- الإعلانات -
لمن يمنحون عضوا مراقبا في الاتحاد الافريقي؟ | القدس العربي


قرار رئيس مفوضية الاتحاد الافريقي موسى فقي بشأن إسرائيل، أثار احتجاجات شديدة من قبل الكثير من الدول الأعضاء الـ55 بينها، جنوب افريقيا وتونس والجزائر، التي ذكرت بأنه يتعارض مع تصريحات المنظمة الداعمة للأراضي الفلسطينية. وهذه التمثيليات الدبلوماسية، ضغطت بقوة من أجل سحبه نهائيا، وليس تأجيله، وربما ينجحون لاحقا في طرد الكيان من هذه المنظمة الاتحادية. مؤسف حقا أن يسارع هذا التكتل الافريقي لتعليق عضوية مالي وغينيا والسودان وبوركينا فاسو، بسبب الأوضاع الداخلية في هذه البلدان، في حين يتردد في قرار حاسم بشأن عضوية الكيان الصهيوني، استند إلى مفهوم إجرائي لصلاحيات رئيس المفوضية، وبدلا من ذلك يعلق الاتحاد الافريقي جلسة نقاش، كانت مقررة لبحث سحب صفة المراقب من إسرائيل، لتجنب تصويت قد يُحدث شرخا في التكتل.
وفي الأثناء يدعو رئيس الاتحاد إلى “نقاش هادئ”، ويدافع عن خياره في خطاب افتتاح القمة، مرددا السردية نفسها التي نسمعها من دول التطبيع، من أن التزام الاتحاد الافريقي بالبحث عن استقلال الفلسطينيين “ثابت ولا يمكن إلا أن يتعزز”، وأن منح إسرائيل صفة المراقب يمكن أن يكون “أداة في خدمة السلام”. فهل ينبغي فعلا مكافأة إسرائيل على انتهاكاتها المتواصلة في الأراضي المحتلة، وعلى نظام الفصل العنصري الذي تفرضه على الشعب الفلسطيني؟ تأجيل النظر في مسألة قبول عضوية إسرائيل كمراقب، جاء تفاديا للنقاش الذي رُجح أنه سيتسبب في انقسام غير مسبوق في تاريخ الاتحاد الافريقي، الذي يحتفل بالذكرى العشرين لتأسيسه هذا العام، ولكنه يبقى سببا ظاهريا، فمعلوم حجم التدخل الإسرائيلي في بعض الدول الافريقية، في المستويات السياسية والاقتصادية. والانقسام الذي حصل كان أيضا نتيجة للضغوط الأمريكية والبريطانية، التي تدفع هي الأخرى باتجاه قبول إسرائيل عضوا مراقبا، خشية فتح ملف مراجعة عضويتها في الاتحاد، على خلفية احتلالها لجزر شاغوس في جمهورية موريشيوس في شرق افريقيا، ولحساسية موقع القاعدة الأمريكية الموجودة هناك. وتخطيط تل أبيب المتواصل بشأن الهيمنة الاستراتيجية من هذه البوابة الافريقية، تعززت عبر أشكال التطبيع الجديدة مع بعض الدول العربية المحاذية. والجمود العربي الاختياري لم يُدرك بعد، أن المعسكر الإسرائيلي الأمريكي يلفظ مساعي السلام والتسوية، التي أصبحت عنوان حماسة ببغائية لمن يرددها من العرب، ويخادعون أنفسهم، أملا في من يدعي الصدق والوساطة، وهو أقوى ظهير لإسرائيل، يشاركها إدارة الأزمة وإطالة المأساة وتنفيذ المخططات. والغريب أنه منذ 1967 لم يتحقق أي اتفاق عربي إسرائيلي مهما كان نوعه من دون أمريكا، وبطبيعة الحال منذ ذلك الحين إسرائيل هي الرابحة والعرب هم الخاسرون. وصفقات المقايضة الأخيرة التي انتهت بالتطبيع والأسرلة، أكبر دليل على تداعيات أخرى لفكر مهزوم استغله ترامب ونتنياهو، كما يحبذان. فمهمة إسرائيل الأولى لم تتغير، وموقعها في قلب الشرق الأوسط العربي الإسلامي يُعطيها ما سماه رئيس الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية شلومو جازيت، الذي شارك في المفاوضات السرية، وتنسيق الترتيبات الأمنية في اتفاق أوسلو، “ميزة التحكم في الاستقرار لدول الإقليم”، والحفاظ على النظام الدولي القائم، والحيلولة دون ظهور توجهات قومية ثورية في العالم العربي، وقطْع الطريق على ظهور حركات إسلامية أصولية. ومن السهل جدا قيادة العقل السياسي الأمريكي، وتوجيهه صوب مصالح إسرائيل، عندما يكون أرباب المال اليهودي هم من يرسمون التوجهات الكبرى، وهم أسياد أمريكا، الذين يسيطرون على الحياة الاقتصادية والثقافية داخلها، بشكل يكاد يكون مطلقا، بما يستجيب لتطلعاتهم السياسية التي يرغبون فيها.
أصوات الاحتجاج النادرة والتخاذل الدولي ليس سوى علامة على إفلاس النظام السياسي العالمي في المستويات الأخلاقية والإنسانية بدرجة أولى
الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم، التي استخدمت الأسلحة النووية في نهاية الحرب العالمية الثانية بإلقاء قنبلتين مدمرتين على اليابان. وفي معركة المطار إبان غزو العراق، استعملت الأسلحة المحرمة دوليا، وقصفت القوات العراقية بالفوسفور الحارق، وغيره من الأسلحة الممنوعة التي أمطرت بها فيتنام سابقا ودولا أخرى كثيرة. وليس مستغربا أن تمتنع الولايات المتحدة في 23 أكتوبر عام 2002 إلى جانب كيانها المصطنع وقاعدتها المتقدمة في الشرق الأوسط إسرائيل، عن التصويت لقرارين حاسمين تبنتهما لجنة نزع السلاح التابعة للأمم المتحدة. يدعو الأول إلى اتخاذ إجراءات أشد صرامة لمنع عسكرة الفضاء الخارجي، لتفادي الخطر المميت على السلم والأمن الدوليين، أما القرار الثاني فأعاد التأكيد على بروتوكول جنيف لعام 1925 الذي يحظر استخدام الأسلحة البيولوجية والسامة في الحرب. والكيان الذي يريد موطأ قدم له داخل الاتحاد الافريقي، سيراقب مَن بهذه العضوية؟ وهو الذي ارتكب المجازر، وتدخل في أكثر من دولة مجاورة. ولم يستمع قادته السياسيون حتى لكلام شخصيات أمنية بارزة داخل معسكرهم، من ذلك ما كتبه رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق أوري سالغي، عندما خلُص إلى أن اجتياح لبنان وغيره من الأعمال الحربية، لن يوصل إسرائيل إلى أي نتيجة باتباعها شعار “سنلقنكم درسا ينفعكم”. فخليق بها أن ترى الأمور من منظور الطرف الآخر، “ومن يرجو بقاء متبادلا مع العرب لا بد من أن يقبل حدا أدنى من الاحترام للمجتمع العربي”، أما البديل فحرب لا نهاية لها. وفي الأثناء، ما زال اللوبي الاسرائيلي إلى جانب بعض دول المنطقة، يحاولون جر الإدارة الأمريكية إلى حرب مع ايران. ويتغافل هؤلاء الذين يتقاسمون الهم الإسرائيلي بشأن مخاوفها من طهران، عن أن التورط مع أمريكا في مواجهة بهذا الحجم هي مهلكة حقيقية لدولهم ماديا وسياسيا وماليا. وقد لا يستوعبون جيدا وبال الحرب إن اندلعت في واقع المعطيات الاستراتيجية الموجودة الآن في منطقة الشرق الأوسط. ويبدو أن هذا المحور بعيد كل البعد عن أن يكون مثالا على حكمة الدولة، التي تضع مصالح شعبها في الميزان. وتدرك بأن خيارات التسوية الدبلوماسية هي الحل الأنسب للطرفين وللعالم بأسره. وحرب أخرى في الشرق الأوسط ستنهك الجميع، دون استثناء، ومن الأنسب تخفيف التصعيد والاحتكام إلى العقل. والحكمة تكمن في العودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه أمريكا، بفعل شطحات ترامب الهستيرية، والابتعاد عن نهج الحروب والتدمير الذي اكتوت به المنطقة. وحان الأوان أن يكفوا عن سياسة الجشع والغطرسة والإملاءات، وبدل التهديدات يمكن التركيز على المحادثات.
النظام الدولي شبه الفوضوي جوهره الحسابات الاستراتيجية وتعزيز القوة، التي قلصت المسؤولية العالمية من أجل التصدي لقضايا الفقر، والتفاوت بين الشمال والجنوب، واجهاد المناخ والاضرار بالبيئة. فضلا عن أمن الأفراد والجماعات وحقوق الأقليات واللاجئين، وانتهاكات حقوق الإنسان عامة، والتقصير الفادح في منح الدول المضطهدة حق تقرير مصيرها وأولها فلسطين، التي يبحث مُحتلها الغاصب عن تبييض جرائمه عبر التوغل في الهيئات الدولية، ودخول التكتلات الاقليمية، ومحاولة الانضمام إلى الاتحادات. وأصوات الاحتجاج النادرة والتخاذل الدولي ليس سوى علامة على إفلاس النظام السياسي العالمي في المستويات الأخلاقية والإنسانية بدرجة أولى، ومن حاصل فشل “وكالات نظام الحكم” من الهيئات الأممية، لارتباطها إلى حدود هذه اللحظة بدوائر القرار السياسي في بعض الدول، وأيضا بمنطق السوق التجارية والهيمنة الاقتصادية والابتزاز المالي في الدعم والتمويل والأوامر الفوقية، وكذلك بأيديولوجية التمكين والسيطرة وتفكيك الدول، ومنع توحدها القومي الاندماجي، عبر زرع كيانات تخريبية دخيلة، لا يمكن أن تكون يوما من الشرق الأوسط.
*كاتب تونسي
- الإعلانات -
#لمن #يمنحون #عضوا #مراقبا #في #الاتحاد #الافريقي #القدس #العربي
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
