- الإعلانات -
وإذا الديمقراطية سُئلت..!

- الإعلانات -

تستلزم البيئةُ المناسبة لنجاح العملية الديمقراطية كنظام سياسي، توازنا للقوى في المجتمع، هدف هذا الاستحقاق؛ والتي من الممكن تسميتها عموما القوى الاجتماعية: المعارضة التي تتشكل من حزب أو أحزاب أو ناشطين مستقلين، والبيئة الحاضنة أو ما يسمى (الناخبون) الذين لن يكون لهم حضور إلا باعتبارهم (دافعي الضرائب)، وقوى المجتمع المدني، والسلطة التي من الممكن أن تلعب دور المعارضة حين تخسر الانتخابات، ولا يمكن أن يتحقق التوازن بين هذه القوى المدنية إلا في وجود قضاء مستقل، ومؤسسة عسكرية مهنية ومفصولة عن العمل السياسي، لأنها بقدر ما تكون مهمة لاستحقاقات الدولة المدنية، بقدر ما يشكل تدخلها في السياسة إجهاضا لها.
وأي اختلال في هذا التوازن هو ما يسبب انتكاسات الديمقراطية أو انحرافها أو اجهاضها تماما.
تونس هي أقرب دولة عربية لهذه التوازانات المدنية، ورغم كل ما يحدث فيها من ارتباكات إلا أنها على الطريق الصحيح. غير أن البيئة الحاضنة للديمقراطية لا يمكن أن تكون محفزة لها إلا عبر العامل الأساسي المؤثر وهو الوضع الاقتصادي، وهو الذي يربك بعض التجارب المهمة مثلما يحدث في تونس، فضلا عن تسلل قوى سياسية (الإسلام السياسي) إلى مسار هذه التجربة، وهو تيار عقيدته في الأساس، بحكم تركيبته، ضد الدولة المدنية والديمقراطية مهما تظاهر بغير ذلك، لأنه تيار تراتبي إقصائي ودائما لديه خيار مؤجل بالعنف، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، والمعروف أن مصطلح الدولة المدنية يعني في الأساس نقيضا للدولة الدينية.
أما ما يخص العامل الاقتصادي وما يترتب عنه من رفاه اجتماعي يضمن مناخا صحيا للممارسة الديمقراطية، فيشكل في منطقتنا العربية مفارقة، لأن الدول الغنية التي وفرت هذا الرفاه لمواطنيها هي الدول النفطية، وهي تتأسس على اقتصاد ريعي بطبيعته مجهض لأي توجه ديمقراطي يعتمد توزان القوى الاجتماعية، أما الدول التي تحاول أن تنتقل إلى النظام السياسي الديمقراطي توصف غاليا بأنها دول فقيرة، لأنها لا تملك ثروات طبيعية، والفشل الاقتصادي والتنموي يؤثر في المزاج الشعبي الحاضن للديمقراطية كتجربة لا تفي بوعودها في الرفاه والاكتفاء، وبالتالي كان التوفيق بين الحالتين صعبا لأسباب بنيوية، بخلاف النموذج النرويجي ـ على سبيل المثل ـ كدولة نفطية غنية ونموذج متقدم للديمقراطية، ويكمن السبب في كون النفط جاء بعد أن تشكل فيها توازن القوى الاجتماعية واندمج كاقتصاد تحت السيطرة في هذه الآلية السياسية العريقة.
النفط زائر للديمقراطية بينما العكس حدث في الدول العربية الغنية التي كان النفط فيها هو السابق، وتحولت من شبه إقطاعيات رعوية إلى إقطاعيات نفطية وبالتالي فالاقتصاد الريعي الذي يحارب على أرضه هزم أي محاولة للإصلاح السياسي الوافد.
أفقدت سنوات من حكم الفرد والتقلب في ليبيا هذا المجتمع قواه الاجتماعية المتوازنة. فالناخب ليس دافع ضرائب، والمجتمع المدني قاصر والمعارضة غير موجودة بمفهومها السياسي، فهي أحيانا تتمثل في شكل إقليمي أو قبلي… إلخ.
هذه القوى الاجتماعية التي تحدد حركتها حدود وقوانين الملعب الديمقراطية، تحتاج بالضرورة، ونتيجة هذا التوازان، إلى ميثاق بينها تتفق عليه يحدد طبيعة هذا اللعبة وقواعدها، وهو الدستور، وإذا كان ثمة خلل في الدستور لا يراعي توازن هذه القوى فسيعجز عن تشكيل بيئة قانونية للديمقراطية، فالدساتير اللينة أو المرنة تصاغ بشكل يمَكِّن من التلاعب بها أو تعديلها وفق مصالح السلطة المهيمنة ، وفي غياب معارضة قوية ومنظمات مجتمع مدني فاعلة يمكن للسلطة (الرئيس الواصل للسلطة عبر هذا الدستور) أن يعثر على تلك الثغرات التي تجعله يطمح لتعديل الدستور وإيقاف أهم مظهر من مظاهر الديمقراطية وهو تداول السلطة سلميا.
وفي هذه الحالة من المفترض أن تكون عقبته السلطة التشريعية الحري بها وحدها تعديل الدستور، ولكن نتيجة لغياب توازن القوى السياسية، ولعدم وجود معارضة قوية في البرلمان، تمضي السلطة التنفيذية في تشكيل الدستور (العجينة الرطبة) بما يضمن لها الاستمرار في السلطة وأحيانا مدى الحياة لرئيس انتُخِب وفق الدستور لفترتين فقط، وخارج هذا التكييف للعقد السياسي بين السلطة وقوى المجتمع الأخرى، نرى في الدول ذات الديمقراطية الهشة تلاعبا بالانتخابات أو رفضا للتنحي غالبا ما يفضي إلى عنف في الشارع حتى في حالة وجود معارضة، أو إلى حرب أهلية متكاملة كما في دول أفريقية عدة.
ترامب رئيس يميل إلى الاستبداد وإلى الشغف بلذة السلطة، وكان يستبعد خروجه من البيت الأبيض بهذه السرعة وبعد فترة واحدة، بل كان يطمح إلى فترة ثالثة، عبر حديثه عن الإجراء الاستثنائي الذي حصل مع الرئيس روزفلت، ثم استخدم طرق العالم الثالث في التشكيك في الانتخابات قبل حتى أن تبدأ، وطعن في النتائج بعد خرجت واستخدم كل الوسائل ليبقى في البيت الأبيض بما فيها تحريض بلطجية حزبه لاقتحام مبنى الكونجرس وتخريبه وسرقته، بالتأكيد شوه الديمقراطية الأمريكية وأشار إلى مكامن ضعف فيها، لكن في النهاية جهازها القوي أخرجه من البيت الأبيض، وما مثل هذا الجهاز القوي هو بدايةً الدستور الذي تقريبا يخلو من الثغرات، والمعارضة القوية والناخبون باعتبارهم (دافعي ضرائب) وليس مجرد ناخبين يعتمدون في حياتهم على مزاج السلطة التنفيذية، والأهم من ذلك سلطة القضاء المنفصلة التي لا سلطة فوقها.
وهذا التوزان في االتروس التي تتحرك في آلة الدولة هو ما يغيب في الكثير من ديمقراطيات العالم المسمى ثالثا أو ناميا، والدساتير الممطوطة تشكل فيها بابا أنيقا لبناء دولة الاستبداد، وعلى سبيل المثل الدستور الليبي الذي أنجز أخيرا، وهو فوق المط والثرثرة والصياغات الركيكة التي لا تفتح ثغرات فقط بل أبوابا واسعة لاختراقه، فهو في الواقع مفصل على مقاس تيار هو في حقيقته لا يؤمن بالديمقراطية من الأساس بل تتعارض مع عقيدته، ورغم المواد البراقة فيه المنسوخة عن دساتير حديثة، إلا أن المفاصل التي تشكل تروس الدولة، وتتعلق بطبيعة الدولة وبالحقوق منسوخة سلفا بمواد مدسوسة داخله، يمكن بعد وصول التيار للسلطة أن تُسن منها قوانين لدولة ثيوقراطية، بها كل مظاهر الديمقراطية الشكلية والأمر فيها لمرجعية واحدة كما في إيران، أو لحزب واحد متغلغل في المؤسسة العسكرية كما كان في السودان، أو متغلغل في المؤسسات الأمنية والقضائية كما في تونس السنوات الماضية.
في هذه الحالة تبرز ظاهرة الديمقراطية الأوليجارشية، وهي النوع من الديمقراطيات التي تعتمد دستورا وانتخابات لكنها أفضت إلى نظم استبدادية والأمثلة كثيرة، حيث تهيمن فئة من المجتمع أو مكون واحد أو أقلية على السلطة، والأوليجارشات في المنطقة العربية إما تكون من العائلة الحاكمة، أو القبيلة، أو العسكر، أو مكون مذهبي، أو شبكة فساد، أو رجال أعمال، أو حزب واحد يسيطر على ما يفترض أنها قوى التوازن للديمقراطية وغالبا ما يكون تحت راية ايديلوولجية: قومية أو مذهبية.
الخطابات المطالبة بالديمقراطية في المنطقة العربية ليست جديدة، لكنها كانت دائما تتراجع إلى الخلف أمام الشعارات التي جاءت بها النظم القومية بعد حركات الاستقلال المتوالية، وكان تحويل الجماهير إلى جوقة أو كتلة واحدة مندفعة كالانسلاخ الطيني صوب تلك الأهداف الأقرب إلى الروحانية، مثل الوحدة أو الاشتراكية أو معركة فلسطين، أو جميعها معا، الوسيلة المناسبة لتنميط مكونات المجتمع، وحتى في بعض البلدان التي تحولت بخجل من نظام الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية (الشكلية) ظلت مؤسسات الدولة الشمولية أو ما تسمى تهذيبا، الدولة العميقة، تسيطر على المجتمع برمته، مخلة بالتوازن المجتمعي الذي تتطلبه العملية الديمقراطية حيث لن تجد السلطة طريقة للمضي قدما بالدولة إلا عبر تعاقد اجتماعي ينظم العلاقة بين هذه المكونات السابق ذكرها.
ومن جانب آخر تتعرض هذه الخطابات الديمقراطية، وهي نخبوية إلى حد كبير، إلى نوع من الإحراج يؤدي إلى خفوت صوتها، حين تتدخل قوى عالمية للمطالبة بنفس مطالبها، فيفقدها ميزة أنها مسألة داخلية ووطنية تأخذ طريقها تدريجيا مثلما حدث في تلك الدول الضاغطة، وتجد النظم المضادة للديمقراطية ذريعتها في قمع تلك الأصوات عبر اتهامها بالتعامل مع جهات أجنبية أو تنفيذ أجندات خارجية، ويغدو التصدي للمشروع الإصلاحي تصديا للتدخل الخارجي وحفاظا على السيادة الوطنية، وكأن وأد الإناث في التراث العربي سينسحب مرارا على الديمقراطية كوليدة أنثى غير مرغوب بها في مجتمع أبوي.
يشير الكاتب عمرو حمزاوي في مقالته (بلاد العرب ـ معوقات الديمقراطية) المنشورة بموقع مركز مالكوم كيرـ كارنيغي للشرق الأوسط ـ إلى أن تلك الممارسات “تنتج عسكرة شاملة للمجتمع وللسياسة تتناقض جذريا مع الفكرة الديمقراطية وتزيد من تهافت الحديث عن إمكانات التحول باتجاهها. يتضخم المكون الأمني ــ الاستخباراتي في أغلبية الدول العربية ذات المؤسسات المتماسكة، يتضخم حتى يطغى على بقية مكونات السلطة التنفيذية ويلغي استقلالية السلطات التشريعية والقضائية وينفرد بالفعل السياسي والمجتمعي ويخضع المجتمع المدني والقوى السياسية إما للاستتباع أو للحصار.
أما في حالات الدولة المعطلة كالعراق ولبنان والدولة المنهارة كسوريا واليمن وليبيا والدولة الغائبة كفلسطين فتمتد العسكرة من السياسة إلى تركيبات المجتمع الأولية وتتداخل معها على نحو يصنع دويلات داخل الدولة تمتد كالخلايا السرطانية لتواصل الإجهاز عليها أو تحول بينها وبين البحث عن بدايات تأسيسية جديدة.”.
#وإذا #الديمقراطية #سئلت
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
