- الإعلانات -
كيف يتم تشويه الفن لصالح الاستبداد
- الإعلانات -
كعادته كل عام يثير مهرجان الجونة السينمائي في مصر، الذي أقيمت دورته الخامسة خلال الشهر الحالي، المزيد من الأسئلة حول فائدة المهرجان ولمن يقام، وما الغاية منه، وحول استعراض السجادة الحمراء (الريد كاربت) في الافتتاح والختام، وفي عروض الأفلام والندوات خلال المهرجان، وما ترتديه النجمات والنجوم المدعوون إلى المهرجان، وفي كل عام يتحول المهرجان إلى مناسبة لشتم الفن والفنانين، واعتبارهم السبب فيما وصلت إليه حالة انحلال المجتمع العربي، والسبب في حالة الانهيار المجتمعي والمعيشي، بحيث يصبح التركيز كله حول نقطة واحدة فقط، هو السجادة الحمراء والأجساد التي تمشي عليها، ويصبح الخلاف حول أهمية المهرجان من عدمه، متركزًا على الخلاف بين المتشددين وبين الليبراليين حول طريقة لباس النجمات وسلوكهن والأحقية في ذلك. ورغم أن أيام المهرجان الثمانية تكون محتشدة دائمًا بعروض أفلام جديدة ومهمة، وبندوات عن صناعة السينما وعن دورها في المجتمع وعن كل ما يتعلق بها، ورغم أن المهرجان يستقطب عددًا لا بأس به من الشابات والشباب المهتمين بهذا العالم، فإن الإعلام يتجاهل كل ذلك مركزًا فقط على ما يحدث على السجادة الحمراء، وكأن هذا الإعلام يتغذى مما سيتركه الخلاف حول الحدث من شتائم وقبائح تطال كل ما له علاقة بعالم الفن، وليس فقط بمهرجان الجونة ومدعويه.
ولأنني لست هنا بوارد الدفاع عن مهرجان الجونة، فلي بعض التحفظات عليه (حضرت ثلاث دورات منه)، إلا أن ثمة ما يستدعي الانتباه في كل ما يحصل وما يثار حول المهرجان، خاصة هذا العام حيث تحولت وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع التي تنشر أخبار المهرجان إلى مجزرة حقيقية من الشتائم والاتهامات بحق كل من شارك وحضر، وشارك في حفلة الشتائم معلقون من كل العالم العربي، ولم يقتصر الأمر على المصريين فقط، بما يجعل المرء يفكر في كل هذا الغضب الذي تظهره التعليقات والشتائم، وهل يستحق الفنانون المشاركون كل ذلك، حتى لو تمشوا عراة على السجادة الحمراء لا في ملابس قد يراها البعض خارجة عن المألوف؟!
لا ريب في أن عالمنا العربي يعيش حاليًا في أسوأ أوقاته بعد فشل الربيع العربي فشلًا ذريعًا، وإحكام العسكر السيطرة على البلاد من جهة ومن جهة أخرى تنامي المظلومية الدينية ومظلومية الإسلام السياسي، الذي وجد في سقوط تجربة الحكم الوحيدة له في مصر فرصة لإعادة حشد تعاطفي شعبي معه يمكن القول إنه ناجح إلى حد ما، بسبب البراغماتية التي يقوم عليها فكر الإسلام السياسي، ومعرفته بطبيعة الشعوب العربية، ومن جهة أخرى أيضًا عجز التيارات الديمقراطية المدنية المعارضة (الأنتلجنسيا العربية) عن تقديم خطاب جديد ببرامج عملية وحقيقية يمكنها أن تقدم بوادر أمل لشعوب غارقة في الجهل واليأس والفقر، وعاجزة أصلًا عن الوصول إلى هذه الشرائح المجتمعية، وهي الأكثرية في المجتمعات العربية، بل ظل خطابها متعاليًا ونخبويًا، وسرعان ما وجد نقاط تلاق مع الأنظمة الجديدة التي لم تكن سوى استبدال سطحي لتلك التي رحلت في بداية الربيع العربي، بينما بقيت المنظومة الحاكمة، بكل فسادها وتسلطها كما هي، وتحولت دول مثل سورية واليمن وليبيا إلى مناطق حروب واحتلالات وفوضى مدمرة وكوارث بشرية واجتماعية لا يبدو أن خلاصها سوف يكون قريبًا.
ترافق كل ما سبق مع انهيار اقتصادي وسوء في الأوضاع المعيشية وغلاء فاحش قضى تمامًا على الطبقة الوسطى، وارتفع معدل خط الفقر بشكل غير مسبوق، طبعًا دون نسيان أزمة اللاجئين وما يتعلق بها. وبالعموم يعيش العالم العربي دون استثناء حالة من الانحدار في كل شيء، المعيشي والقيمي والسياسي والأخلاقي والهوياتي، ويظهر كله بوضوح على وسائل التواصل الإجتماعي، التي تقدم منابر مجانية ومفتوحة لإظهار تجليات الخراب العربي المهول، والذي تكشف عن آخره خلال العقد المنصرم.
| |
| هل يستحق الفنانون المشاركون كل ذلك، حتى لو تمشوا عراة على السجادة الحمراء لا في ملابس قد يراها البعض خارجة عن المألوف؟! |
من يتابع اللغة والخطاب الذي يكتب به العرب تعليقاتهم تجاه الظواهر التي يعترضون عليها سوف يكتشف مقدارًا مهولًا من الغضب والعنف يتجلى في عسف اللغة واختيار أكثر المفردات العربية والدارجة قباحة يكتبها أصحابها كما لو أنهم يطلقون رصاصًا في وجه من يعترضون على سلوكهم، ولأنه ما من إعلام لا مرئي ولا مكتوب ولا إلكتروني بات مستقلًا عن ماكينة الأنظمة الحاكمة أو عن منظومة الإسلام السياسي، فإن مهرجانًا سينمائيًا مثل مهرجان الجونة مثلا، سوف يكون مدعووه هم الضحايا الذين تطلق عليهم طلقات الغضب والعنف والقهر الاجتماعي، ورغم أن القائمين على المهرجان ليسوا خارج نطاق المنظومة الحاكمة عمومًا، وكذا العديد من الفنانين المدعوين، إلا أنهم جهة مستقلة، وأفراد لا يصح تحميلهم مسؤولية ما يحدث في العالم العربي، ومطالبتهم بحل الأوضاع الإقتصادية والمعيشية وبناء المدارس والمشافي بدلًا من (مهرجانات التعري) كما يسميها المعترضون.
وليس مفاجئًا ولا غريبًا التحالف الخفي بين إعلام الأنظمة وبين إعلام الإسلام السياسي، في إبعاد نظر العامة عن أهمية مهرجانات فنية وسينمائية وإشغالها الرأي العام العربي بتفاهات متعلقة باللباس والأجساد المكشوفة، والسلوكات التي تمارسها شريحة اعتادت على نمط ما من السلوك، كان دائمًا مختلفًا عن السائد الاجتماعي في بلادنا، وهو أمر على ما يبدو لم يكن قبل انتشار وسائل التواصل معروفًا لعامة المجتمع. لم تكن حياة أحد أو سلوكه مباحًا كما هو عليه الآن، إذ كشفت وسائل التواصل، مع الأزمات المعيشية والمجتمعية المهولة، أن ثمة فجوة كبيرة في حياة شريحة (الفن) العرب، وبين العامة، وهي عمومًا فجوة في كل العالم، إذ في كل مكان يعتبر نحوم السينما والتلفزيون من شريحة الأثرياء، الفارق فقط أن نجوم العالم مشغولون بالشأن العام لبلادهم وللعالم، على عكس النجوم العرب الذين يعيشون في كنف الأنظمة وحمايتها، ويتم استخدامهم في الترويج السياسي للأنظمة، والأمثلة على ذلك كثيرة في كل بلادنا العربية دون استثناء.
لكن هل كل ذلك يستحق حملات الشتم والغضب ضدهم؟ ثمة في تلك الحملات احتقار واضح للفن عموما، وهو أمر كارثي، إذ أن اعتبار الفنون أمرًا زائدًا عن الحاجة بذرائع مختلفة (الدين والتحريم والفقر والتخلف) هو شيء لا يصب سوى في مصلحة الاستبداد أيًا كان، سياسيًا أو دينيًا، ولن تقوم قائمة مجتمع لا يعطي للفنون أهميتها ومكانتها، الفن بكل أشكاله هو إحدى الركائز الأساسية في تقدم المجتمعات، أما ما يحكى عن الفن (الهادف) فهو كلمة غائمة لا معنى لها سوى تمييع مصطلح الفن، فإذا كنا نتحدث عن الفنون فنعني بذلك الجمال والسمو وإشغال المخيلة البشرية وإنتاج الوعي الجمعي والحث على التفكير والسؤال والشك والبحث، ما عدا ذلك هو في بند الإسفاف، أو في بند دعم سردية الأنظمة الحاكمة، وهو الفن (الهادف) الذي يطالب به إعلام هذه الأنظمة.
شخصيًا لن أستطيع لوم أصحاب التعليقات الشاتمة والعنيفة ضد الفن والفنانين في مهرجان الجونة أو غيره، فالغضب المكبوت نتيجة اليأس والقهر الذي نعيشه نحن العرب مهول جدًا، بيد أنه يتوجه للمكان الخاطئ، يتوجه نحو من يريد مسببو الخراب العميم أن يتوجه نحوه، يعرف الاستبداد جيدًا كيف يوجه رأي الجماهير، ويعرف كيف يلعب بغرائزها وقطيعيتها، ولا يبدو أن هذا سوف ينتهي قريبًا، أظننا سوف نشهد المزيد من العنف والحملات والتشويه ضد كل ما يتعلق بالفنون، المصيبة الكبرى أن الكثير من (فناني) بلادنا ليسوا معنيين بما يحدث في المجتمعات العربية، وهذه الفئة منهم تشعر بنفسها وكأنها تعيش في فقاعة خارج إطار المجتمع، وهو ما سوف يزيد في الغضب والكراهية ضد الفن والفنون، وما أزمة فيلم “ريش” للمصري لعمر الزهيري (حصل على عدة جوائز عالمية مهمة، وحصل على جائزة أفضل فيلم عربي في الجونة) وما وجه إلى صناعه من تخوين واتهامات سوى دليل على الفقاعة التي يعيش فيها الكثير من الفنانين العرب.
#كيف #يتم #تشويه #الفن #لصالح #الاستبداد
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
