- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

في ستينية نادي القصة في تونس: عودة «بودودة مات» و«طرننو» | رياض خليف

بعد عقود من النسيان والتجاوز، المرتبطين أساسا بتحولات الكتابة القصصية في تونس وتبدل خطابها ومشاغلها وأجيالها وظهور عشرات الأسماء الجديدة التي تمارس السرد وتصدر أعمالها وتدافع عن أطروحاتها، متجاوزة ما سبق حد الإلغاء، تعود رواية «بودودة مات» والمجموعة القصية «طرننو» للكاتب محمد رشاد الحمزاوي إلى الحياة والبحث النقدي، وتنبعثان من جديد في ذاكرة المثقفين والقراء، وتتجولان من سبيطلة إلى القصرين، غير بعيد عن موطن الشاعر وعن قرية تالة مدينة محمود والبرسيس وبودودة وغيرهم من شخصيات رواية «بودودة مات».
العملان يعدان حقا من علامات السرد التونسي بعيد الاستقلال في تلك الفترة التي لم تتخلص فيها الأذهان من سرديات زمن الاستعمار وبداية الاستقلال، واهتم الكتّاب بكتابة الذاكرة الوطنية، لذلك تحضر فيهما على غرار الأعمال المجايلة لهما صورة المستعمر وممارساته. وهي أيضا فترة تأسيس لمشهد سردي تونسي على أنقاض علي الدوعاجي أب القصة التونسية، وغيره من الكتاب الذين لم يدركوا مرحلة الاستقلال أو قضوا نحبهم في سنواتها الأولى.
محمد رشاد الحمزاوي يعد من ذلك الجيل الذي بادر وغامر بخوض تجربة السرد وتأسيس مشهد سردي جديد ظل خالدا في الذاكرة، رغم ما أصبح يقال فيه لأسباب نقدية. فهذا الجيل الذي ظهرت أعماله خصوصا في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مشيدا صرح السرد التونسي كتابا كتابا وقصة قصة، دافعا بذلك قطار الأدب التونسي المعاصر. فقد تربى جيلنا على أعمال محمد العروسي المطوي «حليمة والتوت المر» ومصطفى الفارسي «المنعرج والقنطرة هي الحياة» وعبد القادر بن الحاج نصر «الزيتون لا يموت» وبشير خريف «الدقلة في عراجينها» ويحيى محمد «نداء الفجر» وهند عزوز «في الدرب الطويل» ومحمد صالح الجابري «يوم من أيام زمرا» وغيرهم. ولعل أغلب هذه الأسماء كان يجمعها نادي القصة الذي تأسس في العاصمة تونس في بداية الستينيات وينسب تأسيسه إلى المطوي. وهي أسماء تشكل مؤسسيه وأعضاءه الأوائل. وقد ظل هذا النادي عنوانا ثقافيا بارزا، يقاوم الزمن ويجدد نفسه، ثابتا على تقاليده، محافظا على مجلته «قصص» متجاوزا الأزمات المادية التي يمر بها في مختلف مراحله، وهو يعيش مرحلته الثالثة حسب تقديري. فبعد فترة طويلة ترأسه فيها الأديب محمد العروسي المطوي، تلتا فيها فترة الكاتب أحمد ممو، آل الأمر في السنوات الأخيرة إلى كاتب من الجيل الجديد هو سمير بن علي.
أما مناسبة العودة فهي هذه الندوات التي ينظمها نادي القصة في الجهات احتفالا بستينيته، وكان من محطاتها الاحتفال في سبيطلة والقصرين بأدب الراحل محمد رشاد الحمزاوي عبر تقديم مداخلات مختلفة عن تجربته السردية، تناول بعضها عمليه الأولين المذكورين، في حين تناول بعضها الآخر أعماله الأخيرة التي جاءت بعد تجربة علمية عميقة، خاضها لسنوات مع المعجم العربي ومنها رواية سفر وهذر. والحقيقة أن المداخلات التي تعلقت بتلك الأعمال أثارت رغبة شديدة في الاطلاع عليها. فلم تحظ هذه الأعمال باهتمام إعلامي وظل مسكوتا عنها لأسباب لا تفهم.
اتجهت الندوة أيضا إلى الأحفاد، متواصلة مع الأجيال الجديدة من كتاب الجهة التي ما زالت تنحت أسماءها وتخوض تجاربها السردية، مثل محمد حيزي وهيام الفرشيشي وسمير بن علي وبرهان اليحياوي ومحمد الفطومي وعلي عمري وعمر السعيدي ومحمد الفاضل السعيدي وغيرهم. وهم مجموعة من كتاب الجهة ممن استقروا فيها وفي قراها أو ارتحلوا إلى العواصم. وقد قدم عدد من الباحثين مداخلات تهتم بمدونة هؤلاء الكتاب. وشهدت الندوة كذلك تكريما لكاتبة متميزة من هذه الجهة، أسهمت في المشهدين الشعري والسردي وهي فوزية العلوي التي تم تخصيص جلسة نقدية لأعمالها وتخصيصها بالتكريم في خاتمة الندوة.
ولعل هذه الأسماء تكشف هذه الخصوصية السردية التي تميز هذه الجهة التي تتسم بثراء رصيدها من الروائيين والقصاصين. فمن القصرين أيضا ينحدر الميزوني البناني وفتحية النصري وسماح محمدي وغيرهم من كتاب القصة والرواية.
ويمكن القول، إن نادي القصة بانفتاحه على الذاكرة السردية التونسية، على غرار ما فعله في قابس التي احتفى فيها بالراحل محمد الباردي، وبنزوله معززا بكل أفراد هيئته إلى الجهات الداخلية يصنع الحدث الثقافي ويخلص الساحة الثقافية من نوع من المركزة والركود الفكري الذي تشهده، باعثا مشهدا مضيئا في تجربة نتمنى لها الاستمرار ومزيد التوغل في مرابض كتاب القصة والرواية.

كاتب تونسي

- الإعلانات -

#في #ستينية #نادي #القصة #في #تونس #عودة #بودودة #مات #وطرننو #رياض #خليف

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد