- الإعلانات -
فن الشارع: «إنفايدر» يغزو بكائناته الفضائية جدران باريس | القدس العربي

- الإعلانات -
منذ 24 ساعة

ثمة مدينة تزدان بالحياة في كل لحظة، وكل ما في المدينة ما زال قادراً على إدهاشي واستيقافي لأيام، بل ربما لسنوات. إنها باريس المُشرقة رغم رمادياتها التي تألفها مع الوقت. وكما قال ميخائيل جيرمان الكاتب والمؤرخ الفني الروسي ذات مرة: «باريس مدينة في غاية الفخامة، لأن العالم كله أحبها على مدى أجيال عديدة، على الرغم من أن معظم الناس لم يعرفوها عن قرب».
فكيف إذا عرفتها عن قرب وأُغرمت بالسير في شوارعها عبر (La Coulée Verte الأخضر المتدفق، كما تحلو لي تسميته. هو مكان فريد في قلب العاصمة الفرنسية، وأفضل مكان لبدء جولة فنية في الشارع: ممرات خضراء، ساحات عصرية، أجواء مفعمة بالحيوية عندما تتسلل الأعمال الفنية من زاويا المباني التاريخية، برؤية إبداعية وتجارب فريدة، فبدوت عازمة على اقتناص بعض من فنون الشارع الأكثر إثارة للاهتمام في المدينة.
هنا عمل لـ«إنفايدر» Invader بحيث من المستحيل عدم ملاحظة مربعات الفسيفساء التي تغزو زوايا الأبنية في مختلف أنحاء المدينة، فتقودك إلى عالم من الاستمتاع والتقصي من عمارة إلى أخرى، فتظل مربعاته وشخصياته عالقة في الأذهان. جولة لم تقتصر على حد الاستمتاع بالعمارة والسير على الأقدام، بين أجمل المشاهد وحسب، بل امتدت إلى فرص اكتشاف التاريخ والفنون التي لا تقارن. الفنان الفرنسي المعروف باسم Invader (1969) هو الرجل الذي يقف وراء فن الشارع الأكثر شهرة عالميا بعد بانكسي. هو عازف فسيفساء، تتوالد شخصياته المستوحاة من ألعاب الفيديو في السبعينيات، وكأنها نوتة موسيقية تغزو جدران باريس لتكتمل السيمفونية في جميع أنحاء العالم من باريس ولندن ونيويورك إلى ملبورن ومومباسا. وإذا عدنا إلى فن الشارع الذي ولد في نهاية الستينيات مع رسوم في قطارات الأنفاق ثم الغرافيتي، نجد أنه ارتبط لفترة طويلة بالتخريب والحركات الاحتجاجية، إلا انه حاليا فقد جزءا من هذه السمعة المتفجرة. قد يستخدم بعض الفنانين «التخريب» بالمعنى الذكي كوسيلة لزيادة الوعي بالقضايا الاجتماعية والسياسية، بينما يستخدم فنانون آخرون المساحة العمرانية، كفرصة لعرض أعمالهم الفنية الشخصية. الدافع الشائع في غزو هذا الفن للمساحات العامة، رغم التحديات والمخاطر المرتبطة بتثبيت هذه الأعمال غير المشروعة، هو التحليق خارج السرب والابتعاد عن أماكن الفن التقليدي، حيث لا حسيب ولا رقيب، ما يسمح للفنانين الوصول إلى جمهور أوسع بكثير مما تسمح به الأنماط، أو صالات العرض الأخرى. وهذا ما يؤكد عليه «إنفايدر» بقوله: «يتعلق الأمر أولاً وقبل كل شيء بتحرير الفن من أغراضه المعتادة، التي يمكن أن تكون عليها المتاحف أو المؤسسات».
فهل بات ما نشاهده اليوم ونتتبعه يشكل اعترافا بحركة ولدت قبل خمسين عامًا ونيّف في الشارع؟
إن الذين يرسمون على الجدران وفي الطرق والساحات باتوا يمثلون اليوم حركة فنية قائمة بذاتها، بعدما كان رجال الشرطة في الماضي يطاردونهم لكونهم ينتهكون الفضاء العام في المدينة، ويشوّهون صورته. فالعاصمة الفرنسية تدرك الإمكانات الإبداعية (والجاذبية السياحية) لمشهدها الفني في الشارع النابض بالحياة، بحيث أصبحت بعض البلديات تطلب من الفنانين تنفيذ جداريات كبيرة يراها الجميع. لكن يبقى لهذه الفنون سحر الخفاء والتنفيذ بعيداً عن أعين المراقب، أي التسلل ليلاً إلى عمق شوارع المدينة، بحثاً عن جدار يُرسم خارج العين المراقبة للشرطة والكاميرات الأمنية. فلا يوجد إغراء حقيقي دون الغموض، وكلما كان الغموض قوياً، تكون الحياة مثيرة.
هكذا بدأ «إنفايدر» منهجه الفني وسماه «الغزو»L’invasion لأنه في الغالب يتمّ دون موافقة مسبقة من صاحب الموقع، وهو اليوم الأول الذي طرح فيه أول Space Invader في أحد شوارع باريس، بالقرب من Place de la Bastille في عام 1996. هذا العمل المغطى الآن بطبقة من الجص، تحوّل إلى فضاء متحجر عالق في رواسب المدينة.

من أعمال «إنفايدر»
«إنفايدر»، قرصان الأماكن العامة يستبيح الجدران لنشر مخلوقات من الفسيفساء في الشوارع. فهو لا يجري وراء المتاحف حتى يعرض، بل هو يلهو في المدينة، يتمايل في الخفاء على جدرانها ويتحرش بجمهورها. الفن عنده ينشأ تحت أنظار الجمهور، على قماشة الجدار ويخلق علاقة تبادل مع الناس بيومياتهم، ويمنح الفن مجانا للجميع.. لا يطرح الفنان أعماله بشكل عشوائي، بل يختار مواقعه وفقا لمعايير مختلفة، يمكن أن تكون جمالية أو تكتيكية. يقول الفنان إنه يفضل المواقع ذات الازدحام الشديد، لكنه في الوقت نفسه لا يهمل المواقع المعزولة «فالمكان الجيد هو الوحي».
قام «إنفايدر»، منذ عام 1996 بتركيب سلسلة من Space Invaders مصنوعة من البلاط أو الفسيفساء على جدران المدن الكبرى. ليطوّر في عام 1998 هذا المشروع بموضوع اجتياح كائنات فضائية الكرة الأرضية ويعمل عليه في مختلف أنحاء العالم. الهدف من هذا المشروع تحرير هذه الكائنات من شاشات التلفزيون الخاصة بألعاب الفيديو وإحضارهم إلى عالمنا المادي.
بدأ كل شيء في اليوم الذي قرر فيه الفنان إعطاء مظهر مادي للبكسل من خلال بلاط السيراميك.. «أردت في البداية إنشاء سلسلة من «اللوحات القماشية» لكن سرعان ما أدركت أن البلاط هو المادة المثالية لعرض هذه القطع مباشرة على الجدران، ثم خطرت لي فكرة نشر مخلوقاتي على جدران باريس، وبعد ذلك بفترة وجيزة في مدن حول العالم». هذا النهج الذي يعتمده الفنان هو بمثابة الرموز المثالية لعصرنا، بل هذه المخلوقات المصنوعة من وحدات البكسل يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط: المواجهة بين الفسيفساء والبكسل، تحويل لعبة الفيديو إلى واقع، وعملية غزو على نطاق عالمي. وهذا يثبت مكان التقنيات الرقمية كالقلب النابض لعالمنا.
من أول عمل له عالق على جدار بالقرب من الباستيل في التسعينيات إلى نجاحه الدولي اليوم، طوّر الفنان العديد من التقنيات التي تسمح له بالتكيّف مع المواقف المختلفة مثل وقت ومكان الغزو، حجم الفسيفساء، وارتفاع الجدار… استخدم الإسمنت أو المواد اللاصقة المبتكرة والفعالة للغاية لكي يكون الأسرع والأكثر تفرداً، كما اختار الفنان الظهور مقنّعاً خلال مقابلاته للحفاظ على هويته، يقول: «على هذا النحو، يمكنني زيارة المعارض الخاصة بي دون أن يعرف أي زائر من أنا حقا، حتى لو كنت أقف على بعد خطوات قليلة منه. ليس لدى «إنفايدر» رسالة سياسية يوصلها للعالم، هو ينشد التجريب الفني وليس المعارضة السياسية، بحيث يعمد إلى إزالة السياق عن مفهوم الفن لإحضاره إلى الشارع، ومفاجأة الناس العاديين في يومياتهم، مع ابتكار أعمال جديدة باستمرار. هذا المشروع يشبه لغزاً مرمزاً أو مشفراَ، يترك بصمة ليس فقط في الشوارع، لكن أيضا في الأذهان.
«إنفايدر» المتخفي وراء قناع من البيكسل يغزو جدران باريس وفضائها بمخلوقاته الفسيفسائية ذات الجمالية المبسطة من حيث التقنية، كمعزوفة لونية تتراقص في الفضاء العمراني.
أكاديمية وتشكيلية لبنانية
#فن #الشارع #إنفايدر #يغزو #بكائناته #الفضائية #جدران #باريس #القدس #العربي
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
