- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

من سيئ إلى أسوأ: هل تندلع “ثورة خبز” في تونس؟

- الإعلانات -

حمزة المؤدب* – (مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي) 3/4/2022

يفاقم النزاع الجاري في أوكرانيا الوضع الاقتصادي المتردي الذي تعيشه تونس مسبقاً. وتكمن المعضلة الأساسية في ارتباط تونس الشديد بالأسواق الخارجية وبالإمدادات التي تخضع بدورها لتطورات الحرب في أوكرانيا.

  • * *
    أدى النزاع الجاري في أوكرانيا إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة والقمح حول العالم، مما يفاقم الوضع الاقتصادي المتدهور مسبقاً في تونس. فإضافة إلى التأخر في دفع رواتب موظفي القطاع العمومي، تواجه البلاد نقصًا في سلع كثيرة مثل القمح والأدوية والسكر والزيت النباتي، نتيجة الأزمة التي تعاني منها المالية العمومية، والتي تصعب إدارتها على نحو مطرد. وقد يشعل ارتفاع أسعار المواد الغذائية وموارد الطاقة جذوة السخط الاجتماعي ويزعزع بشكل أكبر استقرار تونس التي تشهد حالة من اللايقين السياسي منذ شهر تموز (يوليو) الماضي، حين استولى الرئيس قيس سعيّد على كامل السلطة في البلاد، وأقال الحكومة، وجمد عمل البرلمان، وعلق الدستور. (حل البرلمان بعد ذلك).
    ثم جاءت التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب الأوكرانية لتضيف إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية الناجم عن تعطل سلاسل الإمداد والتوريد بسبب القيود المتعلقة بوباء “كوفيد -19”. فبين نيسان (أبريل) وكانون الأول (ديسمبر) 2021، ارتفع سعر القمح بنسبة 80 في المائة، وبات الوضع لا يحتمل بالنسبة للكثير من التونسيين. وتجاوز سعر مكيال القمح 12 دولارًا في بداية شهر آذار (مارس)، وهو مستوى لم يسجله منذ الشهر نفسه في العام 2008، ما يمثل زيادة كبيرة قدرها 44 في المائة منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا. وما يزيد الأمور سوءًا أن هذه الحرب تهدد أيضًا إمدادات القمح في تونس، نظرًا إلى أنها تستورد 50 في المائة من قمحها من روسيا وأوكرانيا. وقد حاولت وزيرة التجارة طمأنة المواطنين مصرحةً بأن مخزون تونس من الحبوب يكفي حتى شهر حزيران (يونيو).
    في غضون ذلك، ارتفع أيضًا سعر النفط الخام بنسبة 40 في المائة إضافية، وهو ما فاقم بدوره عجز الميزانية التونسية. فعندما أعدت السلطات المعنية ميزانية العام 2022، توقعت أن سعر برميل النفط سيكلف 75 دولارًا، لكن سعر برميل خام برنت في الواقع بلغ نحو 130 دولارًا في 9 آذار (مارس)، أي ضعف السعر الذي كان عليه في الفترة نفسها قبل عام واحد فقط.
    وتعزى هشاشة الوضع الغذائي في تونس إلى عجز القطاع الزراعي عن إنتاج كمية كافية من القمح. فالإنتاج المحلي بالكاد يكفي نصف الطلب المحلي في البلاد، ولذلك تعتمد تونس على كميات كبيرة من الواردات المدعومة من القمح لضمان حصول المواطنين على كميات كافية من الخبز بسعر مقبول. وقبل غزو أوكرانيا، قُدرت ميزانية الدعم بنحو 15.4 في المائة من إجمالي الإنفاق للعام 2022. ولكن، مع ارتفاع الأسعار، قد تصبح الأزمة الغذائية أشد وطأة نظرًا إلى أن تونس كانت تتأخر في سداد مستحقات وارداتها الغذائية.
    ومن الممكن أن ينفجر الوضع في أي لحظة. فالمخابز بدأت بتقنين توزيع الخبز الذي سبق أن ارتفع سعره بنسبة 25 في المائة خلال الشهرين الماضيين في المخابز غير المستفيدة من الدعم. وواقع الحال أن لسعر الخبز المدعوم تأثيرات سياسية، ولذلك ترفض الحكومة حتى الآن تغييره. ومع ذلك، أعلنت السلطات، في إطار مساعيها لخفض فاتورة الدعم، أنها ستطبق آلية تعديل أسعار موارد الطاقة، لترفع أسعار الوقود بنسبة 3 في المائة شهريًا بدءًا من آذار (مارس).
    ولن تقف مشاكل تونس عند هذا الحد. فمع بداية العام، توقعت التقديرات بلوغ معدل التضخم 6.8 في المائة في العام 2022. ولكن لا شك أن النزاع الأوكراني سيرفعه إلى نحو 8 في المائة تقريبًا، وفق تحليلات بعض خبراء الاقتصاد. أضف إلى ذلك أن انخفاض قيمة الدينار التونسي مقابل الدولار الأميركي يؤدي إلى ارتفاع فاتورة الاستيراد، ناهيك عن أن الحاجة إلى العملة الصعبة باتت ملحة في وقت لا تستطيع فيه تونس الدخول إلى الأسواق المالية العالمية، وهي تتفاوض مع صندوق النقد الدولي لوضع برنامج جديد.
    إلى جانب التداعيات التي طالت أسعار الخبز وموارد الطاقة، ستلقي حالة الاضطراب والفوضى الناجمة عن الحرب الأوكرانية بظلالها على الأجندة السياسية للحكومة والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي بشأن قرض جديد. وفي هذا الإطار، تعمل الحكومة على تعليق الاتفاقيات الرامية إلى رفع أجور القطاع العام، وتشد أحزمة الإنفاق الأساسي على الصحة والتعليم والاستثمار العام من أجل الحفاظ على الموارد المالية الشحيحة لخدمة الدين واستيراد المواد الغذائية وموارد الطاقة.
    علاوة على ذلك، تعتزم تونس اقتراض 20 مليار دينار (أي 7 مليارات دولار أميركي تقريبًا) في العام 2022. ومن أجل الوفاء بالتزاماتها المالية، على الحكومة توفير 12.6 مليار دينار (4.2 مليارات دولار) من الأسواق العالمية، وفق ما ورد في ميزانية العام 2022. لكن قدرتها على ضمان تمويل الميزانية تعتمد على نجاحها في التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وهذا الأمر ليس محسومًا. فبعد مضي أشهر على النقاشات التي توقفت ثم استؤنفت بعد بضعة أشهر من استيلاء سعيّد على السلطة، ما تزال احتمالات إبرام اتفاق غير مؤكدة. وقد لفت ممثل صندوق النقد الدولي في تونس، جيروم فاشيه، في المقابلة الأخيرة التي أُجريت معه قبل مغادرته تونس، إلى أن البلاد “بحاجة إلى إصلاحات هيكلية عميقة، ومشاركتها مع الرأي العام”. وفي وثيقة تم إرسالها إلى صندوق النقد الدولي في أواخر العام 2021، التزمت الحكومة بتجميد أجور القطاع العام ورفع الدعم تدريجيا. لكن هذه التدابير لطالما قوبلت بالرفض من الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي من المرجح أن تزداد معارضته زخمًا نظرًا إلى رفض سعيّد النظر في اقتراحه بتنظيم حوار وطني حول الأزمة السياسية والاجتماعية.
    ويبدو أن سعيّد عالق بين المطرقة والسندان منذ تسلمه السلطة قبل سبعة أشهر. فوضع المالية العامة الضعيف في تونس يحول دون حصوله على الموارد اللازمة للحفاظ على قاعدة الدعم التي أيدت خطوته في البداية. وعلاوةً على ذلك، سيتطلب إبرام اتفاق مع صندوق النقد اتخاذ تدابير لا تحظى بتأييد شعبي وتشمل تجميد الأجور ورفع أسعار المواد الغذائية وموارد الطاقة بشكل إضافي. مع ذلك، سيكون نجاح خطة سعيّد الرامية إلى تغيير الدستور واستبدال النظام السياسي الحالي بنظام رئاسي وتجريد البرلمان من جزء كبير من صلاحياته، رهناً بقدرته على كسب دعم شريحة كبيرة من السكان.
    من المؤكد أن رفع أسعار المواد الغذائية لن يساعد في هذا المسعى. وفي الوقت نفسه، لن يكون الامتناع عن رفع الأسعار مستدامًا نظرًا إلى وضع الميزانية. ويركز سعيّد راهنًا على إلقاء اللوم على المضاربين والتجار الجشعين، متجاهلًا الواقع المرير الذي تعيشه البلاد، فيما يدرك التونسيون تمام الإدراك أن مثل هذا النهج لن يحل أيًا من مشاكل البلاد. وقد أظهر استطلاع للرأي نُشرت نتائجه في كانون الثاني (يناير) أن أكثر من 60 في المائة من التونسيين متشائمون حيال مستقبل بلادهم.

*حمزة المؤدب: باحث غير مقيم في مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط، حيث تتركز أبحاثه على الإصلاح الاقتصادي، والاقتصاد السياسي للنزاعات، وانعدام الأمن على الحدود في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

#من #سيئ #إلى #أسوأ #هل #تندلع #ثورة #خبز #في #تونس

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد