- الإعلانات -
دلالات اندلاع أعمال الشغب في تونس

سارة فوير* – (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 22/1/2021
يشير اندلاع الاضطرابات الاجتماعية في تونس إلى أن الوباء لم يعد يردع الناس عن النزول إلى الشوارع والتعبير عن مظالمهم بشأن افتقارهم إلى الآفاق الاقتصادية أو الخدمات الأساسية. وكما حدث في العام 2011، فقد تكون الاضطرابات نذيرا لأمور ستحصل في بلدان أخرى.
* *منذ 15 كانون الثاني (يناير)، شهدت تونس احتجاجات يومية ومظاهرات ليلية عنيفة في 15 مدينة على الأقل. ويوم السبت، 20 كانون الثاني (يناير)، اندلعت مواجهات بين المئات من المتظاهرين وقوات الأمن في العاصمة تونس، خلال مسيرة خرجت للمطالبة بالإفراج عن محتجين كانوا قد أوقفوا خلال الأيام السابقة. ويمكن أن يؤدي تزايد الاضطرابات في مهد “الربيع العربي” إلى عدم استقرار خطير للديمقراطية الفتية، مع تداعيات محتملة خارج حدودها.وردا على الاشتباكات مع الشرطة، اعتقلت السلطات 600 شخص على الأقل خلال الأسبوع الثالث من كانون الثاني (يناير) وحده، وانتشر الجيش في أربعة مواقع لحماية المباني الحكومية وتسيير دوريات إلى جانب سلطات إنفاذ القانون المحلية. وأصدر الرئيس قيس سعيد ورئيس الوزراء هشام المشيشي تصريحيْن علنييْن أعربا فيهما عن تفهمهما لمظالم المحتجين، ودعيا في الوقت نفسه إلى ضبط النفس واستعادة القانون والنظام، لكن مطلباتهما فشلت حتى تاريخ كتابة هذه السطور في كبح جماح المظاهرات المتضخمة.وجاءت هذه الثورة الأخيرة في الوقت الذي تحتفل فيه تونس بالذكرى السنوية العاشرة للانتفاضة التي أطاحت بالرئيس زين العابدين ابن علي، الديكتاتور الذي حكم تونس لفترة طويلة، وأطلقت شرارة “الربيع العربي” على مستوى المنطقة. ومنذ ذلك الحين، أحرزت البلاد تقدماً ملحوظاً في الانتقال إلى نظام ديمقراطي متعدد الأحزاب، مع حماية حرية التعبير والحريات الفردية. ومع ذلك، فإن هشاشة النظام -الذي تعاقبت عليه عشر حكومات خلال عشر سنوات- قوّضت قدرة تونس على وقف التدهور الاقتصادي الناتج عن النمو المحدود للوظائف، والإنفاق العام غير المستدام، وعدم المساواة المزمن بين المناطق الساحلية والداخلية.وتشكّل هذه الأزمات الاقتصادية المتفاقمة مصدر التهديد الرئيسي لقدرة البلاد على الاستمرار كديمقراطية مستقرة –ولو أنها فوضوية. وكان على الحكومة أن توازن بين إصلاحات الاقتصاد الكلي التي غالبا ما لا تحظى بالشعبية والتي أوصى بها “صندوق النقد الدولي”، ومجموعة من المصالح الاقتصادية الراسخة، بدءا من النقابات القوية إلى النخب التي هيمنت على القطاع الخاص منذ عهد بن علي. وحتى الآن، انتصرت النفعية والمحسوبية السياسية، وعجزت الحكومات المتعاقبة عن ممارسة الضغوط الكافية لتذليل العقبات التي تعيق الإصلاح. وفي النهاية، سوف تحتاج القيادة السياسية إلى تبني إصلاحات جريئة تهدف إلى إعادة هيكلة الاقتصاد بشكل أساسي.وبالإضافة إلى ذلك، ضربت جائحة فيروس كورونا “كوفيد 19” لتزيد الأوضاع السيئة سوءا. ففي العام 2020، انكمش الاقتصاد التونسي بنسبة 8 في المائة، وانخفضت عائدات السياحة المهمة بنسبة 65 في المائة، واضطرت آلاف الشركات إلى الإغلاق. وفي غضون ذلك، استمرت البطالة بين الشباب في الارتفاع بعد أن تجاوزت الثلث، وانعكس الاتجاه السائد منذ عقد من الزمن، والمتمثل في تراجع الفقر. كما حفزت الآثار المشتركة لفيروس كورونا وإجراءات الاحتواء الحكومية المزيد من التونسيين على التوجه إلى أوروبا، حيث وصل ما يقرب من 13.000 مهاجر إلى شواطئ إيطاليا في العام 2020 مقارنة بـ2.600 مهاجر في العام الذي سبق -وهو تذكير بأن عدم الاستقرار في شمال إفريقيا يحمل تداعيات بعيدة المدى على حلفاء أميركا الأوروبيين.للولايات المتحدة العديد من المصالح القوية في رؤية التجربة الديمقراطية في تونس وهي تحقق النجاح. فبالإضافة إلى التكلفة الرمزية الكبيرة المترتبة على انهيار ديمقراطية عربية، قد يؤدي عدم الاستقرار في تونس إلى امتداد النزاع الدائر في ليبيا المجاورة إلى تونس، وتفاقم التحدي المتزايد المتمثل في الهجرة غير المنضبطة إلى أوروبا، وتوفير فرصة للإرهابيين والجماعات المسلحة الأخرى التي تتجمع في أماكن أخرى مجاورة لتونس.وبالتالي، يترتب على واشنطن أن توضح على المدى القريب أنها على استعداد لمساعدة تونس بقدر الإمكان. وحتى التدابير منخفضة التكلفة ستحقق عوائد قوية. على سبيل المثال، يمكن للإدارة الأميركية الجديدة الاستفادة من نفوذ الولايات المتحدة في “البنك الدولي” و”صندوق النقد الدولي” والمنظمات الدولية الأخرى لتعزيز المساعدات الطارئة للبلد، وتسريع تطبيق اتفاقية “مؤسسة تحدي الألفية” التي طال السعي إلى تنفيذها في تونس، ودعوة البلد إلى حضور “القمة العالمية من أجل الديمقراطية” التي تعهد الرئيس بايدن بعقدها خلال عامه الأول في المنصب. كما سيكون الانخراط بقوة أكبر مع الحلفاء الأوروبيين بشأن التحديات الاقتصادية وتحديات الهجرة أمراً أساسياً.على أي حال، يشير اندلاع الاضطرابات الاجتماعية في تونس إلى أن الوباء لم يعد يردع الناس عن النزول إلى الشوارع والتعبير عن مظالمهم بشأن افتقارهم إلى الآفاق الاقتصادية أو الخدمات الأساسية. وكما حدث في العام 2011، فقد تكون الاضطرابات نذيراً بأمور ستحصل في بلدان أخرى. فقد عانت العديد من الدول المجاورة لتونس من تداعيات مماثلة من الوباء، ومع خروجها من أزمة “كوفيد 19″، يمكن أن يكون الضرر الاقتصادي في العامين الماضيين مزعزعاً للاستقرار إلى حد كبير إذا بقي المواطنون غير مقتنعين بأن حكوماتهم ستقدم لهم الإغاثة الكافية.الآن، بعد مرور عشر سنوات على انتفاضة “الربيع العربي”، يشير الوضع الصعب الذي تعاني منه تونس إلى أن تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والسياسية في المنطقة قد يتأخر إلى أجل غير مسمى، ولذلك يجب على إدارة بايدن الاستعداد لهذه الاحتمالات. وبغض النظر عن مدى رغبة الرئيس الأميركي الجديد في التركيز على أولوياته المعلنة، يُظهر اندلاع الاحتجاجات أن الأحداث المحلية يمكن أن تشق طريقها بسرعة إلى أجندة السياسة الخارجية الأميركية.*زميلة “روزنبلوم فاميلي” في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى.
- الإعلانات -
مقالات ذات صلة
- الإعلانات -
