجة باستهلاك الدين وشعارات الإسلام في سوق الموارد السياسية.
وحين اعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل دعا اردوغان إلى انعقاد قمة لمنظمة التعاون الإسلامي وقال: “القدس خطّ أحمر للمسلمين، والاعتراف مكافأة لإسرائيل على أعمالها الإرهابية”[7]، وهدّد بقطع العلاقات مع إسرائيل.
كما وصف اردوغان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو “بالإرهابي” وقال: “أنت المحتل، أنت إرهابي أيضاً”[8].
وقد توعّد اردوغان إسرائيل كثيراً في المدّة ما بين (2014-2019) ودعا بابا الفاتيكان والعالمَ قاطبة إلى العمل والسعي لتصنيف إسرائيل دولة إرهابية، واحتجّ بالحديث المتواتر الذي يرويه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد: “لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون يهود فيقتلونهم،…..”، حتّى بلغ في استخدام وتسخير الدين ذروة غير مسبوقة في سوق الموارد السياسية، وزعم أن القدس في عيونه، وقال للإسرائيليين: لن تجدوا أماكن تختبئون فيها، فهل من مذّكّر؟؟
ولما ظهرت معالم إخفاق مشروع وصول الجماعات الإسلامية إلى الحكم في مصر وسورية وأخفقت في سياساتها في ليبيا وتونس والسودان فاء الرئيس اردوغان إلى نفسه وأعاد النظر في نهجه منذ نهاية عام 2020 وسعى سعياً آخر وأشاع مقولاتٍ سياسيةً جديدة مناقضة لما سبق. فهل من مذّكّر؟
لقد جعل اردوغان تركيا في العشرية الماضية (2011 – 2020) ملجأً يأوي إليها الإسلاميون من مختلف أطيافهم، ويعتصم بمدنها كلّ إسلامي مطارد مطلوب من بلاده، فنظمت الجماعات الإسلامية قصائد المدح والثناء على سلطان المسلمين اردوغان ونثروا الخطب البليغة في ذكر خصاله ومناقبه، وأسبغوا عليه سربال الولاية وانقادوا له بالسمع والطاعة.
وقد أفسد بذلك اردوغان علاقات بلاده مع أكثر البلدان الإسلامية لعلّة إيوائه المعارضين فيها ومنحهم الجنسية التركية.
ولما أبرمت الإمارات والبحرين اتفاقية إبراهام مع إسرائيل في صيف عام 2020 برعاية إدارة الرئيس الأمريكي ترامب أنكر اردوغان ذلك إنكاراً شديداً واتهمهم بخيانة القدس وفلسطين، فهل من مذّكّر؟؟
فهل تعلم الجماعات الإسلامية وأنصار اردوغان في الشرق الأوسط وشمالي افريقيا أن الذي يصافحه في نيويورك على هامش الدورة 78 للجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 سبتمبر 2023 ويريد التعاون معه في مجالات الطاقة والابتكار والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني هو نفسه بنيامين نتنياهو الذي اتهمه ورماه سابقاً بكلّ النعوت والأوصاف السيئة، وإنّه اليوم أشدّ على الفلسطينيين منه يومذاك، وإنّه رئيس حكومة أكثر تشدّداً من سابقاتها، ولم يشهد تاريخ إسرائيل حكومة أكثر يمينية من حكومة نتنياهو الحالية؟
فإن كان نتنياهو كما اتهمه اردوغان “إرهابياً” بالأمس فإنّه اليوم أشدّ إرهاباً من باب أولى على أصول اردوغان…
وإن كان نتنياهو اليوم شريكاً له لصنع الاستقرار والسلام في المنطقة كما زعم اردوغان وهو على رأس حكومة متشدّدة، فإنّه كان بالأمس أصلح منه اليوم ليكون شريكاً لاردوغان في صنع السلام من باب أولى…
فما الذي حمل اردوغان على الانتقال من النقيض إلى النقيض؟
إنّه نهج اردوغان في استخدام الإسلام في سوق الموارد السياسية والشعبية لتوطيد حكمه.
وأنصار اردوغان من العامة والجماعات الإسلامية في وادٍ آخر يهيمون وهم على عهدهم القديم في تأويل وتبرير وتسويغ كل أمر يصنعه اردوغان.
فالجماعات الإسلامية المعارضة الموالية لأردوغان في إدلب وشمالي سورية يقيمون إمارات إسلامية ويحكمون بالشريعة الإسلامية ويقيمون الحدود ويمنعون النساء من الظهور والعمل ويحملونهنّ على ارتداء الحجاب والنقاب وسائر الشعائر، فإذا هم ذهبوا إلى تركيا يصمتون ويسكتون عما يجري في المناطق السياحية في انطاكيا وآلانيا وبودروم واستانبول وغيرها.
ففيها من السفور وكشف العورات وهتك الاستار وكشف الأسرار وشرب الخمور وانتشار الموبقات وشيوع المنكرات – حسب الوصف الفقهي الإسلامي – ما يزيد صغيره على كبير ما يجري من الموبقات في سائر بلدان الشرق الأوسط وشمالي افريقيا.
ورغم ذلك يصيب الصمم والبكم أنصار اردوغان حين يذكّرهم امرؤ بذلك.
ونهج اردوغان في الانتقال من النقيض إلى النقيض في علاقاته مع الإمارات والسعودية ومصر وإسرائيل وغيرها ليست من السياسة ولا الحنكة ولا الدهاء، إنما هو الطغيان وغياب المحاسبة الشعبية واندثار الديمقراطية ودولة القانون في تركيا، وتجسيد للآية القرآنية: ﴿ما أريكم إلا ما أرى﴾ [سورة غافر – الآية 29]، وعلى أتباعه السمع والطاعة والسير في ركابه.
وحتى إيران – حاملة راية ولواء عداوة إسرائيل – أعرضت عن التعليق على الاجتماع بين اردوغان ونتنياهو وما طواه في ثناياه من بنود للتعاون والشراكة السرية.
ولما ذكر ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في مقابلته لشبكة فوكس نيوز أنّ السعودية “تقترب كل يوم أكثر فأكثر من تطبيع العلاقات مع إسرائيل”[9] ردّ عليه الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في مؤتمر صحافي في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وقال: “إنّ أي تطبيع مع إسرائيل سيكون طعنة في ظهر الفلسطينيين”[10].
فإن كان عزم السعودية على التطبيع مع إسرائيل طعنة للفلسطينيين حسب الرئيس الإيراني فما قوله في اللقاء والاتفاق والعمل بين تركيا وإسرائيل؟ وعلام تمسك إيران عن التعليق عن سياسات تركيا مع إسرائيل وتتوعد بلدان الخليج على نواياها وعزمها في التطبيع مع إسرائيل، بل تصف إيران علاقاتها بتركيا بالاستراتيجية والحيوية والعميقة رغم تنافر مصالحهما وتناقضها في سورية والعراق والقوقاز والخليج وفي أفغانستان ووسط آسيا وفي افريقيا سوى خصلة واحدة فقط وهي ما توفره تركيا من ملاذ وملجأ لإيران للالتفاف على العقوبات الغربية عليها، وما واقعة رضا زراب في تركيا وتحويله مليارات الدولارات إلى بابك زانجاني في إيران في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد ببعيدة.
وفي الكنانة الكثير من الكلام، وحسبي وحسب القارئ اللبيب ما ذكرته رغم قلته ليكون دليلاً على كثير مما تركته.
[1] تاريخ الإسلام، المؤرخ الذهبي، ص19، م13، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان 2005.
[2] aa.com.tr/ar, 20-9-2023.
[3] المصدر السابق.
[4] Reuters, 28-8-2023.
[5] aa.com.tr/ar, 28-8-2023.
[6] plnews.online, 13-8-2023.
[7] dw.com/ar, 13-12-2017.
[8] bbc.com/Arabic, 1-4-2018.
[9] MEO.com, 21-9-2023.
[10] المصدر السابق.
#سلطان #المسلمين #في #حضرة #بنيامين #بقلم #المفكر #السياسي #الدكتور #محمد #وليد #يوسف
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
