- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

صائب سلام: شخصيات لبنانية وعربية وعالمية عرفتها.. العلاقة الحميمة مع الملك فهد تعرّضت لفترات من الجفاء (٢/٢) | ثقافة | جريدة اللواء

ليس هو  كتاب ذكريات، ولا هو سجلّ لسِيَر ذاتية، بقدر ما هو سِفر يرسم، بأسلوب رشيق، ولغة غنية بالمفردات والألوان، لوحات مجموعة من الشخصيات اللبنانية والعربية والعالمية التي عرفها الرئيس صائب سلام في عهود مختلفة من عمله السياسي والوطني، وذلك بأسلوبه الصريح، والبعيد عن المجاملات، ومشدداً على وضع خلاصة تجاربه الطويلة أمام الشباب «الذين سيتحمّلون هذا الوطن».
«اللــواء» اختارت الرئيس كميل شمعون من الشخصيات اللبنانية، وكل من الملك عبد العزيز، والرئيس جمال عبد الناصر، والملك فهد، من الشخصيات العربية، والرئيس رونالد ريغان، والوسيط الأميركي فيليب حبيب، من الشخصيات العالمية.

- الإعلانات -

وأنا لا أحاول هنا أن أدافع عن أبناء بلدي، بل أن أقرّ أنّ التدخلات التي أشرتُ إليها – وبوطأتها الجبارة – قد شلّت وسائل عمل اللبنانيين في التعبير عن إرادتهم؛ وهي إرادة الأكثرية الصامتة من مسلمين ومسيحيين.
فـ «لبنان»، أيها الإخوة العرب، هو عربي أصيل في ماضيه وحاضره، وما يجب أن يكون عليه مستقبله، فلا تتركوه فريسة سائغة بين أيدي من يريد به وبالعروبة شراً كـ «إسرائيل».
وقد تسارعت الخُطى مؤخراً في تنفيذ المؤامرة التي حيكت ضد المصلحة العربية، وأخذت لها منطلقاً من «لبنان». فأصبح «لبنان» اليوم، ليس في وضع مؤلم فحسب، بل هو ثمرة ناضجة ليس كما يتصوره البعض جاهزاً لتقسيمه إلى دولتين، بل إلى تفتيته إلى دويلات في مناطقه، وبين سائر فئاته وطوائفه ومذاهبه.
ومَن منا لم يقرأ ما كان يُنشر في «إسرائيل» – وبصورة مفتوحة – في صحفها، وكتبها، منذ سنوات وإلى اليوم، من أنّ سياستها ليست قائمة، للمحافظة على سلامتها، على قوة السلاح وحده، بل إنّ عليها من أجل ذلك أن تعمد إلى تفتيت – وهم كانوا يستعملون هذه الكلمة بمعناها ومبناها – تفتيت البلاد العربية من حولها.
فإذا نُفذ المقدور، وتم تنفيذ المؤامرة في «لبنان»، وذلك بعدم التوصّل إلى انتخاب رئاسة شرعية فيه، فإنّ الشر الذي سيقع فيه ستتطاير شراراته إلى كل بلد عربي، قريباً كان أم بعيداً، وسيطاول لهيب احتراقه جميع الأقطار العربية بدون استثناء.
ولن أكتفي هنا بمجرّد التوعية والتحذير، بل أنا أقترح عليكم أيها الإخوة المسؤولون من قادة العرب، المبادرة – وبدون إبطاء – لعقد قمة عربية عاجلة، والتوافق على «تعريب» القضية اللبنانية تعريباً صحيحاً يتقبله جميع اللبنانيين، من مسلمين ومسيحيين، ثم أن تعملوا للتوصل إلى انتخابات شرعية لرئاسة الجمهورية، فتحولون بذلك دون حصر القضية بين أيدي من يعمل على تدويلها؛ كما أصبحنا نسمع في الآونة الأخيرة من اقتراحات بعض الدول، حتى الصديقة منها.
أخلص من هذا كله لأردّد اليوم، وبصوت عالٍ وصريح، ما فيه رجع الصدى لتلك الصرخة التي صدرت عن عربي أصيل منذ مئة عام: «ألا هبّوا واستفيقوا أيها العرب…».
نعم، لا بدّ لي من تلك الصرخة قبل فوات الأوان.
اللهم اشهد أنّني قد بلّغت، اللهم اشهد أنّني قد بلّغت».
وقد كانت لهذا النداء أصداء طيّبة في الرأي العام العربي. وعلى أثره، انعقدت القمة العربية في «الرباط»، وتقرّر فيها تشكيل اللجنة الوزارية السداسية العربية التي اجتمعت في شهر آذار/مارس في مدينة «تونس». وقد توجهتُ إلى «تونس»، حيث سبقني إليها بعض الإخوان المسؤولين السابقين في «لبنان»، من رؤساء جمهورية ووزارات، وأمضينا هناك عشرة أيام أصابني فيها إرهاق شديد، مع العلم أنّ الأطباء كانوا قد منعوني من القيام بتلك الزيارة.
وفي «تونس»، قدمتُ بعد إلقاء كلمتي، مذكرة خطية وضعتُ فيها اقتراحاتي لحل المعضلة اللبنانية. لكن الرئيس «الأسد» لم يتقبّل ما جاء في توصيات تلك اللجنة، ورفض أن يمضي في تنفيذها.
وقد طرأ على علاقتي بالملك «فهد» جفاء استمر مدة طويلة؛ إذ لم يلبِّ أي نداء صارخ مني من أجل استمراره بدعم «جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت»، والتي كان هو و«المملكة» يمدّانها بدعم مستمر على مدى ثلاثين سنة سابقة. ففي عام 1989، قرّرت أن أذهب أنا وزوجتي بزيارة خاصة لأداء مناسك العمرة، فنحضر ليلة القدر في الأيام الأخيرة من رمضان.
أرسلتُ جوازَي سفرنا إلى السفير السعودي في «جنيف»، راجياً إياه أن يمنحنا تأشيرة خاصة للعمرة، كي نتوجه بها إلى «المملكة العربية السعودية». وعلى الفور، تلقيتُ منه اتصالاً هاتفياً يقول فيه: «إنّني رغم التشديد بالأوامر مستعد لتلبية أي طلب لتأشيرة لأي شخص تريد. لكن اسمح لي، أنّه بالنسبة لك، أجد نفسي مضطراً أن أبلّغ المسؤولين في المملكة، طالباً منهم التعليمات». 
وبعد مدة وجيزة، أبلغني أنّ الموافقة جاءته، وأرسل لي جوازي السفر ممهورين بتأشيرة جاء فيها أنّنا سنكون ضيفين على «المملكة» في «قصر الضيافة بجدّة»، مع أنّني كنت أنوي أن أنزل في منزل أحد أبنائي الموجودين في «جدة»، بدون إبلاغ المسؤولين هناك، أو الاتصال بهم.
عند وصولنا إلى «جدّة» في أول أيار/مايو، استقبلنا رجال المراسم الملكية، وانتقلوا بنا إلى «قصر الضيافة»، حيث نزلنا هناك. واستمروا في مرافقتنا طيلة مدة إقامتنا، يسهّلون لنا تنقلاتنا، كما سهّلوا لنا – وبصورة خاصة – أداء مناسك العمرة، بطريقة مريحة جداً، لأنّني كنتُ أخشى على زوجتي من الإرهاق.
مكثنا هناك ثلاثة أيام، قبل حلول عيد الفطر المبارك. فوجدتُ من واجبي– وقد نزلنا في ضيافة «المملكة» – أن أذهب صباح العيد إلى «مكة المكرمة» فأشترك مع المهنئين بتهنئة الملك «فهد».
ولم أشأ أن أبلّغ الرسميين بذلك، لأنّني كنتُ لا أزال مصمماً على أن تبقى الزيارة خاصة. لكنني ما إن دخلتُ «القصر الملكي» حتى أوصلوني إلى الصف الأول في قاعة المسجد، حيث ستُقام صلاة العيد، وأجلسوني إلى جانب المكان الذي سيشغله الملك «فهد».
وهنا، توافد عدد من الأمراء للاشتراك في صلاة العيد، وكان في مقدمتهم الصديقان: الأمير «سلطان»، والأمير «سلمان». وكان كلّ منهما يأتي إليّ حيث أجلس، فنتناول السلام والكلام والقبلات الأخوية. وقد أصرّ الأمير «سلمان» على أنّه سيزورني في «جدّة». وعندما حضر الملك «فهد»، وقفتُ لاستقباله، وكان لقاء حاراً فيه القبلات والاستفسار عن الصحة بصورة حميمة.
ولأول مرة، حضرتُ الصلاة في القصر المشرف على «الحرم»، وكان أمامنا حاجز من زجاج نرى من خلاله حشود المصلّين في ساحة «الحرم»، كما نرى ونسمع خطيب العيد، ثم أُقيمت الصلاة فصلينا بإمامته.
وعقب الصلاة، طلب الملك «فهد» إليّ مرافقته إلى حفلة الفطور الواسعة التي يقيمها لكبار الضيوف وكبار الأمراء والسعوديين. وأثناء الفطور، أبلغني أنّه يريد مقابلتي.
وعندما عدنا إلى «جدّة»، علمتُ أنّ الملك كان مرهقاً بعد أن أمضى – كعادته – الأسبوعين الأخيرين في «مكة المكرمة»، فتوجّه مباشرة إلى الجزيرة التي يملكها في البحر، لقضاء أيام من الراحة فيها.
وفي هذه الأثناء، جاء لزيارتي الصديق الأمير «سلمان بن عبد العزيز»، وسألني: «إلى متى أنت باقٍ في المملكة» فأجبته: بـ «إنّني أنهيتُ ما عليّ من واجب ديني، وسأعود إلى مقري في جنيف بدون تأخير».
فرجاني أن أؤجل سفري كي أتمكن من مقابلة جلالة الملك بعد عودته. فأجّلتُ سفري أسبوعاً آخر، على أن أسافر في رحلة يوم الثلاثاء الموافق فيه الخامس عشر من أيار/مايو، وقلتُ لـ «الأمير سلمان» إنّني سأكون سعيداً أن أتشرف بمقابلة جلالته؛ إذا كان قد عاد إلى «جدة» قبل هذا التاريخ.
وفي اليوم التالي، اتصل بي الأمير «سلمان» وألحّ عليّ بأن أؤجل سفري لما بعد يوم الأربعاء، لأنّ الملك سيعود في ذلك اليوم كي يفتتح «المؤتمر الإسلامي» المقرّر عقده في «جدّة»، فأجبته أنّني سأؤجل سفري حتى يوم الجمعة، وأكدتُ له أنّني لن أتمكن من التأجيل بعد هذا التاريخ.
وفي أثناء إقامتي، ألحّ عليّ الأمير «سلمان» بمقابلة الوزير «علي الشاعر»، وكنتُ متردّداً جداً في ذلك. ولكنني نزلتُ عند رغبة الأمير، فوافقتُ على اللقاء؛ شرط أن أكون صريحاً جداً معه.
وعندما حضر وزير الإعلام «علي الشاعر» لمقابلتي، أراد أن يجعل من زيارته لقاء حميماً بعد طول افتراق، فلم أُشعره بأي نفور منه، ولكنّي قلتُ له: «أنت تعلم أنّني صريح جداً، وقد أبلغتُ الأمير سلمان أنّني سأكون كذلك معك، فاسمح لي أن أقول – قبل بدء أي حديث بيننا – إنّك يا أخ علي قد أصبحت رجل مخابرات، بل أصبحت «مخابراتياً» من الطراز الأول».
وبعد هذا، أخذ النقاش حدّه، وتركني ونحن على وئام، ولو ظاهرياً.
وبعد وصول الملك وحضوره «المؤتمر الإسلامي» صباح الأربعاء، كان يفترض أن يستريح – على عادته – من يوم الخميس إلى يوم السبت، لكنّ «علي الشاعر» جاء إليّ وقال لي: «إنّ الملك عيّن لك – بصورة استثنائية – موعداً في قصره ليلة الخميس».
وفي مساء الخميس، حضر «علي الشاعر» لمرافقتي للاجتماع، وقدم لي شيكاً بخمسة ملايين ليرة لبنانية دعماً لـ «المقاصد» عن سنتين، ومع الشيك كتاب يشير إلى أنّ هذا الدعم سيستمر سنوياً، وأنّ الدفعة الثانية ستصرف بعد بضعة شهور؛ مع العلم أنّني لم أطلب شيئاً لـ «المقاصد». وقد كنتُ متعمداً ذلك، لكنني تحت إلحاح الأمير «سلمان» قدّرتُ له يومها أنّ الدعم المطلوب سيكون في حدود ثلاثة ملايين دولار على أقل تقدير، وقد لمتُ نفسي بعد ذلك؛ إذ عندما تشاورتُ مع «تمام»، قال لي إنّ «المقاصد» صارت بحاجة إلى مبلغ أكبر من ذلك بكثير.
توجهنا لمقابلة الملك، وكان برفقتي ولداي المقيمان في «جدة»، «فيصل» و«عمرو» اللذان سلّما على الملك، ثم انسحبا لانتظاري خارجاً. وبقي معنا الوزير «علي الشاعر» الذي جلس بعيداً في ركن من قاعة الاستقبال، وكان يستمع إلى الحوار.
شكرتُ الملك على بادرته بإرسال المبلغ الذي سلّمني إياه الوزير «علي الشاعر»، ثم كان عتاب صريح وواضح قبل أن نبدأ بأي حديث.
وإذ كان «علي الشاعر» قد تذرّع أمامي بأنّه كانت تأتيهم تقارير تقول إنّ «تمّام صائب سلام» – رئيس «المقاصد» – قد «باع» «المقاصد» للسوريين، وإنّ «المقاصد» – من جهة أخرى – أصبحت مقراً للكثير من الشيوعيين، فكان في ما قلته للملك: «قيل لي إنّ هناك تقارير تصلكم بأنّ المقاصد أصبحت شيوعية، وأنّ «تمّام» قد «باع» المقاصد (أي باعها سياسياً) لسوريا، وأنا أقول إنّ المقاصد لم تكن يوماً شيوعية، وليس فيها شيوعي واحد. كما أنّ المقاصد لن تُباع لأحد، لا لسوريا ولا لغيرها. إنّما يبدو أنّ المخبرين المنافقين استغلّوا زيارة «تمّام» لسوريا لمدة ساعتين، فجعلوا من ذلك أساساً لنميمتهم، في ما بعثوا لكم من تقارير».
وقصة ذهاب «تمّام» لـ «سوريا» هي أنّ السوريين كانوا يبعثون له بدعوات كثيرة، مباشرة وغير مباشرة، فيتقبّلها بدون أن يعد بزيارة.
وفي الآونة الأخيرة، جاء الممثل الأول للسوريين في «لبنان» العميد «غازي كنعان»، وزاره في داره، وكان معه «التلفزيون اللبناني» و«التلفزيون السوري»، فوقف في نهاية الزيارة، وأشاد بـ «تمّام سلام» ووطنيته وداره العريقة في الوطنية، وقال: «إنّني نقلتُ إليه دعوة رسمية لزيارة دمشق».
ولما سُئل «تمّام» عن موعد هذه الزيارة قال: «إنّني تقبلتها بسرور وسألبيها في أقرب وقت إن شاء الله».
وأخذ «تمّام» عشرة أيام، أحب أن يستفهم أثناءها عمّن سيقابل في «دمشق»، وماذا سيكون محور الحديث هناك. وعندما علم أنّ نائب الرئيس السيد «عبد الحليم خدام» هو الذي سيستقبله، عيّن موعداً وتوجه إلى «دمشق»، فقابل السيد «خدام»، ومكث عنده ساعتين من الزمن. ورغم الإلحاح الشديد عليه للبقاء ليلة في «دمشق»، اعتذر «تمّام» شاكراً، وعاد إلى بلده مرفوع الجبين، و«المقاصد» مرفوعة الرأس بمن يمثلها.
وقلتُ للملك: «هذه هي قصة التقارير التي يستند إليها البعض عندكم». وكنتُ أتكلم بصوت مرتفع كي يسمعه «علي الشاعر».
بعد ذلك، تناولنا شؤوننا العربية، وكان محور حديثنا ما جرى بعد ندائي الذي وجهتُه للرؤساء والملوك العرب في تشرين الأول/أكتوبر 1988، طالباً إليهم تعريب قضية «لبنان» (كما ورد من قبل). ثم جئنا على ذكر «اللجنة العربية السداسية»، وما كان موقف الرئيس «الأسد» منها، فعلّق الملك ساخراً: «وهل كان لشخص مثل الشيخ صباح الأحمد – وزير الخارجية الكويتي – أن يحل مسألة بهذا التعقيد».
وأضاف: «أود أن آخذ رأيك في ما تنصح به عن كيفية تعامل القمة العربية القادمة مع الرئيس الأسد». فأجبته: «أنا لا أنصح أبداً بمصادمة تقوم بين العرب والرئيس الأسد. وأرى أنّ السبيل الكريم الوحيد هو أن يُعالج الموقف برويّة. وليس هناك سواك لذلك، فأنت المعروف بالرويّة والحكمة».
فأعجبه الرأي وقال: «هذا هو رأيي بالتمام».
ثم اغتنمتُ المناسبة، فذكرتُ له أنّ العديد من أبناء «لبنان» الذين ينعمون بضيافة «المملكة»، ويسعون لرزقهم الحلال بكل إمكاناتهم، وبأمانة لم تشكُ منها «المملكة» يوماً، يتظلمون من أنّ إجراءات «المملكة» تفرض عليهم عدم استقدام نسائهم للإقامة معهم. فأجابني على الفور: «هذا لا يجوز شرعاً، وسأعطي الأوامر اللازمة من أجل إعطائهم الأذونات المطلوبة».
ثم أخذ الملك يباسطني بمودّة كالسابق، وأخذني إلى طرف القاعة – قبل أن أغادر مجلسه – وأراني صندوقاً ثميناً فتح بابيه على مصراعيهما، وأراني في داخله صفحتين من المصحف الشريف مكتوبتين بالذهب، وموضوعتين في صندوق من الذهب الخالص أيضاً، وقال لي إنّه سيأخذ هذا معه هديه يقدمها للملك المغربي «الحسن الثاني» الذي سيستضيف القمة.
وعندما أوصلني إلى الباب، كان هناك ولداي «فيصل» و«عمرو»، فسلّما عليه مرة أخرى. وهناك قال الملك لـ «علي الشاعر» أمامي: «ليتقدم فيصل إليك بكل صاحب ظلامة من الذين ذكرهم دولة الرئيس. وراجعني بذلك كي أعطي التعليمات اللازمة بهذا الصدد».
وغادرتُ الملك «فهد» شاكراً له ضيافته، وما أمدّ به «المقاصد» من دعم.
لكنّ «علي الشاعر» عاد إلى سيرته القديمة، فبعد مغادرة «المملكة»، قدّم له «فيصل» لائحة بعد لائحة بعد لائحة بأسماء المتظلمين، فضرب بها عرض الحائط، وراح يقدم للملك أسماء غير التي قدّمها «فيصل».
وأذكر أنّ الملك «فهد» كان يتصل بي في مؤتمر «الطائف» يومياً كي يطمئنّ إلى سير الأمور، ويحضني على عمل كل ما في وسعي لإنجاح المؤتمر، بعد أن جعل الأمير «سعود الفيصل» – وزير الخارجية – ملازماً لنا في ذلك الاجتماع، مع زميليه المغربي والجزائري اللذين كانا يمثلان بلديهما في ذلك المؤتمر، من قِبل أعضاء «اللجنة العربية الثلاثية» التي انتدبتها «الجامعة العربية»، والمؤلفة من الملك «فهد» ملك المملكة السعودية، و«الملك الحسن الثاني» ملك المغرب، والرئيس الجزائري «الشاذلي بن جديد»؛ إلى أن نجحنا بعد معاناة امتدّت ثلاثة وعشرين يوماً من النقاش والأخذ والعطاء في ذلك المؤتمر الذي جعلتُ له شعاراً هو: «الفشل ممنوع». وهذا ما ردّده عني الأمير «سعود الفيصل»، والمسؤول البريطاني في وزارة الخارجية. وكنتُ أعمل على أساسه، حتى تمكنّا من النجاح في التوصل إلى «وثيقة الطائف» المشهورة، بعد أن كان لي نداء عاطفي/عقلاني توجّهتُ به إلى إخواني الزملاء النواب، بأن لا نتفرّق قبل أن نصل إلى التوافق الذي قام عليه «لبنان» عام 1943.
وقد كان بعض إخواننا من المسيحيين يخشون من الوصول إلى ذلك الاتفاق بدون أن يكون له أي دعم سياسي، وقبل ذلك دعم مالي من قِبل «السعودية». ورغم أنّني كنتُ أطمئنهم – استناداً إلى معلومات عندي – مؤكّداً استعداد الملك «فهد» للتعهّد بذلك، لم يهدأ لهم بال إلا بعد أن دعانا الملك «فهد» إلى حفلة غداء شاملة، ألقى فيها كلمة بهذا المعنى، مؤكداً للجميع أنّه سيكون على استعداد كامل لمساندة «لبنان» سياسياً ومادياً بكل إمكاناته، مع ما يسعى إليه للحصول على مساعدات من الإخوان العرب.
وأثناء الغداء، ألقى الأمير «فيصل» بياناً باسم «اللجنة الثلاثية»، أعلن فيه أنّ النواب اللبنانيين مدعوون لانتخاب رئيس جمهورية جديد في السابع من شهر تشرين الثاني/نوفمبر في «لبنان».
عدتُ إلى مقر إقامتي في «جنيف»، كما عاد بعض النواب إلى «بيروت»، فيما لجأ عدد كبير منهم إلى «باريس»؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنّهم مهددون بأرواحهم من قِبل الجنرال «ميشال عون» وأنصاره… لو عادوا مباشرة إلى «لبنان». وقد داوم الملك «فهد» على الاتصال بي ليحضني على ضرورة اجتماع النواب لانتخاب رئيس جديد للجمهورية في 7 تشرين الثاني/نوفمبر. وفعلاً، كنتُ أحرص على أن يكون هناك أكبر عدد من النواب. أما أنا فقد توجهّتُ وحدي على متن طائرة خاصة أرسلها إليّ الصديق الرئيس «رفيق الحريري» إلى بلدة «القبيات» في «شمال لبنان»، حيث قمنا بانتخاب الشهيد «رينيه معوّض» بعد أن جدّدنا انتخاب رئيس مجلس النواب وهيئة مكتبه، وصدّقنا قانوناً بتمديد ولاية المجلس سنتين أخريين.
ومع الأسف الشديد، فقد وقع اغتيال الرئيس المنتخب «رينيه معوّض» صبيحة ذكرى الاستقلال في «لبنان»، وجرى فراغ جديد في رئاسة الجمهورية؛ مما جعلني أنادي فوراً بضرورة انتخاب رئيس جديد ضمن أيام قليلة.
وهنا، اتصل بي أيضاً الملك «فهد»، وألحّ عليّ أن لا نفوّت الفرصة، وأن نذهب مرة أخرى لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. وطلب الملك إليّ أن أبذل كلّ جهدي لأخذ النواب الموجودين في «باريس» إلى «لبنان» – مرة أخرى – كي نقوم بالانتخاب. فوجّهتُ نداءً حاراً لإخواني الموجودين في «باريس» للتوجّه جميعاً إلى «لبنان» لانتخاب رئيس جديد. ودعا رئيس المجلس النيابي إلى جلسة نيابية استثنائية في بلدة «شتورا» في «البقاع» اللبناني، لانتخاب الرئيس الجديد، فتوجّهتُ أيضاً بطائرة خاصة قدّمها إليّ أيضاً الصديق الرئيس «رفيق الحريري»، إلى مطار «دمشق»، ومنه بالسيارة إلى بلدة «شتورا»، حيث أمضينا ليلتين. وعندما اكتمل نصاب المجلس النيابي بثلاثة وخمسين نائباً، قمنا بانتخاب «إلياس الهراوي» رئيساً جديداً. وكان هو الرئيس الماروني الوحيد الذي قدّم ترشيحه، بينما تهرّب المرشحون الباقون من ترشيح أنفسهم؛ خشية الاغتيال. وفي «شتورا»، صدّقنا على تأليف الحكومة التي تشكّلت في اليوم التالي، وأيّدتُها بدون تردّد، نظراً للظرف الحرج؛ مع العلم أنّني لم أكن راضياً على تأليفها. وعدتُ أدراجي في اليوم نفسه إلى مقر إقامتي في «جنيف»، بالطريقة التي حضرتُ بها إلى «شتورا».
وقد استمرت العلاقة بيني وبين الملك «فهد» على أحسنها، إلى أن وقع الاجتياح العراقي لـ «الكويت»، فتوجّهتُ إلى «بيروت» مرة أخرى ليوم واحد، وبالطائرة الخاصة، للمشاركة في التصديق على الدستور الجديد المبني على «اتفاق الطائف».
وكان لا بدّ لي، عندما وقفتُ على منبر المجلس النيابي، ودعوتُ إخواني جميعاً للتصديق على الدستور الجديد، رغم اعتراضي على ما فيه من ثغرات وهَنات… كان لا بدّ لي أن آتي على ذكر الاجتياح العراقي لـ «الكويت» الذي وقع قبل ذلك بثلاثة أسابيع فقلت: «… وأخيراً، لا بدّ لي، وقد وقفتُ على هذا المنبر اللبناني، في هذه الأيام السوداء الحرجة، الملأى بالمفاجآت الفتّاكة، من أن أناشد إخواننا المسؤولين العرب باسمكم وباسم جميع الشعوب العربية – فيما يمرون اليوم بفرقة تدمي القلوب، وتُنذر بأوخم العواقب على الأمة العربية ومستقبل أبنائها – أن يعملوا على إبقاء الخلاف الواقع بينهم ضمن نطاقه العربي، فيجدوا سبيلاً للحوار ينقذ كل العرب مما هم فيه من محنة».
ولم أكتفِ بذلك، بل وعندما وجدتُ أنّ الملك «فهد» نفسه قد عمد في بدء هذا الحدث إلى جمع مندوب «العراق» ومندوب «الكويت» معاً، ولكنه لم ينجح في مسعاه – لسوء الحظ – وجّهتُ إليه كتاباً بالمعنى نفسه الذي أوردته في كلمتي في المجلس النيابي، وناشدته ألا ييأس، وأن يعاود الكرّة في مسعاه.
وقد جاءني منه كتاب كريم يشاطرني فيه الرأي، ويشكو من أنّ «صدّام حسين» لم يكن يستجيب إلى أي نداء منه. إذاً، فقد كان همي الأول أن يبقى العرب متضامنين، ولو كان الجرم كبيراً والمحنة قاسية.
وهذا، على ما يبدو، ما أخذه عليّ الملك «فهد» والمسؤولون السعوديون؛ فقاطعني الملك مقاطعة تامة، وعاد إلى جفائه نحوي. فالسعوديون مثل أبناء «الكويت»، ينقمون على كل من ليس معهم، ويعتبرونه عدواً حتى لو لم يكن ضدّهم. وقد وضعوني في هذا الموقع، واستمر الجفاء بيننا إلى ما بعد قيام الحرب الخليجية عام 1991.
وفي أوائل نيسان/أبريل بعيد نهاية حرب «الخليج» التي خاضها التحالف الدولي – العربي مجتمعاً ضدّ «العراق»، وأخرجه عنوةً من «الكويت»، وأبعد التهديد العراقي عن «السعودية» وبقية دول «الخليج»… نويتُ السفر مرة أخرى إلى «المملكة العربية السعودية» لأداء مناسك العمرة – بصورة خاصة – وبدون أن أتصل بالمسؤولين، وأن أنزل في منزل أحد ولدي المقيمين في «السعودية». وعندما قررتُ ذلك، أرسلتُ جواز سفري إلى السفير السعودي في «جنيف»، وطالبتُه – كالسابق – أن يعطيني تأشيرة ذهاب خاصة بأداء العمرة في العشرة أيام الأخيرة من رمضان، مثلما فعلتُ قبل سنتين عند ذهابي مع زوجتي للهدف نفسه… وهذه المرة أيضاً، اعتذر السفير السعودي، وقال لي إنّ عليه أن يراجع المسؤولين في «المملكة»… وهكذا كان. وبعد أن ورده الجواب، وضع التأشيرة اللازمة على جواز سفري، وفيها أنّني سأكون ضيفاً على «المملكة».
وكالسابق، كان استقبالي رسمياً من قبل المراسم، وأُنزلتُ في «قصر الضيافة»، ولازمني رجال المراسم طيلة إقامتي حتى عيد الفطر. ومع أنّني كنتُ مصمماً على ألّا أتصل بالملك «فهد» أو بأحد المسؤولين، وجدتُ أنّه من اللياقة، وقد وقع عيد الفطر المبارك، أن أقوم بتهنئة الملك في قصره في «مكة»، مثل أي واحد من المهنئين الكثيرين.
ومرة أخرى، استُقبلتُ عند المدخل، وأخذوني إلى مقعد خاص إلى جانب مقعد الملك. وعندما وصل الملك ووجدني أنهض بصعوبة نظراً لمكوثي متربعاً على الأرض لوقت طويل، طلب لي – وكان يعرف أنّني أصبحت في السادسة والثمانين من عمري – كرسياً أجلس عليه، وعلّق قائلاً: «إنّ هذا مسموح شرعاً». فاعتذرتُ إليه، وقلت له إنّني قادر على القيام بالصلاة بدون حرج، وبدون الاستعانة بالكرسي.
أجلسني الملك «فهد» إلى جانبه أثناء خطبة العيد، انتظاراً للصلاة، وراح يحدثني طويلاً عن أمورنا العربية وشؤون «لبنان» بصورة خاصة، مردّداً كعادته دائماً أنّ «لبنان» ما زال في قلبه وتفكيره، وأنه لن يتأخر يوماً عن مساعدته على كل صعيد.
وقد روى لي الكثير من الأصدقاء، مساء ذلك اليوم، كيف أنّ ذلك الحوار الطويل بيننا ظهر في العرض الأول للتلفزيون، وأُذيع حياً ومباشرة على الجمهور. ولكن– حسب تقديرهم – حذف وزير الإعلام «علي الشاعر» الكثير منه، فلم يبقَ منه للعرض الثاني وما تلاه إلا القليل القليل.
وتلك كانت آخر مقابلة لي مع الملك «فهد» الذي لم أره بعد ذلك، وما زلتُ أكنّ له وللإخوان السعوديين كلّ مودّة وتقدير؛ على الرغم مما ألقاه من جفاء من بعضهم، ومن انقطاع يعزّ عليّ كثيراً، وخصوصاً انقطاع دعمهم ودعم الملك «فهد» شخصياً للمجتمع الإسلامي في «بيروت»، وخصوصاً لجمعية «المقاصد الإسلامية» التي كانت تقوم في قسم كبير من أعمالها على مساعدتهم المالية طيلة ما يزيد عن ثلاثين عاماً. وهم لا يزالون لا يستجيبون لأي نداء مني بهذا الصدد، ومن «رئيس المقاصد» – ابني «تمام» – لا من قريب ولا من بعيد، مع العلم أنّ «تمام» شخصياً كان قد أبرق للملك، ولأمير «الكويت» مبدياً استنكاره الشديد للاجتياح العراقي يوم حصوله، وجاءه رد من كل منهما يقدر له موقفه.

#صائب #سلام #شخصيات #لبنانية #وعربية #وعالمية #عرفتها. #العلاقة #الحميمة #مع #الملك #فهد #تعرضت #لفترات #من #الجفاء #٢٢ #ثقافة #جريدة #اللواء

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد