- الإعلانات -
(شخصيات) البرغثي الأردنية والليبية والعربية

يونس شعبان الفنادي
(كاتب وإعلامي من ليبيا)
عندما أَهديتُ كتابي «إبداعاتٌ أردنية وكتاباتٌ ليبية» الصادر سنة 2018 في طرابلس إلى روح الأديبين الصديقين الراحلين الدكتور عيسى الناعوري من الأردن والدكتور خليفة التليسي من بلدي ليبيا، كنتُ أظن أنهما النموذجان الوحيدان المتفردان اللذان يمثلان العلاقات الأخوية الأصيلة بين الأشقاء الأردنيين والليبيين، لكن كتاب «شخصيات» للدكتور محمد حسن البرغثي الذي التهمتُ صفحاته المائتين والأربعين تقريباً مع أربعين صفحة أخرى للصور الفوتوغرافية، فنّد وبدّل فكرتي عن ذلك، وأتاح لي التعرف على منظومة علاقات إنسانية ومهنية واسعة أ?سها هذا الكاتب والمثقف الليبي طوال فترات عمله الثلاث التي أمضاها سفيراً لليبيا في عمّان (2007-2019) مع أصدقاء وزملاء ومعارف في المملكة الأردنية الهاشمية.
يقول البرغثي في مقدمة كتابه الصادر مؤخراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر: «هذا كتابٌ يتناول أربعين شخصية تم اختيارها لاعتبارات مختلفة، في الغالب لها صلة بالعلاقة التي ربطتني بهذه الشخصيات من جهة، والدور الذي لعبته هذه الشخصيات في الحياة العامة من جهة أخرى»، ويضيف: «أغلبُ شخصيات هذا الكتاب جاءت من الأوساط السياسية والثقافية، ولعل مرجع ذلك أن محطات عملي كانت في المجالات الأكاديمية والثقافية والسياسية. وهنا أود الاشارة إلى أن الشخصيات السياسية بطبيعة عملها ومواقفها، شخصيات لها وعليها، هناك من يتفق معها وه?اك من يختلف حولها، والكتاب لا يذهب في اتجاه تقييم أدوار هذه الشخصيات فهذا شأن آخر له أصحاب اختصاص ودراية».
استعرض الجزء الأول من الكتاب أربعين شخصية أغلبها أردنية وأخرى ليبية وعربية من العراق ومصر وفلسطين والسودان وتونس ارتبط معها البرغثي بعلائق مختلفة وفي أوقات متباينة، لكنه يكنّ لها جميعها الكثير من المحبة والتقدير. وقد ظل عمل هذه الشخصيات في الغالب هو المجال الدبلوماسي والسياسي، عدا الشخصيات الليبية التي تناولها البرغثي (خليفة الفاخري، محمد الشلطامي، محمد المفتي، حسن السوسي) والتي تعد من أهم ركائز الشعر والفكر والأدب الليبي، بالإضافة إلى والديه الراحلين، وشخصية الراحل أبوزيد عمر دورده الذي عُرف باهتماماته ال?دبية وكتاباته القومية الفكرية المبكرة، وكذلك الأستاذ إبراهيم بكار، والأستاذ جادالله عزوز الطلحي الدبلوماسي والوزير الذي أصدر مؤلفات عدة مهمة، والدكتور علي عتيقة صانع الخطة التنموية بعد الاستقلال، والدكتور علي الساحلي والشاعر معتوق الرقعي وزيرَي دولة الاستقلال في ليبيا.
إن كتاب «شخصيات» للدكتور محمد البرغثي يمكن اعتباره نافذة مهمة على محطات سيرة ذاتية مهنية، أبانت تجارب ومواقف متعددة لصاحب الكتاب الذي بدأ حياته طالباً مجداً مثابراً تمنت والدته أن تراه طبيباً، لكنه بعد أسبوعين تقريباً من الدراسة في الثانوية العلمية، غادرها والتحق بالثانوية الأدبية لينطلق مشواره التعليمي حتى نيله درجة الدكتوراة في علم الاجتماع، ومن ثم انخراطه في المجال الأدبي كاتباً ورئيس تحرير لإحدى المجلات الثقافية الشهيرة في ليبيا (الثقافة العربية)، وأستاذاً أكاديمياً يملك رأياً مشاكساً كان سبباً في تعثر?قبوله معيداً بالجامعة لولا تدخل العقيد معمر القذافي حين أعاده إليها، وهو ما وفر له حماية أبعدته عن دائرة الخطر ورموزها من عناصر اللجان الثورية.
اعتمد البرغثي في منهجية تحرير كتابه «شخصيات» على شهادته الخاصة وتجربته الذاتية وروايته الشخصية بقلمه، إضافة إلى نقله اقتباسات عديدة لبعض الشخصيات التي تناولها سواء من خلال حواراتهم المنشورة أو كتبهم الصادرة أو من خلال أحاديثه الخاصة معهم.
- الإعلانات -
ومن الملاحظات التي نكتشفها حول النخبة السياسية الأردنية من خلال الشخصيات الأردنية الواردة بهذا الكتاب، المستوى التعليمي المتقدم للسياسيين الأردنيين، والمدرسة الدبلوماسية الملَكية التي أطّرت هذه الشخصيات لتوطين قيم الوطن والتقاليد المتوارثة ورسخت الأسلوب الراقي في التعامل مع كبار الشخصيات والأفراد على حد سواء، وكذلك التعاطي الموضوعي مع الأحداث والأزمات التي تعصف بالوطن العربي وبالأردن الحبيب على وجه الخصوص.
كما تتأكد لنا صدقية قلم الكاتب من خلال موقفين طريفين حدثا أثناء طفولته، لكنهما رغم ماضيهما البعيد ظلا حاضرين في ذاكرة وفكر البرغثي كدليلين يقودانه ويوجهانه وهو الأستاذ والأديب والدكتور والسفير في كل مراحله العمرية ومناصبه الوظيفية العليا، لم يتجاوزهما في سيرته الذاتية ولم يتغافل عنهما بعد كل هذه العقود الزمنية، فهو يحسب لوالده (الأب المعلم) حين وجد في حقيبته قلماً ليس له، تقصَّى أمره، وتحرّى مصدره: «تمتد يد الحاج لتمسك بيدي من معصمها، وليأخذ القلم ونذهب معاً، إلى بيت الطالب، يطرق والدي الباب، يخرج الأب، يس?ل والدي عن التلميذ، يأتي التلميذ مسرعاً من الداخل، يناوله والدي القلم، الأب يشكر والدي على مجيئه، في الطريق يقول لي الوالد: إياك إياك أن تأخذ ما ليس لك» (ص137).
أما الموقف الطريف الثاني فهو: «عندما حاول الطفل الصغير أن يمسك بمقلاعه ليصطاد حمام الجيران، امتدت يد الجارة لتلقي القبض عليه، وتمسك بيده وتذهب به مجروراً إلى بيته، تسلمه للحاجة خديجة مرفوعاً، التي اعتذرت للجارة، ومنذ ذلك اليوم وضعتْ حداً لممارسة هواية الصيد، ولتعلِّمني درساً بأن الجار ينبغي أن يُحترَم ويُصان» (ص182).
هل تراجعَ الأدب والصحافة أمام السياسة لدى البرغثي؟
هكذا تسألتُ وأنا أنهي قراءة كتاب «شخصيات»، لأني لم أجد أيّ شخصية لشاعر أو قاص أو روائي أو كاتب أردني من بينها، وكذلك غابت الروح الصحفية التي كانت لدى البرغثي متوقدة ومتوهجة لعقود، وإلا لوفر لنا لقاءاتٍ وتحقيقاتٍ وزياراتٍ لمدينة المفرق الأردنية وشخصياتها وأعلامها، وهي التي أسسها المجاهد علي باشا العابدية بعد هجرته إلى شرق الأردن إثر استشهاد شيخ الشهداء عمر المختار، حيث منحته حكومة الأردن قطعة أرض لتعميرها وتأسيس مدينة عليها، وقد صدر سنة 1944 قرار بأن تكون «المفرق» بلدية وتعيين علي باشا العابدية رئيساً لها، ?محمد الأوجلي نائباً له.
كما أحسستُ بأن شخصية الأديب والكاتب والصحفي محمد حسن البرغثي قد تراجعت بل وغابت تقريباً أمام شخصيته الدبلوماسية واهتماماته وجهوده السياسية، فكم تمنيتُ لو أن مشهداً أو شخصيةً شاعرة أو أدبية مماثلة للراحلين عيسى الناعوري وخليفة التليسي قد ازدان بها كتاب «شخصيات» ليجدد البرغثي الأمل في أن المثقف الدبلوماسي لا يتخلى عن قلمه!
#شخصيات #البرغثي #الأردنية #والليبية #والعربية
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
