- الإعلانات -
في ذكرى ثورة التحرير الجزائرية: فرنسا تصطدم بجزائر مختلفة | القدس العربي

منذ 23 ساعة

ثورة التحرير التي يحيي الجزائريون ذكراها في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام، برصد ملامح الكفاح الذي خاضوه ضد المستعمر الفرنسي، تأتي هذه المرة في سياق توتّر متصاعد مع باريس، لتعيد طرح معضلة الذاكرة الاستعمارية. وقد أشار قائد الأركان الجزائري سعيد شنقريحة، في هذه المناسبة بوضوح تام، إلى أنّ معارك اليوم تُدار في سياق مواجهات الماضي، في إشارة إلى الأزمات الدبلوماسية المتتالية بين البلدين. ويطالب أكبر بلد افريقي مساحة، فرنسا بتسوية قضايا مهمة، منها قضية المفقودين الجزائريين في حرب الاستقلال، وكذلك التعويض عن الأضرار التي خلفتها التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية، واستكمال استرجاع رفات قادة المقاومة الشعبية.
ويبقى ملف الذاكرة التاريخية الأكثر تعقيدا في علاقات الجزائر وباريس، وكشفت الجزائر مؤخرا عن رفض فرنسي تسليمها خرائط التفجيرات والتجارب النووية التي أجرتها في صحرائها في خمسينيات ومطلع ستينيات القرن الماضي. وهو الملف الذي تصر على تسويته بالكامل، لكن الطرف الفرنسي يرفض تسليم الخرائط الطبوغرافية التي تسمح بتحديد مناطق دفن النفايات الملوثة، المشعة أو الكيماوية غير المكتشفة لغاية اليوم.
ملفات عدة ثقيلة لم تتم تسويتها بشكل عادل بين الطرفين، وبرز مؤخرا جدل آخر يؤزم العلاقات بين البلدين، وتعلّق بالهجرة غير النظامية، وتتمسك الجزائر بمطلب التسوية التامة لملف الذاكرة، القائمة على اعتراف فرنسا النهائي والشامل بجرائمها في حق الشعب الجزائري، وتقديم الاعتذار الرسمي والتعويضات العادلة عنها. وهو موقف ثابت ومبدئي، في مطالبة باريس بتحمل مسؤولياتها كاملة عن مآسي الحقبة الاستعمارية، التي خلفت ملايين الضحايا طيلة قرن و32 سنة من الاستعمار. وأن يلقي ماكرون بتاريخ استعمار الجزائر على تركيا، ويشكّك في وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي، فهو يرتكب خطأ فادحا بحجم غباء مستشاريه، الذين نصحوه بمثل هذه العبارات أو خطّوها له ليقرأها. فقد أعاقت من جديد الطريق على تجاوز الخلاف التاريخي، وجدّدت ما لا يقبل النسيان لدى الأمة الجزائرية، وهي جرائم فرنسا الاستعمارية في الجزائر، التي لا تعد ولا تحصى، ولا تسقط بالتقادم، وتستجيب لتعريفات الإبادة الجماعية ضد الإنسانية. وهذه الجرائم، لا يمكن أن تكون محل تلاعب بالوقائع أو تأويلات تخفف من بشاعتها. وتستمر الجزائر في معركتها للحصول على أرشيف الحقبة الاستعمارية الذي تحتفظ به فرنسا، لأنه سيسمح بالكشف عن كل ما وقع خلال تلك المرحلة غير المشرّفة من تاريخ الاستعمار، ما يفسر الموقف الرسمي الفرنسي، الذي يحاول طمس هذا الملف بكل الطرق نظرا لحساسيته. الأمر الذي دفع مستشار الرئيس الجزائري، المكلف بالأرشيف والذاكرة عبد المجيد شيخي، إلى أن يهدّد باللجوء إلى محكمة العدل الدولية، من أجل استرجاع الأرشيف، متهماً الطرف الفرنسي بعرقلة تسليمه، ومعتبرا أنّ الجزائر كانت بالنسبة إلى المستعمِر، حقل تجارب للممارسات الوحشية التي طبقها في ما بعد في المستعمرات الأخرى، خصوصاً الافريقية منها، التي عانت من تجارة الرق. وهي ممارسات تورطت فيها شخصيات مرموقة في المجتمع الفرنسي، وكلها أساليب موثقة في الأرشيف. ومن شأن كل ذلك تشويه الصورة التي تحاول فرنسا الترويج لها على أنها بلد حضاري قائم على الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، ما دفعها، في كثير من الأحيان، إلى غلق أبواب الأرشيف حتى أمام الباحثين. وقد عبر المؤرخ الفرنسي أوليفيي لوكور غراند ميزون، عن أمله في أن يجسّد إيمانويل ماكرون أقواله، عقب تصريحه في الجزائر العاصمة، عندما اعتبر الاستعمار الفرنسي جريمة ضد الإنسانية. وانضمّ أوليفيي، إلى موجة فضح ممارسات فرنسا الاستعمارية، خلال فترة احتلالها الجزائر بين عامي 1830 و1962، مؤكّدا أن فرنسا شنّت حرباً شاملة، تميزت بارتكاب مجازر وجرائم ضد الإنسانية، أفضت إلى إبادة السكان الأصليين، وأنّ قراراً وزارياً صدر في عام 2011 عن رئيس الوزراء السابق فرانسوا فيون، حظر تسليم الوثائق المصنفة سرية، على الرغم من انقضاء فترة خمسين سنة التي حددها قانون 15 يوليو/تموز 2008، ما استدعى إدراج طعن أمام مجلس الدولة الفرنسي من طرف جمعية «جوزيت وموريس أودين» من أجل وضع حد لهذا الحال غير المقبول، الذي استنكره العديد من أمناء الأرشيف من باحثين وأكاديميين.
مؤشرات تراجع دور باريس كشريك سياسي واقتصادي للجزائر، لصالح دول أخرى على غرار الصين وتركيا وإيطاليا، باتت شبه مؤكّدة
منذ 1524 تاريخ إطلاق أنشطتها الاستعمارية، أسست فرنسا حكمها التوسّعي في عشرين دولة بين شمالي وغربي قارة افريقيا، واستغلت شعوبا، ونهبت ثرواتها، وارتكبت مجازر بحقها، فضلا عن ضلوعها في تجارة العبيد. جزء كبير من الشعب الجزائري يحمّل فرنسا مسؤولية المشاكل السياسية والاقتصادية في البلد طيلة فترة ما بعد الاستقلال. وبسبب ملف الذاكرة، بقيت العلاقات الفرنسية الجزائرية متذبذبة، وتتسم بالكثير من المد والجزر والتوتر، والتصعيد أحيانا، كما هو الحال هذه الأيام. ويبقى أكبر مطلب جزائري هو اعتذار فرنسا عن فترة الاستعمار. وتتفاوض الجزائر منذ سنوات على أربع ملفات تاريخية هي الأرشيف، واسترجاع رفات قادة الثورات الشعبية، وتعويضات ضحايا التجارب النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966، ومفقودي ثورة التحرير، وعددهم 2200 شخص وفق السلطات الجزائرية. ويبدو أنّ تغيّر المعطيات الدولية لعب دوراً في تذبذب العلاقات بين الجزائر وفرنسا، ومؤشرات تراجع دور باريس كشريك سياسي واقتصادي للجزائر، لصالح دول أخرى على غرار الصين وتركيا وإيطاليا، وروسيا وإسبانيا، باتت شبه مؤكّدة. وبعد قرار التخلي عن اللغة الفرنسية في مؤسسات حكومية مختلفة بصفة تدريجية، يمكن أن توظّف الجزائر ورقة الاقتصاد في معركة السياسة، وتتخلّى عن الشركات الفرنسية، مع العلم خسرت شركات فرنسية كبيرة في الأشهر الأخيرة مواقعها المتقدمة بالسوق الجزائري، أمثال شركة «توتال» وشركة «ألستوم» وغيرهما. مشهد ضبابي في العلاقات المثقلة بالتعقيدات التاريخية والسياسية والاقتصادية وحتى الإقليمية، أشار في سياقها الصحافي الفرنسي جون ميشيل آباتي إلى أن ما فعلته فرنسا في الجزائر لمدة 130 عاماً يعدّ وصمة عار. منتقدا موقف بلاده الرافض لفكرة الاعتذار للجزائر عن الجرائم الاستعمارية، ومؤكداً أن الاحتلال والاستعمار والحرب، ثلاثة أسباب وجيهة للاعتذار للجزائريين اليوم. ورغم الإشارات التي بعثها ماكرون قبل انتخابه رئيسا لفرنسا، حين صرّح في حوار صحافي شهير بأن استعمار الجزائر كان جريمة ضد الإنسانية، فإنه سرعان ما تراجع عن لهجته الحادة تجاه هذه الفترة المظلمة، بسبب ضغط الحسابات السياسية الداخلية، ووطأة طموحات انتخابية مبكّرة.
تشعر فرنسا الآن بالقلق حيال وضعها في الجزائر، وهي تلملم شتات كبريائها المنكسر، فالرئيس تبون يضع سيادة الجزائر مبدأ أساسيا في إعادة بناء العلاقات بين البلدين، وفي حين ذاكرة التاريخ لا تزال شاهدة على ممارسات فرنسا الاستعمارية، يتسبّب ماكرون بأزمة دبلوماسية غير مسبوقة مع الجزائر، ما يهدّد مكانة فرنسا في هذا البلد العربي الغني بالنفط، الذي طالما كانت قراراته تُصنع في العاصمة باريس، لكن الدولة الاستعمارية التي ترفض يقظة شعوب مستعمراتها القديمة، تصطدم اليوم بجزائر أخرى مختلفة، تحيي ذكرى حرب التحرير المجيدة، بروح وطنية عالية لا تقبل المساومة حول سيادتها، أو التدخل في شؤونها.
كاتب تونسي
- الإعلانات -
#في #ذكرى #ثورة #التحرير #الجزائرية #فرنسا #تصطدم #بجزائر #مختلفة #القدس #العربي
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
