- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

سليمان البسّام: الإشكاليات الكبرى تحاصر عالمنا وماذا يعني نزوح مئات آلاف البشر عن ديارهم؟ | القدس العربي

بيروت تنصت لـ«آي ميديا» عرض محتشد بالأفكار ينهل من عنف الأسطورة الواقع

بيروت ـ «القدس العربي»:  بإنصات كلي تلقى جمهور مسرح المدينة في بيروت عروض «آي ميديا» الثلاثة التي قدّمها «مسرح سبب». كان الترقب مسيطراً فبلغ الكاتب والممثل والمخرج سليمان البسّام، واستعدّ له. عرض أبحر في الأسطورة اليونانية واستوحى منها مما تفيض به من رعب وقتل وسكاكين وانتهازية. حرفية الكاتب وخبرته جعلته يتنقل برشاقة ودراية بين الأسطورة والواقع، فإذا بالإسقاط يحل في مكانه حفراً وتنزيلاً. واقع اللجوء والأقفاص، البحر الغدّار، العنصرية والنبذ، والإرهاب، والثورات والتطبيع.

«ميديا» شخصية موجودة في عالم يغزوه الإعلام والرقمنة. وفي نظام عالمي يرغب بأن يحصي أنفاس البشر وحركتهم بل حتى «يصور حركة الشمس». كذلك «ميديا» موجودة في الأسطورة. بين الأسطورة والواقع أبحر الحوار، ومثلهما كان غزير الأفكار، كثيف العناوين.
«ميديا» الشخصية المحورية أدتها الممثلة السورية البارعة حلا عمران بكل جوارحها الداخلية، فأصابت كما عادتها. وكان لسليمان البسّام سطوة الحضور على الخشبة، وتعامل معها بدراية مطلقة. بدا متيماً بنصه ودوره فإذا به ينثر على المتفرجين رؤاه المسرحية، ويتركهم يتفكرون. نجح في نزع «الخرقة السوداء» عن رأس «ميديا» الثائرة. وفي استخراج السُّبة منها على الثورة السورية، والجهر برفض التطبيع. وبقيت «ميديا» شخصية متألمة. واستمرّت الأسلاك الشائكة بل حتى المُكهربة تحاصر اللاجئين المتدفقين إلى «كورينثيا». إنه عرض محتشد بالموضوعات والإسقاطات، استقبله جمهور بيروت بإعجاب وشكر للفنان الكويتي الذي جاء في العتمة والحصار.
مع سليمان البسّام هذا الحوار:
○ استنتجت من «آي ميديا» كم يحمل المسرح من هموم. لماذا أنت في المسرح ولم تكتف بالفلسفة والأدب الإنكليزي كونهما أكثر راحة للبال؟
•كثيراً ما ألحّ السؤال على نفسي. وصلت إلى المسرح من خلال اهتمامي بالكتابة والشعر والأدب. وكما كافة الشباب كنت مستعجلاً لإنجاز دراستي الجامعية، وخلالها كنت أجد نفسي دائم الحضور في المسرح الجامعي. وجدته بيئة مناسبة لي، أمدّتني بعالم موازٍ أطربني.
○ فاحت في مسرحك رائحة البرتقال وعصرته ميديا بيديها وصبغت أصابعها بالأحمر. ما هي رمزية المشهد؟
•حكت «ميديا» مراراً عن البرتقال، ومنها حُلُم راودها بأن منزلها تعرّض للقصف، وأولادها في صندوق كبير لا حيلة لها سوى إطعامهم البرتقال المنتشر في كل مكان. وذكرت جاط البرتقال حين استعادت ذاكرة الصورة العائلية السنوية، وكان الهدف من حضوره زينة للصورة. ورد البرتقال في عدّة ثقافات، وهو وثيق الصلة بشواطئ البحر الأبيض المتوسط والبساتين المحيطة به. وفي عرض «آي ميديا» كان للبرتقال رمزيته البصرية كونه عملاً متقشفاً جداً بالألوان، إذ يقتصر على الأبيض والأسود. لقد حقق البرتقال حضوراً بصرياً كبيراً. أما فعلة قتل «ميديا» لأبنائها فأتى من خلال البرتقالتين اللتين قطرتا دماً، بحيث تبقى الرمزية مفتوحة.
○ أن نشمُّ رائحة يافا في هذا البرتقال هل هو تخيل أسطوري؟
•قد يكون تفعيل هذا الشم في الذاكرة الخاصة ناتجا عن لكْنَة حلا عمران خلال العرض. إنها لهجة بدوية فلسطينية، متميزة بالجر والياء. كنّا في بحث عن اللهجة العربية المناسبة لشخصية ميديا، بعد استبعاد الفصحى واللهجة المحكية الشامية لحلا عمران. بحثت عن لكنة خارج المدينة وبدون الوقوع في الكليشيهات. عبّرت عن مرادي لصديقتي الشاعرة الكويتية مي سويدان، فما كان منها سوى وضع إعلان على صفتحها على انستاغرام ضمّنته مقطعاً من النص، وأرفقته ببريد إلكتروني، ورقم هاتف خاصين لتلقي الردود. وإذ بالتسجيلات الصوتية تنهمر علينا من كل العالم العربي. كانت تسجيلات من نساء عاديات وغير محترفات مطلقاً. جاءت التسجيلات من حفر الباطن واليمن والمغرب العربي وغيرها، ومن ضمنها صوت مثير للاهتمام لسيدة من فلسطين. تواصلنا مع تلك السيدة وطلبنا منها قراءة النص كاملاً بلكنتها. وهذا ما كان، فأصبح مرجعاً للممثلة حلا عمران في تدريباتها على الشخصية.
○ لجأت لأسطورة إغريقية دامية لمقاربة الواقع. أليس الواقع الحالي دامياً بما فيه الكفاية؟
•يضحك ويقول: سؤال مشاكس حول دور الأسطورة، أو حتى الفن في مقاربته لهمجية واقع ما. لا أتفق معك وأرى أننا بحاجة للمجاز، وللبعد المتخيل، وإلى الزمن المفتوح الذي يعيدنا إلى زمننا وينفتح على أزمنة أخرى. هذا الأمر ليس فقط جائزاً، لكنه أيضاً ضروري. أعرف قصة «ميديا» منذ كنت شاباً. أحببت العمل على هذه الأسطورة لأن التفكير بالعنف الكوني الذي تستدعيه أو تواجهه «ميديا» وجدت تفسيره بأنه حين يقع أحدنا في غرام ميديا فهذا يعني وجود خلل حقيقي في حياتك. القراءات عن «ميديا» تدور حول هذه المرأة الغريبة الآتية من ثقافة أخرى. إذاً هي المرأة التي تحمل لمجموعة أفكار مسبقة والعنصرية التي تواجهها، حتى أن «أوروبيديس» الكاتب الإغريقي يصوّرها على أنها الشر بذاته. هي السمراء الداكنة البشرة، حاملة السحر، الآتية من بعيد ومعها كافة أمراض اللاعقل. ميديا كمهاجرة والرمز لأمر من خارج سياقه التاريخي والاجتماعي، حالة تفتح باب التساؤل عن معنى الهجرة، والغربة، والعنصرية، والأفكار المسبقة. هذه الكتابة تتركز في جغرافيات مفتوحة وفي الوقت عينه محدّدة.
○ السكاكين وأصواتها وميديا الأم تقتل بها أطفالها. دخول الأمهات دائرة العنف هل هو أقصى المتخيل لفعل القتل؟
•أكيد. في إعدادي المسرحي لتلك الأسطورة يأخذ هذا العنف وجهين. أولاً العنف المجتمعي الأكبر الذي يدور حول «ميديا» على صعيد النوعية والمنهجية. ومن ثمّ العنف الموجه من الدولة إلى اللاجئين، وصعوبة حراكهم الذي يوصلنا إلى مصادر الإشكاليات الكبرى التي تحاصر عالمنا اليوم. فماذا يعني نزوح مئات آلاف البشر عن ديارهم ومنازلهم ليهيموا في هذا العالم على وجوههم؟ هذا عنف هائل.
○ لبنان يستقبل مليون ونصف نازح من سوريا؟
•ولهذا أضفنا مدينة طرابلس إلى عرضنا. «ميديا» تقول «إخواتي وأخواتي في المخيمات أغادير، الخرطوم، تونس وطرابلس». عنف النزوح مخيف، وهو امتداد لعنف كوني أكبر.
○ استحضرت محطات من الإرهاب الذي ضرب العالم ولا يزال مخيماً بظلاله. من المستفيد من العنف المتزايد برأيك؟
•دلالات العرض لم تتناول فعل المؤامرة. والسؤال الأكبر عن الدافع الذي يجعل هذا البني آدم يمارس هذا العنف على ذاته، وعلى الآخرين؟ عندما تقول «ميديا»: «يا بحر بدي احرق جوفك..أبيد سمكك.. أسمم مرجانك..» وتواصل هجومها على النار والهواء والأرض، وتختم بالقول: «لا يا ولدي لن أسمح لكم تورثون غضب بني آدم». هذا ما تقوله قبل أن تعصر «ميديا» البرتقال وتقتل ولديها.
○ هل الانتقام فعل سياسي؟
•استشهدت بصيغة الكاتب الروماني سينيكا وقلت «قد نرى في صيغة سينيكا لأسطورة ميديا أن تصبح في خانة الإنتقام السياسي أو البعد السياسي». كافة مشاعر الفرد يمكنها أن تكون مادة سياسية للخير وللشر. فالسياسة هي عبارة عن امتداد لنزعات موجودة لدى كل فرد. أزمة ميديا تكمن في طلاق زوجها لها، وعجزها عن التعامل مع أزمتها. تقود «ميديا» مقاربة بين وجودها كشخصية عامة تدافع عن حقوق المرمين في الأقفاص، وقصتها الخاصة كمطلقة. من هنا تبدأ السردية بالتصاعد.
○ أردت ميديا ضمير اللاجئين؟
•هي تسمي نفسها كذلك عندما تقول «كورينث يجب أن يكون لها ضمير. وإن لم يكن لها ضمير فأنا ضميرها».
○ لماذا تحرص على تنوع الحضور العربي في مسرحك؟
•هذا العرض جمع بين تونس ولبنان وسوريا وفرنسا. ويستطرد ضاحكاً «بالمناسبة فرنسا من أهم الأقاليم العربية». لاشك هذا التنوّع يشكل غنى. فممارستي الفنية والمسرحية مفتوحة. وأياً كانت تشكيلات الفرقة في أعمالي المسرحية فهي رافضة للإنغلاق ولفكرة القوقعة. وهذا يأتي تعبيراً طبيعياً انسابياً وعادياً من قبلي. ألتقي مع الآخرين في مدن وأقاليم مختلفة، وحين أجد مناسبة لنتعاون معاً ضمن عروض «مسرح سبب» أعبر عن أمنيتي هذه. وهذا ما كان في الثلاثية الشكسبيرية والفرقة التي ضمت أعضاء من بغداد وبيروت والكويت ولندن ودمشق. تعاونت مع الأستاذ نقولا دانيال على مدى عشر سنوات في عروض «مؤتمر آل هاملت» وفي «ثالث مأساة عربية». وفي «ودار الفلك». وتعاونت مع فايز قزق من الشام في عملين. ومع أمل عمران في عملين. ومع فيصل العميري من الكويت في عملين أيضاً.
○ متى تأسس «مسرح سبب»؟
•تأسس مع جولة الثلاثية الشكسبيرية. «مسرح سبب» فرقة تمارس حياتها كما الطيور المهاجرة. بمعنى أنها تستقر في أزمنة ومواسم، في أماكن بهدف خلق العمل أو تقديمه.
○ وماذا عن علاقة «مسرح سبب» بالكويت؟
•هذا تقاطع يأتي من باب الصدفة. أنا من الكويت وعندي مركز إنتاجي في وطني. أعمل خارج إطار المنظومة الثقافية الكويتية على صعيد الدولة. ولهذا أسبابه ومن ضمنها، أنه لم يعد هناك منظومة ثقافية لدولة الكويت. تمّ تصحير المنظومة الثقافية بمعنى الكلمة على مدار أربعة عقود. وهذا عار.
○ وهل هو من ضمن التصحر الثقافي العربي العام؟
•جزئياً أكيد.
○ وهل من سبب لهذا السلوك ديني أم سياسي؟
•تكثر الأسباب. منهم من ينظر إلى المشروع الثقافي الوطني أو العربي على أنه ترف. مع العلم أننا مررنا بمراحل لم ير خلالها القياديون في الثقافة هذا الترف. بالتالي مع تغير الأزمنة والقناعات صارت مسألة التصحير الثقافي وكأنها واجب على أية سلطة.
○ ماذا تفكر في هذا البرد القارس الذي يلفّ العالم وبخاصة الدول العربية؟
•أفكر بدفء القلوب.
○ ماذا قال لك العرض في بيروت؟
•نتحاور بعد العرض الأول مما يعني أننا لا نزال أمام مواجهتين مقبلتين مع الجمهور. يحضر لي الآن أمران عن العرض في بيروت. البارحة «ليلة العرض الأول» كانت صالة منصتة وجميلة، وجدته احتفاء بالعرض. جمهور أكد لي ظني بوجود عشق حقيقي ومستمر، وتوق دائم للجمال رغم صعوبة الظروف في بيروت. إنه توق للرقي والكلمة الحرة والعصف الذهني، كل هذا ما يزال موجوداً في هذه المدينة رغم تحديات الطقس، والدولار والكهرباء إلى آخره. هذا من جهة، والأمر الثاني أنّ مشروع «مسرح سبب» الذي نمضي فيه يتمثّل بجولة عربية لها استدعاءاتها. أنا من تجولت كثيراً مع فرقتي شمالاً وجنوباً أقوم بجولة عربية في هذه المرحلة، لكوني أشعر أنّ عملي المسرحي الذي يخاطب جمهوراً من ثقافات مختلفة، من المهم أن يقدّم لأجيال شابة في هذه البلدان. ولا يكفي أن نقدّم عرضاً وحيداً في منطقتنا وأربعين عرضاً في أوروبا. فما هي الفائدة من ذلك؟
○ أين محطتك التالية في هذه المدن العربية؟
•هناك عروض ما تزال قيد الدراسة. الثابت أننا في شهر حزيران/يونيو سنكون في نابلولي، وكذلك في اسطنبول. وننتظر تبلور مواعيد العروض التي ندرسها.
○ تنوع اللغات في عروضك ما هي أهدافه؟
•نحن حيال لغتين أساسيتين العربية والإنكليزية. وهو خيار فني وحسب، فانتقال الناس من خلال الهجرة، وتبدل ظروف الحياة الاجتماعية ربما من خلال الزواج أو سواه، يؤدي للغة منزل مختلفة عن اللغة الأصلية. انها هموم الثقافة المختلطة، وعندها لن تكون لغة المنزل هي اللغة الوجدانية التي يفكر كل منا من خلالها.

- الإعلانات -

#سليمان #البسام #الإشكاليات #الكبرى #تحاصر #عالمنا #وماذا #يعني #نزوح #مئات #آلاف #البشر #عن #ديارهم #القدس #العربي

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد