- الإعلانات -
هل ستخرج حكومة تونس البلد من أزمته الدستورية أم ستقود إلى أزمة جديدة؟

منذ 4 ساعات
إبراهيم درويش
- الإعلانات -
حجم الخط
تبدو الأزمة التونسية التي نشأت في مرحلة ما بعد انتخابات تشرين الأول (اكتوبر) 2019 في طريقها إلى الحل بعد إعلان رئيس الوزراء المكلف إلياس الفخفاخ عن أسماء الوزراء، والجولة المقبلة ستكون في البرلمان التونسي الذي هددت فيه أحزاب مثل آفاق تونس أنها لن تمنح الحكومة الثقة.
وكانت حركة النهضة التي يترأس زعيمها راشد الغنوشي البرلمان قد تحفظت على استبعاد أحزاب ممثلة في البرلمان من الحكومة مثل حزب قلب تونس، إلا أن الحركة عادت وغيرت موقفها وقبلت بعدد أكبر من الوزراء في حكومات غير سيادية التي أعطاها الفخفاخ لمستقلين، مع أن البعض انتقده وقال إنه تصرف وكأنه مالك لبيت لا يملكه. وكانت الأحزاب التي قبلت بالإضافة إلى النهضة المشاركة في الحكومة مدفوعة بالخوف من العودة مرة ثانية إلى صناديق الاقتراع التي باتت وفي معظم الجولات الانتخابية في تونس وغيرها غير قاطعة في نتائجها وتنتج خريطة مهشمة يتردد فيها الناخب بمنح حزب بعينه النصيب الأكبر من المقاعد بشكل يؤهله لأن يقود العملية السياسية، فحزب النهضة مثلا لم يحقق في الجولة الأخيرة ما حققه من مقاعد في الانتخابات التي أعقبت سقوط زين العابدين بن علي عام 2011 ولم يعد قادرا باعتباره الحزب الأكبر على تشكيل حكومة ائتلاف مع بقية الأحزاب الصغيرة دونما مشاغبة من تيارات اليسار والعلمانيين والأخرى المعادية للتيار الإسلامي.
تنوع بدون حيوية
ولم يعد التنوع السياسي في تونس مدعاة للحيوية والنشاط وضخ الحياة في الديمقراطية الوحيدة التي نجت من ويلات الربيع العربي في دول أصبحت فاشلة، ممزقة أو رهن قيادة العسكر. والسياسة في تونس أصبحت بالضرورة سياسة تصفية حسابات ومماحكات وتبادل اتهامات يحظى حزب النهضة بالنصيب الأكبر منها. وبالنظرة الفاحصة إلى حكومة الفخفاخ تبدو وكأنها حكومة محاصصة حزبية وليست حكومة مستقلين، أو تكنوقراط تستطيع قيادة البلاد في مرحلة لا تزال فيها ظروف ما قبل الربيع العربي قائمة، من ناحية البطالة والتشدد ونزوع الشباب للهجرة إلى الخارج. وكشفت نتائج انتخابات الرئاسة التي جلبت قيس سعيد، كشخص خارج عن النخبة السياسية التي قادت البلاد في مرحلة ما بعد بن علي، ان الناخب عاقب هذه النخبة وجاء برجل قانوني دخل السباق الرئاسي معتمدا على نفسه وفريق صغير من أنصاره وهزم عددا من الرموز المعروفة في الانتخابية. وكانت النتيجة بمثابة تقريع للنخبة التونسية، مؤسسة ومعارضة وفشلها في تحقيق آمال ثورة الياسمين. لقد نجت الثورة التونسية من عدد من التحديات القاتلة، من اغتيالات للمعارضين وعمليات انتحارية وانتشار آلاف من أبناء تونس إلى مناطق الجهاد المحلية والإقليمية، حيث كانت المساهمة التونسية الأكبر من بين دول العالم في صفوف تنظيم “الدولة” بالإضافة إلى عمليات انتحارية استهدفت المراكز السياحية في البلاد ومحاولات للسيطرة على بلدة بنقردان الحدودية. ورغم هذه النزعات المتشددة إلا أن الكثير من الناخبين التونسيين الذين كانوا مسؤولين عن الهزات السياسية العام الماضي يلومون الغرب وشركاء تونس التجاريين في أوروبا وسياسات صندوق النقد الدولي الذي كان مسؤولا عن سياسات تقشف أدت إلى سلسلة من الإضرابات والتظاهرات احتجاجا على ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود وسط انتشار حاد للبطالة بين الشبان. وكما كشف تقرير أعدته مجموعة الأزمات الدولية حول أولويات السياسة الأوروبية تجاه تونس والتي تظل بالضرورة مرتبطة بالتأكيد بالقوة الاقتصادية، ففعالية الحكومة، أي حكومة في تونس ستظهر من خلال معالجة الاقتصاد وإعادة ترتيب أولويات العلاقة مع الغرب.
أجندة
ويقتضي هذا من النخبة السياسية التوافق على أجندة واحدة تقوي من موقف الحكومة في التفاوض مع أوروبا وتكييف المساعدات لتتواءم مع الوقائع السياسية وفي مجالات أقل إثارة للجدل مثل التركيز على الإصلاح الإداري وتقوية المنافسة المحلية وتطوير المناطق المهمشة في البلاد. وتحتاج أوروبا إلى التعاون مع الحكومة التونسية لتطوير خطة اقتصادية مصغرة بالإضافة لدعم ما يسميه سعيد والحكومة التونسية مؤسسة الأمن الاقتصادي الوطنية لتحفيز الاستثمار والتنمية والتطوير والتي يمكن من خلالها للمقرضين الدوليين والمستثمرين المساهمة فيها. وهناك حاجة لدعم الحوار السياسي والدعم الفني والبرلمان الجديد والدفع نحو إنشاء محكمة دستورية جديدة. وهذه الخطوات ضرورية في ضوء نتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية عام 2019 وانتجت نخبا وحركات تحاول الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية والتونسية، أي التأكيد على الاستقلالية الاقتصادية والثقافية والسياسية. فمن خلال حرمان النخب التقليدية والحركات الرئيسية من الأصوات، عبر الناخبون عن رفضهم للانسداد السياسي والفساد والركود الاقتصادي. ويمكن النظر إلى أن رفض الطبقة السياسية دور الشركاء الدوليين لتونس كان في طريق التشكل منذ ما بعد انتخابات عام 2014 وقادت إلى حوارات داخل النخبة الحاكمة وحركات المعارضة وعدد من المحافظين حول ضرورة تقوية هوية مؤسسات الدولة وحماية حق البلد في تقرير اقتصاده وحماية هويته الإسلامية-العربية.
وبالتأكيد فقد نظر الكثير من المحافظين إلى أن عددا من مبادرات الرئيس السابق كتعديل قوانين الميراث لتقوية وضعية المرأة جاءت نتاجا للضغوط الغربية وتمثل بالضرورة هجوما على الثقافة التونسية. وأدى النقاش المتداخل بين عدة قوى إلى رغبة في التغيير ودعم شخصيات جديدة تستطيع الدفاع عن مكونات الهوية التونسية والاستجابة إلى مطالب الشباب المحبط. وهذا يفسر فوز سعيد بنسبة 73 في المئة حيث بدت رؤيته متناسبة مع هذه المطالب، بالإضافة لأكاديميته ومحافظته وكونه من خارج الطبقة المعروفة جعله مرشحا قادرا على منح الشرعية للمطالب وتقوية مؤسسات البلد التي تتعرض للضغوط الخارجية. وكشفت الخريطة البرلمانية عن صورة أخرى مختلفة، فنداء تونس الذي فاز عام 2014 بـ 86 مقعدا من 217 في عام 2014 لم يحصل إلا على عدة مقاعد. وتراجعت حصة النهضة من 69 إلى 52 مقعدا. ونظرا لضعف الحزبين فلم يكونا قادرين على تشكيل حكومة. وجاءت إلى الصورة أحزاب جديدة مثل نداء تونس بزعامة نبيل القروي الذي حصل على 38 مقعدا والتيار الديمقراطي والذي حصل على 22 مقعدا بعد ما كانت له 3 مقاعد. وكسب تحالف الكرامة وهو مجموعة من الإسلاميين والمحافظين والجماعات الثورية على 21 مقعدا بالإضافة للحزب الدستوري الحر الذي حاز على 17 مقعدا بناء على أجندة حنين لزمن بن علي، ودخل حزب الرحمة الصغير بأربعة مقاعد. ولم تظهر هذه الأحزاب أية نية للتعاون حول أجندة تخدم ما تم الحديث عنه أعلاه، ولم تمنح الثقة لحكومة الحبيب الجملي في 10 كانون الثاني (يناير) ولا نعرف إن كانت قادرة على تمرير حكومة الفخفاخ التي ولدت بعد مخاض عسير وتهديد بالعودة مرة أخرى إلى صناديق الاقتراع.
نخبة جديدة
ومع أن ظهور النخبة الجديدة في السياسة التونسية يتجاوز الشق بين نداء تونس والنهضة إلا ان الخوف من محاولة هذه الأحزاب الصغيرة المزايدة على بعضها البعض بطريقة تؤدي إلى حالة من الشلل وتأبيد الوضع القائم بطريقة تقتل أي فرصة للتقدم. وهناك مخاوف من حالة نزاع بين البرلمان والرئاسة. فقد اختار الأخير الشيخ راشد الغنوشي كرئيس له، وهو حريص على تفعيل البرلمان بدعم من كتلته الأكبر في البرلمان. وهو براغماتي في الشؤون الاقتصادية والسياسة الخارجية أكثر من الرئيس. ومخاطر المواجهة بينهما تعني تحريك سعيد لقاعدته الانتخابية، والبحث عن نظام من الديمقراطية المباشرة التي يهمش فيها النواب، وسيقود فشله لحالة من السخط العام. والحل الأخير يظل الدعوة لانتخابات جديدة وحل البرلمان، حال فشل الرئيس والمؤسسة التشريعية التوافق على حكومة ائتلاف. ولن تؤدي الانتخابات الجديدة لنتائج أحسن من السابقة، بل إلى برلمان مهشم ما سيدفع الرئيس للهجوم على الأحزاب ومحاولة إنشاء حزبه الخاص. وعلينا ألا ننسى أن هناك سيناريوهات أفضل لتونس تتعاون فيها المنظمات غير الحكومية ونقابات العمال والتجار على تطوير أجندة وطنية يمكن أن تخرج البلاد من أزمتها وتستجيب للمحرومين والمهمشين. في النهاية أصبح لتونس حكومة بدون قلب تونس التي ينظر إليها الفخفاخ بأنها واجهة لمجموعة أصحاب المصالح والنفوذ السياسي. ورغم أن حركة النهضة أكدت على أهمية عدم الاستبعاد لأي طرف سياسي، إلا أن قلب تونس هي خارج اللعبة السياسية. وربما كانت تونس في طريقها للخروج من الأزمة الدستورية بعدما أسقطت حركة النهضة حكومة الجملي برفض منحها الثقة، حيث وجهت انتقادات لحكومة الجملي بقلة عدد النساء، عشر نساء من 42 بالإضافة إلى الجدل الذي ثار حول تعيين روني طرابلسي وزيرا للسياحة وهو يهودي تونسي انتشرت أخبار عن حيازته لجواز سفر إسرائيلي. وتحتاج الحكومة إلى 109 أصوات من 217 صوتا في البرلمان. يذكر أن حكومة الجملي لم تحصل إلا على 72 صوتا في البرلمان. وبانتظار حصول الحكومة على الثقة الأسبوع المقبل لا نعرف إن كانت تونس ستعبر الأزمة الدستورية أم أنها ستدخل نفقا جديدا ومجهولا، والإيجابي في التجربة التونسية انها كلما انزلقت نحو مأزق عادت وجددت نفسها بشكل يجعلها من التجارب المهمة في مرحلة ما بعد الربيع العربي.
الصورة من المصدر : www.alquds.co.uk
مصدر المقال : www.alquds.co.uk
- الإعلانات -
