- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

«علم الإقناع».. حجر الزاوية فى الاقتصاد العالمى

الإقناع هو عملية التأثير على المواقف والسلوكيات بهدف التغيير أو السعى لتحقيق مكاسب معينة، وتستند عملية الإقناع على ملكات خاصة لدى بعض البشر، ورجال الأعمال يطلقون على تلك العملية “مظلة النفوذ”.

 
عندما نتحدث عن “فن الإقناع” يتبادر إلى أذهاننا كونه قوة رهيبة تنبعث من داخل موهبة أعطاها الله للبعض ومكنهم من التأثير فى غيرهم، لكن هذا الشعور يعتبر نصف الحقيقة، لأن الحقيقة الكاملة هى أن فن الإقناع يحتاج بالفعل للموهبة الربانية، لكنه هو فن مكتسب يمكن لأى أحد الاعتياد عليه من خلال التدريب، وفى أحيان أخرى يخلط البعض بين الإقناع وبين “الفهلوة”، وذلك رغم الفرق الكبير بينهما، فالإقناع هو استراتيجية كاملة تقوم على الحجج المنطقية خطاب العقل للوصول إلى النتيجة المرجوة، بينما “الفهلوة” تسعى للتأثير التأثير فى الأشخاص عن طريق “الفبركة”، وذلك للضغط عليه ليقوموا بعمل ما تريده أنت؛ صحيح أن كلا الحالتين يهدفان إلى التأثير على الآخرين، إلا أن الاختلاف بينهما يكمن فى أن “فن الإقناع” يأخذ فى عين الاعتبار المزايا التى سيحصل عليها الخاضع للتأثير وليس فقط المزايا التى ستتحقق للمؤثر.
الإقناع هو فن الممكن
يقول الكاتب “هارى ميلز” فى كتابه “فن الإقناع” إن القدرة على الإقناع ميزة عظيمة وهامة فى الحياة وفى العمل تحديدا، وقد تكون أحد العوامل الفارقة فى مدى نجاح إنسان من عدمه، ولا شك أننا حين نلتقى بأشخاص لديهم تلك الملكة نكون منبهرين بهم بل ونغبطهم أحيانا على ذلك، فى حين أننا إن ألتقينا بمن لا يمتلكون تلك القدرة ولا جزء منها على الأقل،  نشعر على الفور أن الأمر ما هو إلا موهبة تماما، لذلك لا يعتبر فن الإقناع – أو كما يسمونه “فن الممكن” – فنا جديدا أو مستحدثا، فالإقناع قد شغل بال العديد من الفلاسفة، بدء من أفلاطون، ثم تلميذه أرسطو الذى شرحه باستفاضة فى كتابه “الخطابة” وعرفه بـ “فن التأثير فى الآخرين”، وقد حدد أرسطو معيار التساوى بين أضلاع المثلث المكون من الأخلاق والعاطفة والمنطق كمعيار لخلق أفضل وسيلة لإقناع الآخرين بسهولة، وذلك بما يتناسب مع طبيعة وشخصية وذكاء ودرجة تعلم المؤثر عليه.
خطاب الإقناع الآن فى الغالب يفتقد للحكمة والمنطق ويستخدم لدغدغة العواطف أو اللجوء إلى التهديد والوعيد، وهو أسوأ الخيارات أمام المقنع الذى يريد التأثير فمن أمامه، وذلك لأن هذا الخطاب يقيم علاقة من الكراهية، والكراهة تسبب العناد والرفض، وهو ما يؤدى بدوره لإفساد عملية الإقناع، وهذا الأسلوب لم يعد يصلح لهذا القرن الذى يتفوق فيه الإنسان بالذكاء الذى يسمح له بالتحليل، وهى تحديات العصر الذى أضحى فيه التأثير يحتاج لعوامل أكثر عصرنة من سابقتها القديمة، وربما هذا ما جعل نظريات الإقناع المعاصرة تتناول الإقناع من زوايا جديدة تسمى ما وراء الإقناع، وذلك من خلال استخدام الشكل والصوت والصورة  من قبل صانعى الإقناع، ومن ناحية أخرى قد يبدو من الغريب أن بعض الفلاسفة المعاصرين – أمثال فيليب بروطون – قد نظروا إلى الإقناع على أساس أنه نوعا من العنف يمارس على المتلقى فى عملية الإقناع، وهو عنف غير مباشر أو مضمر يستخدم الحيل بقصد التأثير الجبرى على المؤثر عليه، وحتى استخدام صيغة الإغراء فى الإقناع يعتبر عنفا مقنعا من وجهة نظر بروطون، حيث يود المؤثر أن يؤثر سريعا على المتلقى بصرف النظر عن أن الموضوع المراد الإقناع به كان ضروريا بالفعل أم منتجا مستهلكا لا ضرورة منه للمتلقى الآن، وقال بروطون إن المقنعين فى هذا العصر لم يتركوا بابا أو زاوية إلا وقد استغلوها حتى وصلوا لإدخال الدين فى عملية الإقناع فأنت كمتلقى ستفعل هذا أو ذاك من أجل مباركة الرب والحصول على الجنة.
النافذة المكسورة
أجسادهم قوية وعضلاتهم مفتولة وبدلهم تعج بالأوسمة والنياشين، لكن عقولهم حرفيا كانت مغسولة، إنهم الجنود الأمريكيون العائدون من أسر الصين لهم خلال الحرب الكورية ١٩٥٠.
لقد اكتشف الأمريكيون أن مبادئ الجنود العائدون قد تم التلاعب بها، وأن عقولهم قد تم السيطرة عليها، ذلك حينما لاحظوا اعتناقهم المبادئ الشيوعية بصورة ثابتة يصعب تغيرها؛ وحين تم التعمق فى الأمر اكتشف أن هؤلاء الجنود قد تم تعرضهم لعملية غسيل مخ أو دماغ بدأها الصينيون بسؤالين عفويين: ما الذى تحبه فى وطنك؟ وما الذى تكره فيه؟؛ وكان السؤال يتم تكراره لعدة مرات، وحينما بدأ الجنود فى سرد مساوئ وطنهم، قدم لهم الصينيون السجائر كمكافأة غير معلنة، كما كان يعرضون عليهم أحيانا الاغتسال بالماء الساخن ينسيهم صقيع برد الشتاء القارص؛ بعد ذلك حدث أن استلذ الجنود الحديث عن مساوئ الوطن وأسهبوا فى الشرح، وما كان ذلك إلا عملية من عمليات الإقناع دون صراخ أو صراع أو إطلاق طلقة واحدة فى صدر أحدهم؛ ومن ثم كانت العبارة الخالدة: ما أسهل أن تقتل عدوك .. وما أسهل أن تسقط مبادئه.
لا أحد ينكر تاريخيا أن غسيل المخ كان أحد الأنواع المستخدمة فى الإقناع، وقد طرح ذلك أثناء ورشة عمل بجامعة كولومبيا قدمها البروفسير “مارك توين” الذى قضى معظم عمره لدراسة هذه المهارة الناعمة التى تؤهل الفرد للعمل فى فريق التفاوض على الرهائن بجهاز الـ “أف بى أي”، وكانت أحد مخرجات تلك الورشة أن عملية الإقناع لا تأبه إطلاقا بقناعاتك ولا أفكارك إلا ما لدى الشخص المراد إقناعه، وبالطبع تأبه لمدى القدرة على المخاطبة والتأثير، فأسلوب والدتك أو والدك أو مدربك أو معلمك مختلف، لذلك فمعرفة نقاط ضعف من تخاطبه هى المهمة الاولي، وذلك لكى تستطيع التأثير على المتلقي، فأذكى المقنعين يدركون أن الإقناع يعتمد على فهم ما يرده الآخر، حيث يوجد دوما من تهمه الكلمات ومن تهزه الأرقام والإحصائيات أو من يهتم بالمنفعة السريعة أو من ينظر إلى المستقبل البعيد، ولعل ذلك هو العامل الأول فى نجاح الإقناع، فمعرفة مع من تتكلم؟ هى أول خطوة فى الإقناع، وكذلك استخدام سمعتك و”كاريزماتك” وعلمك وطريقة ارتدائك ملابسك ونبرة صوتك يدخل تحت ما يسمى “الإقناع الصامت”، وهذا لا ينطبق على الأشخاص فقط بل أيضا على الأماكن، وهو ما تطرق إليه “مالكوم جلادويل” فى كتابه “ذا بوينت”، حيث ذكر أن الأماكن وما تنقله لنا من صورة ذهنية وأحاسيس أبلغ من عملية الإقناع بالكلام، لذلك فأصحاب الأعمال والشركات يهتمون جدا بشكل المكتب وطريقة اختيار البنايات الشاهقة الضخمة الفخمة للتأثير الأول على الآخر من مجرد الرؤية؛ وهذا ما تطرحه نظرية “النافذة المكسورة” التى تزعم أن رؤيتنا لنافذة مكسورة لم يتم إصلاحها يؤثر علينا سلبا، وهو الأمر الذى يجعل مزيدا من النوافذ تكسر، فقد وجدنا أن لا أحد يهتم، أما إن وجدنا كل شيء مهندم سليم وفى مكانه، فيشعرنا ذلك بالراحة والهدوء والمحافظة على النظام والانضباط، لذلك كان المكان عنصرا مؤثراً ولا يزال فى عملية الإقناع، ويشمل ذلك الصور المعلقة على الحوائط أيضاً، ونوع الموسيقى الذى يناسب المكان واختيار الأثاث، بل والروائح المنتشرة بالمكان، وكل ذلك يسمى “الإقناع الصامت” الذى يبدأ بعده استخدام الإقناع بالكلام ولغة الجسد.
سينما الإقناع
بالطبع لم يفت القائمون على السينما العالمية التطرق إلى فكرة الإقناع وقوة التأثير عبر الأفلام، خاصة فى الأفلام التى تناولت “مندوبى المبيعات” و”سماسرة البورصات” و”وكلاء المستثمرين”، ومنها بالطبع قصص صعود الأثرياء فى شارع “وول ستريت”، وهو شارع المال والأعمال الأشهر فى أمريكا، وهذه المسيرة فى عالم الإقناع سينمائيا بدأت منذ أوائل فترة الخمسينات من القرن العشرين من خلال فيلم “موت بائع” المأخوذ عن مسرحية بنفس العنوان لآرثر ميللر الكاتب المسرحى الشهير، وقد أعيدت صناعة الفيلم بنفس العنوان أكثر من مرة بأبطال مختلفين حتى تحول فى ١٩٨٥ إلى عمل درامى تليفزيوني.
وفى التسعينات من القرن العشرين، وجدنا توم كروز فى أحد أفلام سلسلة “مهمة مستحيلة” يتعرض لنفس التيمة، وأصبح هذا الفيلم من أقوى أفلام السلسلة على المستوى النقدي، وبعدها يدخل فيلم “جيرى ميجر” إلى الترشح لجائزة الأوسكار، وهو الفيلم الذى يمثل درسا فى علم وفن الإقناع من خلال عالم الرياضة والرياضيين.
وفى الألفية الجديدة يستمر الموضوع فى الطرح فى عدة أفلام أغلبها يبدأ برصد قصص الكفاح لفقراء الحال الذين استطاعوا الوصول لأعلى درجات القمة فى عالم التجارة عن طريق استخدام فن الإقناع، ومنها فيلم “ذا بولير روم” الذى يدور فى عالم البورصة والمساهمين، وفيلم “سانك يو فور أيمكنج” المأخوذ من رواية للأمريكى كريستوفر باكلي، وهذه المرة يعرض الفيلم لمهارات المراوغة والإقناع للدفاع عن نشاط شركات التبغ التى تواجه الرأى العام وتنجح فى كتابة عبارة “مضر جدا بالصحة” على أغلفة علب السجائر.
أما فيلم “السعى للسعادة” فهو درس مفيد فى فن المبيعات بشكل عام، وقد اعتبره النقاد من السير المحفزة والملهمة فى السينما العالمية، وهذا الفيلم مستوحى من قصة حياة رجل الأعمال الشهير “كريستوفر جاردنر”، ويركز الضوء على بداية طريقه للنجاح، وهو نفس فكرة نجاح فيلم رجل الأعمال “راى كروك” صاحب أشهر مطاعم الوجبات الجاهزة مالكدونالدز، وبالإضافة إلى مجموعة أفلام عن شارع وول ستريت، ومنها فيلمى “مايكل دوجلاس” بعنوان “الأموال لا تنام”  وفيلم “ليوناردو دى كابريو” “ذئب وول ستريت”، يأتى الفيلم الأشهر فى عام 2016 “المتدرب” بطولة روبرت دنيرو، ويتطرق بشكل أو بآخر إلى فن الإقناع. 
أهمية الإقناع الآن
بلغت مهارات التأثير والإقناع منازل هامة فى عصرنا الحالى بجميع القطاعات بفضل التكنولوجيا التى جعلت الإقناع صعباً عن ذى قبل، فقد أصبح العالم صغيرا بعد أن دخلت وسائل التواصل الاجتماعى على الخط، وأصبحت عمليات البيع والشراء إحدى وظائفها، وهنا أصبح التأثير وعناصر الجذب هامة جدا وتحتاج إلى مهارات مجمعة من الفنون المختلفة للإبداع بعدما كان الكون مكتفيا بالصوت الجهورى فقط كوسيلة من وسائل الإقناع، وفى الحقيقة لقد بات الشكل أيضا عاملا هاما جدا من وسائل التأثير، خاصة فى العروض التى باتت تنهال من المتاجر المختلفة فى شكل بوتقة تقول لمن سيأخذ واحدة من هذا المنتج سيحصل على اثنين مجاناً، وهو الإغراء الذى أمسى هو الآخر عنصرا يضاف إلى عناصر الإقناع بصورة مذهلة، ولقد بدأت الشركات الخاصة بالدعاية و التسويق عملها القائم على الإقناع، والتسويق هنا يعنى العرض وأسلوبه، وهى وظيفة جديدة هامة وصعبة، فالتسويق قد يقنعك بشراء شيء لم تكون فى العادة تشتريه، لذلك أصبحت وظيفة البائع ليست البيع فقط، بل أضحت وظيفته الإغراء أيضاً، فيقول لك اشتر كذا لتربح كذا.

- الإعلانات -

#علم #الإقناع. #حجر #الزاوية #فى #الاقتصاد #العالمى

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد