- الإعلانات -
في رحيل عالم الآثار العراقي عبد الأمير الحمداني
وقال رئيس الجمهورية، برهم صالح، في تغريدة: “بحزن وألم بالغين، تلقينا نبأ وفاة عبد الأمير الحمداني، الشخصية الثقافية، والوزير السابق، والخبير الآثاري البارز في حضارة وادي الرافدين”. كما قدم رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، التعازي في بيان جاء فيه: “ببالغ الأسى والألم ننعي للأوساط الثقافية والأكاديمية العراقية، الدكتور عبد الأمير الحمداني، وزير الثقافة السابق، وعالم الآثار والشخصية العلمية المعروفة، إثر مرض عضال.. والراحل كان علامة مضيئة في الجهد الآثاري والبحث العلمي المختص، وكل ما يتعلق بتقديم المعرفة والتحقيق في الإرث الرافديني، وتأريخ الحضارات العراقية؛ وهو ما كرّس له نفسه وحياته الغنية بالعطاء”.
بدوره، نعى الحمداني رئيس مجلس النواب، محمد الحلبوسي، قائلًا في تغريدة: “خالص التعازي للأسرة الأكاديمية والوسط الثقافي برحيل العالم الآثاري، ووزير الثقافة السابق، الدكتور عبد الأمير الحمداني، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يلهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون”.
كما نعته وزارة الثقافة في بيان لوزيرها جاء فيه: “بحزن وأسف أنعي إليكم معشر المثقفين والأصدقاء الخبير الآثاري والوزير السابق، أبا حيدر الأصيل، الطيب. هكذا رحل ليخلف في قلوبنا جمرة تتقد، رحم الله روحك النقية”.
ومع الحزن الواسع الذي جلّل صفحات التواصل الاجتماعي، للأدباء والمثقفين والآثاريين وأساتذة الجامعات، في نعي هذا العالم الجليل، اتهم اتحاد الأدباء والكتاب في محافظة ذي قار، في بيانٍ له، الحكومة العراقية بأنها تخلّت عن الحمداني الذي كان يرقد في أحد المستشفيات الأهلية في المحافظة، من دون رعاية حكومية، وهو الذي أصيب بورمٍ في الدماغ، وجرى علاجه على نفقة الجامعة الأميركية التي كان يحاضر فيها، إلا أن حالته الصحية تعرَّضت إلى الانتكاسة، وعاد إلى الناصرية، ليرقد في أحد المستشفيات الأهلية من دون أي اهتمام حكومي. وأكد البيان على أن عودة الحمداني إلى مدينته الجنوبية كانت بدعم من رجال أعمال عراقيين استأجروا طائرة خاصة لنقله، والآن تخلى عنه الوطن وحكامه.
حمل البيان في طياته كثيرًا من النقد للحكومة ومؤسساتها الخدمية، ورموزها الحزبية والوظيفية، التي لم ترعَ عالِمًا متميزًا في حقله، ولم تقدر جهوده العلمية الثمينة، التي قدّرتها الجامعات العلمية العالمية، ووفرت له المناخ الملائم صحيًا في آخِر تقدير.
العالِم الوزير
الحمداني من بين قلة من الآثاريين العراقيين الذين يُعدّون على الأصابع (د. بهنام أبو الصوف، د. دوني جورج، د. مؤيد سعيد، د. فؤاد سفر، د. نائل حنون، طارق مظلوم) كانت لهم أدوار مهمة في قراءات التاريخ العراقي القديم، وطروحات ميدانية ونظرية في تأصيل هذا الجانب الغامض من تاريخ العراق القديم. وشهدت لهم المؤتمرات العلمية العالمية حضورًا كبيرًا، ومساهمات نوعية في هذا الميدان الذي يعتمد على الحفريات والاكتشافات وقراءة الألواح الطينية المكتشفة لفهم المراحل التاريخية القديمة التي مرت على أرض سومر.
الحمداني كان تقلد منصب وزارة الثقافة والسياحة والآثار في حكومة عادل عبدالمهدي (2018 ـ 2020)، وتمكن في وقت قصير من أن يفصل بين كونه وزيرًا مرشحًا من أحد الأحزاب الإسلامية، وبين مهنيته كقائد لهذا المكان، وهو ما جعله قريبًا من الجو الثقافي، ولصيقًا بالمثقفين، بتواضعه الجم، وسلوكه المبدئي في التعامل مع المتون والهوامش بروح منفتحة على الآخرين، بعد أن حاول أن يبرمج خطته العملية بأن تكون الثقافة حالة اجتماعية عامة، أكثر من كونها نخبوية، بعيدًا عن تأثيرات الأحزاب والمتحزبين. بما يعني العمل، كما قال في أكثر من لقاء، على إعادة الثقة بالشخصية العراقية، فالعراق الحضاري بتجلياته المختلفة قادر على بناء البلاد من جديد، والبحث عن هويته الثقافية الجامعة التي تشكّل العمود الفقري المتين لصلابة البلاد.
أما سيرة الحمداني العلمية فيمكن إيرادها بهذه السطور التي تشفُّ عن امتلاء معرفي وثقافي وتاريخي، وهو السجين السياسي إبان حكم النظام السابق:
ـ يحمل شهادة الدكتوراة في علوم الآثار والأنثروبولوجيا من جامعة ولاية نيويورك الأميركية عام 2015 عن أطروحته “دول الظل- آثار السلالات الحاكمة في أهوار جنوبي بلاد الرافدين”. وقام بالتدريس في الجامعة المذكورة كجزء من متطلبات الحصول على الدكتوراة، وكانت محاضراته عن الحضارات المقارنة، والعلوم والتكنولوجيا في المجتمعات القديمة.
ـ نال شهادة ماجستير في علوم الآثار والأنثروبولوجيا من جامعة ولاية نيويورك عام 2013، وكان عنوان رسالته “العلاقات الاقتصادية والسياسية والمكانية بين القرى والمدن في بلاد سومر في بداية الألف الثاني قبل الميلاد”.
ـ عُين سنة 2001 منقبًا للآثار في الهيئة العامة للآثار والتراث. وهو مجال تخصصه العلمي والتاريخي.
ـ عين مدير آثار محافظة ذي قار، وترأس فريقًا لمسح وتوثيق المواقع الأثرية منذ عام 2003، ولغاية عام 2010. وكانت تلك السنوات حافلة بالحفريات والاكتشافات التاريخية في المدن التاريخية في مدينة الناصرية. وثّق ومسح ما مجموعه 1200 تل أثري في محافظة ذي قار، وأجزاء من المحافظات المجاورة، شملت مناطق الأهوار الجنوبية، والبادية الغربية، ومناطق شرق نهر الغرّاف.
ـ توضح دوره الوطني والعلمي بعد 2003، عندما أوقف عمليات النهب والسرقات للآثار، عبر تسيير دوريات حماية لكل المواقع الأثرية، فأعاد للمتحف العراقي ما يقارب 30 ألف قطعة أثرية كانت قد سُرقت. وحتى عام 2015، أعدّ قاعدة بيانات وأطلسًا رقميًا لمواقع العراق الأثرية باستخدام خرائط ومسوحات وصور جوية عالية الدقة.
ـ المنجز الذي حققه في وزارة الثقافة والسياحة هو في إعداد ملف ترشيح مدن أور، أريدو، أوروك، والأهوار، إلى لائحة اليونسكو للتراث العالمي. ونجح في جعل مناطق الأهوار الجنوبية على قائمة تلك اللائحة، الأمر الذي كان وما يزال يدعو إلى فخر العراقيين بهذا المنجز الاستثنائي. حتى أصبحت الأهوار اليوم مزارًا سياحيًا للوفود العربية والأجنبية. واجتذبت وسائل الإعلام من كل مكان. وكان يمكن أن تكون بابل على لائحة اليونسكو أيضًا؛ غير أن النظام السابق كان قد تدخل فيها، بما لا ينسجم وتاريخية المكان، عندما بنى قصر صدام على أعلى تلال بابل. وهو ما أخلّ بتاريخيتها بحسب اليونسكو. وبالتالي تم تأجيل النظر في هذه القضية، حتى تنظيف المنطقة الأثرية من مخلفات النظام السابق.
ـ شارك في العديد من المؤتمرات الوطنية والدولية عن الآثار، وألقى محاضرات في العديد من الجامعات الأوربية والأميركية بخصوص الآثار العراقية. كما أنه زميل العديد من المؤسسات والمراكز البحثية والأكاديمية العالمية منها: صندوق التراث العالمي؛ المركز الدولي لصيانة الممتلكات الثقافية؛ المؤتمر الدولي للآثار؛ المجلس الدولي للمتاحف؛ المجلس الأميركي لمراكز بحوث ما وراء البحار؛ المعهد الأميركي للدراسات الأكاديمية في العراق. كما قام بتدريس الآثار والتراث الثقافي في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وتونس، ولبنان، والعراق.
ـ حاصل على جائزة مجلس المدارس الأميركية كأفضل باحث في الدراسات الشرقية لعام 2013.
ـ تحت إشرافه، تم العثور على موقع أثري ومستوطنة بشرية في صحراء الناصرية تسمى “نبعة” تعود إلى الحضارة السومرية من سلالة أور الثالثة.
ـ عمل باحثًا زائرًا، ومديرًا للتدريب والتطوير الآثاري في جامعة درهام البريطانية ضمن مشروع “الآثار المهددة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، بالتنسيق مع جامعتي أوكسفورد، وليستر.
ـ أصدر كتابه “ألواح رافدينية ـ حكايا الماء والقصب والطين”، كمحاولة لإعادة قراءة الأدب العراقي القديم وفق منهج أنثروبولوجي، وإثنو- آثاري، من أجل فهم طبيعة النصوص التي تُرجم أغلبها من دون معرفة حقيقية بطبيعة المجتمع الذي أنتج تلك النصوص من النواحي الجغرافية والمكانية والبيئية. وهو بذلك يعيد قراءة الأثر الماضي قراءة علمية مبسطة وشارحة لكثير من الملاحم الأسطورية والترانيم والأناشيد الرافدينية، التي شكلت جزءًا من التراث الأدبي المحلي، وتخطته إلى عالميتها، كملحمة جلجامش، وأساطير عشتار، وغيرها.
ـ مشاركاته المتعددة عالميًا في المؤتمرات والندوات ظلت تشير إلى كفاءة الرجل في ميدانه محليًا وعربيًا وعالميًا، لا سيما وقد أخذ ينشر كثيرًا من المقالات العلمية في الدوريات والمجلات العراقية والأجنبية، باللغتين العربية والإنكليزية.
- الإعلانات -
#في #رحيل #عالم #الآثار #العراقي #عبد #الأمير #الحمداني
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -