- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

محمية الفايجة التونسية حين يروي سكون الطبيعة وبهاؤها قصة بداية الخلق | القدس العربي

تونس ـ «القدس العربي»: تقع محمية الفايجة أو الحديقة الوطنية في الفايجة، كما تسمى رسميا، بواحدة من أجمل وأحلى مناطق البلاد التونسية وهي منطقة الشمال الغربي الساحرة والآسرة بطبيعتها الخلابة والاستثنائية حيث سلسلة جبال خمير التي تعتبر جزءا من سلسلة جبال الأطلس الشمال أفريقية. فهي لا تبعد سوى 17 كيلومترا عن قرية غار الدماء و49 كيلومترا عن مدينة جندوبة مركز الولاية، وقرابة المئتي كيلومتر عن العاصمة التونسية باتجاه الغرب في طريق يحبذ التونسيون السفر فيه بالنظر إلى جمال المروج الخضراء المنتشرة على يمين هذه الطريق وشمالها.

ويتميز الطقس في الفايجة ببرودته الشديدة في فصل الشتاء نتيجة ارتفاع جبالها كثيرا عن مستوى سطح البحر، ونتيجة لوجود غابة مطيرة تستقطب السحب، ولذلك فالحرارة تكون معتدلة في فصل الصيف خلافا للمدن السهلية التونسية التي تشتد فيها الحرارة صيفا. وتنزل الثلوج في الفايجة في فصل الشتاء فيزيد الغطاء الثلجي الأبيض المحمية بهاء على بهائها، فتنشأ لوحة فنية طبيعية ساحرة من إبداع خالق هذا الكون، كما تشهد الفايجة نزول كميات هامة جدا من الأمطار تتوزع في كثير من الأحيان على ثلاثة فصول، وهي الخريف والشتاء والربيع، فتغذي المائدة المائية من جهة والمياه السطحية من جداول وأودية وعيون ماء عذبة من جهة أخرى.
وخوفا على هذا الكنز الطبيعي الواقع في منطقة الشمال الغربي التي تعتبر رئة الخضراء ومتنفسها الذي يحافظ على توازنها البيئي ونقاء هوائها وجودة حياتها، تم إقرار تصنيف الفايجة كمحمية طبيعية تحت مسمى الحديقة الوطنية بالفايجة وذلك بتاريخ 4 حزيران/يونيو من سنة 1990. فالثروات الحيوانية والنباتية الفريدة بالمنطقة تقتضي حمايتها من الاستنزاف والصيد العشوائي حتى لا يتم فقدان المزيد منها بفعل تخريب الإنسان الذي يعتبر العدو الأول للطبيعة والمتسبب الرئيسي في دمارها وتخريبها في جميع أنحاء العالم وليس فقط في تونس.
لقد انقرضت عديد الحيوانات من الفايجة على غرار الأسد البربري كما يسمى في تونس، والأطلسي كما يسمى في بلدان قريبة، وذلك منذ بدايات القرن العشرين، مثلما انقرض الثور البري قبل ذلك بقرون طويلة، وانقرض أيضا النمر البربري والقرود وغيرها من الحيوانات البرية التي كانت تتخذ من تلك الأحراش الجبلية مواطن لها. وهو ما جعل السلطات التونسية ومنذ بدايات القرن العشرين تعجل بحماية منطقة الفايجة، فتم في هذا الإطار إنشاء مركز للغابات يهتم بهذا الكنز الطبيعي، ثم تمت إحاطة الفايجة بسياج كبير مع مطلع ستينات القرن العشرين كان له تأثير إيجابي على تكاثر الكائنات، ليتم لاحقا إدراج الفايجة سنة 1966 ضمن قائمة محميات الصيد البري.

الأيل الأسطوري

يسميه البعض الأيل التونسي ويسميه البعض الآخر الأيل البربري، لكن لا يختلف إثنان أنه أهم الحيوانات التي تستوطن محمية الفايجة على الإطلاق، حيث يُعتبر هذا الأيل الأسطوري الذي نُسجت حوله خرافات وحكايات، سيد الفايجة بامتياز وذلك بعد انقراض الحيوانات المشار إليها، حتى أن البعض يؤكد على أن المحمية أنشئت خصيصا من أجل هذا الأيل المحاط بهالته الأسطورية، والذي قيل عنه أنه هبة السماء للفايجة، وأنه محاط بعناية غيبية خاصة، ودليل هؤلاء أن أيل الفايجة لم يعرف مصير المنقرضين من أسياد الغابة السابقين. ويتميز الأيل التونسي، الصامد في موطنه صمود تلك الربوع في مقاومتها للغزاة القادمين من الغرب على مر العصور، بلونه البني والأبيض وجماله الذي يستهوي زوار الفايجة، ويتميز أيضا بقرون ذكوره المتشابكة والطويلة، وهي قرون تسقط مرة كل سنة في فصل الربيع وتدل على عمر كل أيل.
كما تضم الحديقة الوطنية بالفايجة أنواعا أخرى من الحيوانات على غرار الخنزير البري المنتشر حتى في الغابات الواقعة خارج المحمية، في ربوع جبال خمير وغاباته، شأنه شأن ثعلب الأطلس الذي توفر له تلك الجغرافيا بيئة طبيعية للعيش والتكاثر والاستمرار. كما تضم المحمية حيوان النمس شديد الدهاء، وحيوان الزريدة المفترس الشبيه بالقط البري وكذلك الدلدل الذي يشبه حيوان القنفذ إلى جانب الأرنب البري والزواحف على غرار الأفاعي والثعابين وغيرها.
وتعيش بالمحمية أيضا أعداد هامة من الطيور القارة التي تستوطن الفايجة على مدار العام، كما تعيش بها فصليا طيور مهاجرة قدرها البعض بمئة نوع على غرار نقار الخشب والصقر والساف والنسر الذي تعرف به جبال خمير والذي سميت المنتخبات الوطنية التونسية في مختلف الرياضات باسمه مضافة إليه حضارة قرطاج لتكون التسمية الرسمية المعتمدة «نسور قرطاج». وهناك أيضا الخفافيش والسحالي على غرار سحلية الجزائر، وكذلك السلاحف التي تعيش وتنمو وتتغذى وتتكاثر وتحافظ على بقائها في هذه البرية رغم طبيعتها المسالمة واحتمائها بقوقعتها التي يبدو أنها طوق نجاتها في بيئة الوحوش المفترسة.
كما يوجد بالفايجة عدد وفير من الفراشات الجميلة مثل الفراشة القمرية المذنبة والتي تظهر ربيعا لترتع بين مختلف أنواع الزهور التي تزخر بها المحمية في مشهد بديع تؤمنه ربوع جبال خمير لزائريها في الفايجة وفي غيرها خلال فصل الربيع. كما توجد عديد الأصناف الأخرى من الكائنات الحية التي تزخر بها هذه الحديقة الوطنية الاستثنائية والتي تجعلها واحدة من أهم المحميات المنتشرة بمختلف ربوع البلاد التونسية.

موطن الزان والفرنان

توجد بغابة الفايجة التي هي جزء من غابات جبال خمير أنواع متعددة من الأشجار لعل أهمها شجرتا الزان والفرنان المنتشرتان على مساحات واسعة في هذه الغابة الجميلة وذلك بالإضافة إلى أنواع أخرى من الأشجار المنشرة حتى خارج المحمية. وتقدر المساحة التي تنتشر فيها أشجار الزان بـ 1362 هكتارا، فيما تقدر المساحة التي تنتشر فيها أشجار الفرنان بـ 234 هكتارا، كما توجد مساحات تنتشر فيها هاتان الشجرتان معا وذلك بمعية شجيرات جميلة تزيد من سحر الغابة وتميز محمية الفايجة وأغلب ربوع غابات جبال خمير التي تبدو للعين المجردة رحبة فسيحة ومترامية على مد البصر لا نهاية لها.
ومن أشهر شجيرات الفايجة الريحان والياسمين البري والذرو والأرنج وأنواع أخرى عديدة ومتنوعة من الشجيرات الجبلية الجميلة التي تحيط بها نباتات هامة على غرار الإكليل والزعتر والرند الغابي والحامول المائي والعود الأحمر والتاشة أو التاسة وغيرها. كما تضم الفايجة نباتات مهددة بالانقراض على غرار السرخس القديم جدا على كوكب الأرض والمنحدر من نباتات شكلت منذ ملايين السنين بوادر الغطاء النباتي على البسيطة وذلك قبل وجود الإنسان، وهو ما يجعل الفايجة على غرار أغلب محميات تونس شاهدة على نشأة الحياة في الكوكب الأزرق.
فالمحمية بأشجارها ونباتاتها وأزهارها الجميلة والمتنوعة بدرجة لافتة، ليست فقط لوحة طبيعية تمتع الأبصار بجمالها وبهائها الاستثنائي، بل هي أيضا صيدلية طبيعية يستخرج منها سكان الغابة أنواعا مختلفة من الزيوت والمراهم والماء المقطر لعلاج عديد الأمراض. ففيها حصل توافق أزلي بين الإنسان والطبيعة نشأ منذ أقدم العصور وتواصل إلى يوم الناس هذا بعيدا عن المواد المصنعة والمنتوجات الكيميائية وما تجود به المختبرات من مواد سامة ملوثة للبيئة ومضرة بصحة البشر.
وتعتبر المنطقة التي تقع بها المحمية واحدة من أهم مناطق البلاد التونسية غنى بالمياه العذبة السطحية، إذ تكثر بها عيون الماء الباردة صيفا، ولعل أشهر هذه العيون عين تاسة المنسوبة إلى نبتة التاسة الموجودة بكثرة بالحديقة الوطنية بالفايجة. كما يوجد أيضا وادي تاسة المنسوب بدوره إلى هذه النبتة الهامة التي يبدو أنها سيدة المحمية بامتياز مثلما أصبح الأيل محورها الرئيسي وذلك بعد انقراض عديد الحيوانات الهامة من هذه الجنة الشمالية التونسية التي تستقل بذاتها عن ضجيج المدن والحياة العامة.
ومن بين عيون الماء الشهيرة بالمنطقة أيضا، عين سلطان التي نشأت حولها قرية سميت قرية عين سلطان وهي من القرى الرائعة الجمال والتي تبهر عشاق التجمعات السكنية الجبلية والغابية التي تتميز بطابع معماري خاص وفريد له مميزاته التي تتم فيها مراعاة التضاريس والمناخ. ويوجد بقرية عين سلطان مركز الغابات التابع لوزارة الفلاحة ليؤكد على أن الدولة التونسية حاضرة هناك للحفاظ على كنزها الطبيعي المسمى الحديقة الوطنية بالفايجة.

موطن الإنسان

وعلى غرار الحيوان والنبات فقد استوطن الإنسان ربوع الفايجة ومحيطها منذ العصور الحجرية والبرونزية حيث استغل الغابة في الصيد وفي الاستفادة من أشجارها على غرار شجرة الفرنان التي يتم نزع قشرها، الخفاف، ويتم استغلاله في صناعة خلايا النحل والتحف الفنية والأدوات المنزلية. كما استغل الإنسان خشب شجرة الزان لبناء الأكواخ وصناعة الأدوات الفلاحية، وقام بتربية النحل الذي يقتات من الزهور المنتشرة في ربوع الغابة لينتج عسلا عذب المذاق.
كما يستفيد الإنسان الغابي في الفايجة منذ أقدم العصور من النباتات سواء لإنتاج الزيوت والمراهم والأدوية أو لإنتاج العطور الطبيعية من نباتات معروفة على غرار الريحان. كما استغل بعض هذه النباتات الغابية في الطبخ والطهي بعد ان وفرت له الفايجة اختيارات متعددة بسبب التنوع الكبير واللافت في غطائها النباتي والغني بكل ما يعود بالنفع على الجسم.
ويستغل الإنسان اليوم الفايجة ومحيطها لخلق سياحة علمية بديلة عن سياحة الشواطئ والمنتجعات الكبرى التي تنتشر على السواحل، خاصة وأن هذا الكنز الخفي لفت انتباه علماء الطبيعة والمهتمين بالبيئة منذ عقود ودفعهم إلى اكتشافه. فقد اعتبرها عالم الطبيعة والنبات دي بازاك ومنذ سنة 1951 من أحسن غابات الزان في العالم، لكن هذا الصيت لم يقع استغلاله كما يجب للترويج للفايجة كوجهة سياحية علمية.
كما يستقطب محيط المحمية كارهي ضجيج المدن من هواة التخييم والسياحة الجبلية من الشباب الكشفي وغيره والذين يقصدون مركز التربصات والاصطياف بعين سلطان التابع لوزارة الشباب والرياضة لقضاء أمتع الأوقات في أحضان الطبيعة الساحرة وفي هدوء لا يُسمع معه سوى صوت حفيف أغصان الأشجار وهي تحركها الرياح لتلامس بعضها البعض، أو صوت ذئب يعوي ليلا في طقوس خاصة لا يفقه مدلولاتها وأبعادها سوى بني جنسه. فسياحة التخييم هي مستقبل السياحة البديلة في تونس بتأكيد كل الخبراء وستلعب هذه الأماكن التي تتميز بطبيعة خلابة مثل الفائجة دورها كما يجب في تحريك السياحة الداخلية واستقطاب السياح الأجانب.

جهود تنموية

وما على الدولة التونسية التي بادرت سنة 1999 إلى بعثة الجمعية ذات المصلحة المشتركة لمتساكني غابة الفايجة لتحقيق التنمية المستدامة بالجهة، إلا أن تواصل جهودها للتعريف بالسياحة البديلة ومزيد تطويرها. فلا شيء ينقص محيط الفايجة مثلا ليتحول إلى قطب رياضي عملاق لتحضيرات الأندية والمنتخبات من تونس والعالم على غرار عين دراهم وحمام بورقيبة وطبرقة، وذلك دون المساس بالمحمية بطبيعة الحال التي يجب أن تحافظ على عذريتها من دون أن تطالها يد الإنسان بالتغيير.
لكن ذلك لا يمنع من التأكيد على ضرورة تعهد البناءات المتواجدة بالحديقة بالصيانة وتهيئة مركز استقبال لائق ومسالك ومنصات متقدمة لمشاهدة الحيوانات وخصوصا الأيل الأسطوري رمز الحديقة الوطنية بالفايجة وسيدها بامتياز. كما يجب تشجيع السياح الأجانب والمحليين على اقتناء منتوجات الغابة من عسل وعطور وزيوت صحية وتحف فنية نحتتها أنامل السكان على خشب الزان والذرذار والفرنان وغيرها من الأشجار المحلية.
وللإشارة فإن نشاط التخييم قديم في هذه الربوع منذ ما قبل الفترة الاستعمارية وتواصل معها وخصوصا بمنطقة عين سلطان التي كانت من أهم مراكز التخييم بالنسبة إلى المستوطنين الفرنسيين وتدل على ذلك آثارهم والمتمثلة في مسبح وحمامات وبعض المواقع الأخرى. وقد فرض الفرنسيون تواجدهم في تلك المنطقة بقوة السلاح باعتبار أن سكان جبال خمير كانوا في طليعة من تصدى للاستعمار الفرنسي وهو يقتحم الخضراء قادما من الجزائر الي احتلها قبل قرابة النصف قرن.
كما تحولت غار الدماء القريبة من الفايجة بعد استقلال تونس إلى مأوى لعناصر جيش التحرير الجزائري للإنطلاق منها إلى عمق الأراضي الجزائرية لتنفيذ عملياتهم باعتبار احتضان تونس المستقلة للثورة الجزائرية وعناصر جيش التحرير وعلى رأسهم هواري بومدين الذي كان يقود العمليات من غار الدماء التونسية قرب الفايجة. وكان الرد الفرنسي قاسيا مع تونس الحاضنة للثورة الجزائرية وذلك بقصف قرية ساقية سيدي يوسف التونسية سنة 1958 بالقنابل في يوم سوقها الأسبوعي وقتل مواطنيها من رواد السوق وكذلك تلاميذ مدرسة القرية من الأطفال التونسيين الأبرياء الذين طالت هذه القنابل الملقاة بطريقة عشوائية من الجو مدرستهم وسحقتهم تحت الركام.

- الإعلانات -

#محمية #الفايجة #التونسية #حين #يروي #سكون #الطبيعة #وبهاؤها #قصة #بداية #الخلق #القدس #العربي

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد