- الإعلانات -
كورونا وأزمة تغيير المنظومة الصحية في العالم العربي


بقلم:سميرة بيطار
منذ أن شهد العالم ظهور جائحة كورونا كوفيد 19 نهاية عام 2019 وكذا مختلف تحوراته التي جابت نقاطا من المعمورة بتباين في نسب الاصابات وبتفاوت في تمكن المنظومات الصحية طبيا لاحتواء الظاهرة المرضية ، تباينت الجهود وظلت متفاوتة هنا وهناك بحيث تتوزع عبر نقاط دول تريد من حين لآخر أن تفرض خططا صحية تناسب سياسة الحكومات، وهو ما بدا واضحا في برنامج الحكومة الفرنسية التي سارعت لتطبيق استراتيجية الجواز الصحي معقبا عليها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون أنه سيبدأ في ازعاج الرافضين لفكرة أخذ اللقاح، وكأنه يطمح لأن تصل نسبة التلقيح الى المستوى الذي رفع طموحه وزير الصحة، لكن لا نعتقد أن الأفكار والمقترحات متشابهة حتى لو تم نقل بعضها الى دول عربية كالمغرب وتونس ، وبعض المؤشرات في الجزائر عن فرض الجواز الصحي ببدء اشتراط دخول قاعات الرياضة ودور التسلية باستظهار بطاقة التلقيح التي تعتبر ضمانة لاحترام المواطنين للتعليمات الصحية التي بادرت بالإعلان عنها وزارة الصحة الجزائرية، يصب كله في محاولة تكرار التجربة الفرنسية في دول المغرب العربي.
وفي ظل تزامن ظهور الجائحة تطمح دول أخرى في سياساتها لأن تغير من نظام العمل في المنظومة الصحية مثلما تابعنها في دولة مصر التي مرت بمنعرج مفاجىء باقالة وزيرة الصحة هالة زايد تحت ذريعة القبض على متلبسين بقضية فساد في الوزارة ، و كذا اقالة وزير الصحة الأردني السابق بسبب وفيات مستشفى السلط الحكومي لانقطاع في مادة الأكسجين و هو نفس المشهد الذي عاشته الجزائر في فترة الموجة الثالثة من جائحة كورونا ، ليبقى المشهد ضبابيا في دول المغرب العربي وكذا الشرق الاوسط ككل، فلو عرجنا على دولة العراق نجدها تحاول التحكم في ميكانيزمات الوقاية من تفشي المتحور أوميكرون الذي دفع باللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية الى تبني سياسة الوعي الصحي بين المواطنين وحثهم على أخذ اللقاح ضد فايروس كورونا دون ملاحظة أو قراءة شروحات موسعة في العالم العربي عن مدى نجاعة اللقاح ضد المتحورات الجديدة والتي نقصد بها الفروع الظاهرة عن المتحور الأصلي أوميكرون، وهي نفس الثغرة الصحية على مستوى جميع الدول العربية مما يضع المنظومات الصحية على صفيح ساخن من امكانية بقائها متماسكة بعيدة عن أي انتكاسة أو تدهور في البني التحية لها مع مرور الوقت ومع بقاء الجائحة سنوات أخرى.

أما عن فكرة المؤامرة وارتياب الشعوب من تلقي اللقاحات بكل ثقة ،يبدو الأمر مختلفا من دولة لأخرى، حتى مختصي الفايروسات وعلماء الأوبئة يرفضون الخوض في فكرة المؤامرة الا البعض منهم أمثال الدكتورPeter Mc Cullough الذي طلب سحب جميع اللقاحات الموزعة عبر العالم كونها لا تخضع لمعايير السلامة الطبية ، ويبقى التفاوت في الحث على تغيير المنظومات الصحية في العالم مشكلة تؤرق حكام الدول ، بين أساس فرض القناعة الوطنية في الصحة العمومية بوضع الاستراتيجيات الوطنية وبين مرافقة برامج منظمة الصحة العالمية التي تسطر مناهج الوقاية والعلاج المعتمد ضد فايروس كورونا و كذا مختلف تحوراته، ومركزية القرار الدولي لمنظمة الصحة العالمية فسره رفض نشر البحوث المتعلقة بفايروس كورونا في مجلات دولية من باب التحفظ والتفرد في تقديم الاستشارة والبروتوكول العلاجي الموحد عبر العالم كله وهو ما يمنع أي فرصة للدول العربية أن تتقدم بمقترحات تبني سياسة علاجية يتقدم بها خبراؤها وعلماؤها على غرار سياسة منظمة الصحة العالمية.
ما يبدو مقنعا للقارىء وللمتابع للشأن الصحي عبر العالم أن ثمة سياسات تتبعها الدول لتبدو أكثر تحكما في جائحة كورونا، لا نقول أكثر وقاية وعلاجا بل أكثر مسايرة وتأقلما مع الظاهرة المرضية التي اجتاحت العالم في عامها الثالث، ولا يمكن حاليا إعطاء أي نموذج عربي انطلق في تغيير منظومته الصحية تغييرا جذريا لجملة من الأسباب نختار أهمها :
1-الاهتمام بجائحة كورونا وتطويق انتشارها للتقليل من مخاطرها على صحة المواطن خاصة فئة الأطفال التي ظهر تهديد المتحور أوميكرون واضحا لهذه الفئة بتعليق الدراسة وغلق دور الحضانة و مراكز التعليم الخاص.
2-لا يزال تغيير المنظومة الصحية مرهونا بالاستقلال الكلي والتام للدول العربية عن الدول المستعمرة لها مثل الجزائر وتونس والمغرب ومصر وفلسطين ، يعني القائمة طويلة والتحرر بالتغيير الجذري مرهونا بقرار سيادي بعيد عن أي تبعية.
3-تغيير المنظومة الصحية يحتاج لآليات عميقة في التخطيط والموارد البشرية نظرا لنقص العامل البشري في المستشفيات العربية من أطباء و ممرضين بسبب الهجرة الى الدول الأوروبية أو بسبب الوفيات المسجلة في ظل جائحة كورونا.
4-لا تزال خارطة التغيير الجذري للمنظومة الصحية في الدول العربية غير واضحة في دولة ما، ربما لأنه لم يحدث بعد السبق العملياتي في التغيير، وبالتالي تحول الخضوع الكلي للدولة المبادرة بالتغيير في تقيدها بالتعليمات والبروتوكولات الملازمة لتتبع تعليمات منظمة الصحة العالمية ومنع تحول هذا التتبع الى استقلالية تامة في التحرر العملي بجانبيه التقني والإداري.
وأخيرا، لا أستبعد أن تكون ثمة دولة عربية ستقوم بهذه المغامرة مستقبلا من أجل تغيير جذري لمنظومتها الصحية خاصة تلك التي عرفت تعثرا وفسادا في الجهاز الصحي المتمثل في المستشفى بمختلف فروع الاستشفاء من مراكز صحية وعيادات طبية ،ووحدات كشف ومتابعة، صحيح التقسيم الهيكلي الصحي يختلف من دولة عربية لأخرى ،لكن يبقى الاتفاق أنه ولا دولة عربية تقدمت بتغيير جذري لمنظومتها الصحية بما يكفل لها الاستقلالية التامة عن عالمية الوقاية والعلاج الصحي، يعني التفرد بقوانين ومناهج واستراتيجيات وطنية ،وحتى ان أبدت منظمة الصحة العالمية رفضها لهذه الاستقلالية ، فعلى الدولة التي تبنت مشروع التغيير الصحي أن تبرهن ولو بخطة ميدانية ناجحة لمكافحة كورونا وبالاحصائيات والبيانات المخططة لمستوى الإحاطة لنسبة القضاء على الجائحة.
قليل من الإرادة والمغامرة والرغبة السياسية الأكيدة في التغيير يتحقق المطلوب ودون الخضوع لترخيصات مسبقة ممن كان يتحكم عالميا في المصير الصحي للشعوب كافة وليست العربية فقط، هو الرهان المستقبلي للدول العربية الفتية في تجديد مسارها السياسي مثل دولة الجزائر وتونس وستتبعها دول أخرى لطالما رسمت حلم التغيير في المنظومة الصحية وسيحين الوقت لتحقيق ذلك .

- الإعلانات -
#كورونا #وأزمة #تغيير #المنظومة #الصحية #في #العالم #العربي
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
