- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

العقل الأداتى العربى

هل يمكن أن تجد النخبة المثقفة فى عالمنا العربى سبيلا لمواجهة أزمات الواقع الاجتماعى والسياسى والثقافى التى أدت إلى حالة العجز وثقافة الفوضى، والتشظى، وغياب المشتركات الجامعة داخل كل مجتمع من المجتمعات العربية؟!

لماذا فشلت النخب المدنية -من التكنوقراط والبيروقراطية- فى تشكيلات الحكم المتعاقبة منذ الاستقلال عن الاستعمار الأجنبى؟ هل تستطيع الطبقات السياسية الحاكمة فى دول العسر مواجهة المشكلات الهيكلية فى الأنظمة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.

ما يطرح هذه الأسئلة الراهنة، هو الأوضاع المضطربة داخل بعض الدول العربية ذات التاريخ، والإنجاز فى التطور الحضارى – سوريا والعراق ولبنان، وتونس، والمغرب والجزائر- وما عانت منه هذه الدول من اضطرابات، وانتفاضات جماهيرية، واسعة النطاق، ونزاعات ضارية مع جماعات الإسلام السياسى، وتحول الأوضاع إلى حروب أهلية أو ما يشابهها، ومن ثم يطرح السؤال القديم الجديد لماذا تراجعنا؟ ولا يطرح معه لماذا تقدموا، الذى طرحه شكيب أرسلان، ثم أعيدت صياغته من عديد المفكرين العرب فى عهود مختلفة من القرن الماضى، وفى عديد الصياغات ومناوراتها، كانت الإجابات فى غالبها تنطوى على محاولة الجمع بين ثنائيات ضدية، دونما اختراقات جسورة، لا تأبه بمواقف الجموع الغفيرة، والطبقات الحاكمة، الأخطر أن الاتجاه التوفيقى والتلفيقى بين التراث، والمعاصرة، ظل يتصور أن هناك إمكانية لإيجاد طريق وسطى، بين الموروثات – بكل ما تنطوى عليه من لا تاريخية وإعاقات باسم الدين والتدين الشعبى-، وبين التطور الحضارى، والتكنولوجى، والعلمى الغربى، فى جميع مدارسه ومجتمعاته.

لا شك فى أن الأسئلة والإجابات اعتمدت فى غالبها على المناورة، وأيضا النظرات العقلية، ولم تعتمد على البحث السوسيو- دينى، والسوسيو- سياسى، والسوسيو- ثقافى مع كل وضعية، من وضعيات المجتمعات العربية، خاصة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وبين المدن، والحضر، والأرياف والبوادى. من ثم غلب التعميم، والرؤى المفارقة للواقع الموضوعى، والتاريخى.

السؤال الآن لماذا تراجعنا، رغم اتساع قاعدة التعليم، والطبقات الوسطى العربية، وثورة الاتصالات؟!.

السؤال يثار محملا من غالبهم باليأس، والإحساس العميق بالضياع فى مجتمعات اليسر، والتراجع الاقتصادى والاجتماعى العربى، حيث لا يلوح أى بشائر للأمل فى المستقبل، ويسود الإحباط فى الواقع على نحو جماعى!.

أحد أخطر أبعاد هذه الحالة النفسية والسوسيولوجية الجماعية، أنها تستدعى إجابات الماضى، سواء لدى العقل شبه العلمانى النقلى، والسياسى البسيط وأيضا العقل الدينى النقلى التأويلى، الذى يُعيد إجابات الماضى وأسئلته، ولا تاريخيته! إجابات بسيطة، فى لغة ساكتة وكلام ساكت، وفق التعبير السودانى، أو لغة خشبية، وفق النعت الفرنسى.

اللغة الشعاراتية التى تطرح على الواقع الفعلى، أو الحياة الرقمية، ناتجة عن الانفصال المزدوج عن الواقع الموضوعى فى كل بلد عربى، وعن تحولات عالمنا الكبرى فائقة السرعة، وأيضا انحطاط النظم التعليمية، وتراجع مستويات المعرفة والثقافة فى بلدان العسر واليسر معا، والاستثناءات محدودة.

رغم هذه الفجوات، هناك فجوة بين إنتاج كبار المفكرين – وخطاباتهم المتخصصة-، وبين عموم ما يطلق عليهم مجازا المثقفون، لأنهم لا يمتلكون سوى المعرفة العامة التبسيطية فى الغالب، ويتعايشون عليها فى نظرتهم لمشكلات عالمنا ومجتمعاتهم، والفجوة الثانية بين الطبقات السياسية العربية، وبين هذا الإنتاج المعرفى؛ واستيعابه، أو الاطلاع عليه، من ثم فجوة بين السياسى، والمفكر، ولا مبالاة السياسى بالإنتاج المعرفى، ونزوعه للواقعية السياسية المبتذلة فى ظل أنظمة شمولية وتسلطية، واهتمام السياسى الأساسى بالقوة، وحيازة أدواتها فى ظل موت السياسة. الفجوة الثالثة، بين المفكر، وبين الطبقات الاجتماعية الوسطى، والشعبية، التى لا تستطيع استيعاب كتاباته، ولا تطلع عليها فى الغالب الأعم.

من هنا المفكر العربى، يبدو معزولا، على الرغم من أن العزلة جزءا من عالم المفكر وإنتاجه بلا نزاع فى المجتمعات الأكثر تقدما ، وخاصة فى المجتمعات المتخلفة، والأكثر تخلفا.

- الإعلانات -

بعد دولة ما بعد الكولونيالية وصل آباء الاستغلال إلى السلطة فى مجتمعات انقسامية، وحاولوا أن يؤسسوا لدولة شمولية، أو تسلطية، عمادها التركيز على أصولهم العرقية، والقبلية، والمناطقية، والدينية والمذهبية، ومعهم الزبائن والمحاسيب! ثم الاعتماد على بعضهم من التكنوقراط، والبيروقراطية التى ساهم فى تشكيلها الحكم الاستعمارى -الفرنسى المباشر، والبريطانى غير المباشر- اعتمادا على القبائل والعائلات، وبعض المتعلمين الذين عملوا فى ظل الحكم الكولونيالى!.

بعد الاستقلال كانت المصادر البيروقراطية والتكنوقراط، ورجال الأمن، جزءا لا يتجزأ من الطبقات السياسية العربية الحاكمة، يلعبون أدوار المساندة، وتقديم بعض خبراتهم للحكام من خلال الولاء الكامل ، ودونما معارضة فى الرأى المهنى!.

من هنا كان دورهم بالغ الخطورة، لأنهم انصاعوا نحو تقديم الآراء التى تجد قبولا عند بعض النظم العربية فى السابق، وتؤيد آراءها ومطالبها ومصالحها ومن معها فى الاقتصاد، والسياسة، والاجتماع، والثقافة، نصائح وآراء وسياسات تعتمد على مفهوم احتواء المشكلات المتفجرة، وليس علاجها من جذورها. هذا النمط من الحلول العارضة تحولت إلى إرث للبيروقراطية، والتكنوقراط فى تعاملهم مع صناع القرار السياسى عند قمة النظام الحاكم فى بعض البلدان العربية. مرجع ذلك تراجع السياسة كظاهرة ممتدة.

هذا الإرث عبر العقود السابقة فى المساندة، والتبرير، والتواطؤ، والمسايرة تحول إلى ثقافة وتقليد ممتد وسطهم وفى دوائر الزبائن والمحاسيب السياسيين للنظام.

هذا النمط الثقافى على تعدد وجوهه، تمدد وسط الأجهزة البيروقراطية، والأمنية العربية، خاصة فى نزعة الاحتواء للمشكلات المتفجرة اقتصاديا، واجتماعيا، وسياسيا،وليس التصدى لجذورها، وأسبابها، وتحولاتها!.

أحد أبرز مشكلات العقل البيروقراطى، والتكنوقراطى الموالى للطبقة السياسية الحاكمة، غياب الرأسمال الخبراتى السياسى، فضلا عن ضعف تكوينهم التخصصى غالبا والاستثناءات محدودة، وعدم اعتماد غالبهم على البحوث، والدراسات العلمية فى تخصصاتهم إلا قليلا، سواء على مجتمعاتهم، وأنظمتها المختلفة، أو التجارب التنموية فى دول العالم الثالث آنذاك!.

العقل التكنوقراطى، والبيروقراطى المساير للسلطة وقادتها فى الفترات السابقة ركز غالبه على مصالح الحكم السياسية، وعلى مصالحهم الخاصة، فى ظل انتشار الفساد الإدارى فى أجهزة الدولة البيروقراطية!. كانت نزعة الإتباع والتبرير، والاحتواء، جزءًا من عقلية هذه الأجهزة.

استمرت ظواهر الفساد فى التمدد داخل أجهزة بعض الدول وسلطاتها، ووسط الجموع الغفيرة، دونما تصد حاسم لها، ومن ثم أدى ذلك إلى إضعاف مبدأ سيادة القانون فى بعض هذه البلدان! الأخطر أن تراجع السياسة كرس العقل الأداتى المراوغ، ومن ثم تحولت الأداتية المراوغة إلى جزء من الثقافة فى عالمنا العربى، والى ثقافة عامة محمولة على عدم الكفاءة، وغياب الرقابة عليها، على نحو أدى إلى تراكم المشكلات، وتعقيدها، وعدم القدرة على تجاوزها أو احتوائها!.
لمزيد من مقالات ◀ نبيل عبدالفتاح رابط دائم:

#العقل #الأداتى #العربى

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد