- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

مستقبل موجة التدافع الجديدة في المنطقة | د. كمال القصير

بداية أود التأكيد على أن المعطيات التي تحدد مستقبل التدافع، لا تنتمي كلها بالضرورة إلى المنطقة. فكثير منها ترجع أسبابه إلى معطيات أخرى خارجها، حيث احتمالات التدافع الإسلامي مرشحة للارتفاع مستقبلا، بسبب تقارب خطوط التماس الديني وصعود قوى اليمين في الغرب.
ينبغي أن نتوقف عن الاعتقاد الخاطئ أن الشرق الأوسط هو مركز الإسلام، أو هو ما يحدد مستقبله. والحقيقة أن الثقل الإسلامي أصبح كبيرا جدا في آسيا.
الكثيرون في العالم يركزون خطأ على التحولات الخاصة في الإسلام، من خلال الثقافة واللغة العربية، والقليل من ينتبه إلى الأردية والتركية والفارسية، كما أن أفريقيا مستبعدة تماما من التحليل الخاص بمستقبل دينامية التدافع الإسلامي.
الفوضى والعبث العربي لا يوجد مثله في ماليزيا وأندونيسيا وتركيا.
علينا أن ننتبه أن أهم الكتابات التي أطلقت موجة التدافع في العالم الإسلامي خلال القرن الماضي كانت آسيوية، من مثل المودودي والندوي وإقبال، دون الحاجة إلى الذهاب بعيدا حتى جمال الدين الأفغاني. إن أكبر القوى الصاعدة مثل الصين والهند لديها أقليات مسلمة ليست بالقليلة، وستجد هذه القوى التي تقع على حدود المسلمين نفسها مستقبلا أكثر انخراطا في قضايا المنطقة العربية. بهذا المنطق فإن التدافع في المستقبل ستختلف طبيعته، وسنكون في المنطقة العربية من حيث الجغرافيا السياسية، واقعين في أطراف إمبراطوريات صاعدة.

كيف ينشأ التحفيز؟

تنشأ رغبة الأجيال في التدافع الحضاري من خلال امتلاك الشعور العارم بالتحدي والخطر. كانت الكتابات الإسلامية الأولى في القرن العشرين، كتابات تأسيسية تدافعية، تحفز الناس على طرح سؤال: لماذا نحن متخلفون والآخرون متقدمون؟
لا يهمنا هنا تحليل المضمون الثقافي لتلك الكتابات، ومدى تمكنها من الإجابة عن طرق وكيفيات النهوض. لكن ما يهمنا هو أن تلك العناوين الكبرى في حد ذاتها، كانت شديدة التحفيز الذي أنتج موجة تدافع هائلة منذ القرن العشرين في المنطقة. لم تكن تلك الكتابات كلها عميقة، من شكيب أرسلان إلى الندوي والمودودي وغيرهم كثير. لكنها كانت تضع الإطار التدافعي العام، الذي أمكن لاحقا ملؤه بعدد من المضامين والأفكار في العالم الإسلامي.
الأهم من تلك المضامين وقدرتها على الإجابة عن الأسئلة، هو أن تلك الموجة الصغيرة ولدت واقعا أكبر، وهو تحرك الشعور لدى قطاعات عريضة، بضرورة الاهتمام بمستقبل الإسلام في العالم.
إن الكتابات الإسلامية الحالية تفتقد إلى خاصية التدافع والتحفيز، بسبب ميلها نحو البناء التنظيري والتطبيقي في العلوم. وقد نزلت درجة التدافع في الإنتاجات الفكرية في المنطقة حاليا، إلى مستوى بالغ التدني. ومن المؤشرات الدالة على هذا الأمر، هو مستوى انتشار الكتابات التي تعالج مشكلات الناس النفسية، من خلال تقنيات الوعظ المعاصرة، والإقبال عليها بسبب ارتفاع منسوب اليأس والإحباط في كل المجالات وانسداد آفاق التغيير والإصلاح.

التدافع لا الدفاع

تدخل دينامية التدافع مرحلة كمون لدى الناس، حتى تظهر في لحظات معينة نتيجة ارتفاع منسوب الخطر. ومن غير الشعور يصبح التدافع باردا. إن التدافع يختلف عن الدفاع، وكلاهما مجال مختلف عن الآخر. التدافع دينامية تبادر إلى الحركة، في حين يعتبر الدفاع ردة فعل، على خطر قريب أو محتمل. وبهذا الاعتبار فإننا في الوقت الحالي لسنا بحاجة إلى من يدافع عن الإسلام، بل نحتاج من يتدافع بالإسلام.
إن احتمال تطور تأويل وصياغة جديدة للإسلام والمضي بهذا الأمر بعيدا، أمر وارد إذا استمر في تلقي الدعم السخي في المنطقة، وهو ما سيكون مبررا كبيرا لارتفاع حدة التدافع. وهذا التأويل أو الصيغة الجديدة للإسلام “غير التدافعية”، لن تكون في شكل علمانية معروفة، بل في شكل صياغة من داخل إحدى مدارس الإسلام نفسه، لإعادة تشكيل الهوية غير التدافعية. بالمقابل فإن بروز أي صيغ تدافعية مستقبلا سيصحبه عملية استعادة الأفكار الشمولية.

دينامية الإزعاج

أريد أن ألقي الضوء على مفهوم أعتبره جديدا، ويستحق الاهتمام، وهو “الإزعاج”. حيث تقتضي دينامية التدافع توظيف المخزون الشعوري والفكري للإسلام، بغرض إزعاج ثقافة خصومه. إن كثيرا من الكتابات في الماضي كانت ذات طبيعة إزعاجية، مثل كتابات الغزالي وابن تيمية، بخصوص التيارات المهددة للإسلام في تلك المرحلة. كان الغزالي قد أزعج الفلسفة العالمية، وكان ابن تيمية قد أزعج المذهبية الشيعية أيما إزعاج. وكشف الإثنان عورات ثقافة وأفكار وتيارات عصرهما.
من خلال ابن تيمية تطورت دينامية الإزعاج التي استلهمتها السلفية وحولتها إلى ثقافة يومية، ومارستها بنجاح. كان الشيخان القرضاوي والغزالي رحمهما الله مزعجين للتيارات والأفكار السائدة في مرحلتهما، وشديدي التدافع والتحفيز.
وكان هذا المنحى وراء تحولهما إلى مرجعيات في المنطقة، بخلاف الكثير من أبناء جيلهما. لكن النموذج الذي كانا يمثلانه ظل معزولا عن أي رعاية سلطوية. وعموما فإن الخط الإصلاحي الوسطي في المنطقة، لم يجد دعما كبيرا في القرن الماضي، مقارنة بالخط الوهابي أو الشيعي، اللذين استفادا من دعم ورعاية الدولة.
في الحقيقة أصبح التدافع مع الأيديولوجيا الشيعية سياسيا بشكل أكبر، وأكثر برودة بسبب تراجع وتواري كثير من الرموز والجماعات المزعجة للتشيع الإيراني. إن إيران من ناحية أخرى، لن تكون مستقبلا بمنأى عن الفراغ المذهبي في الداخل، نتيجة التحول المتنامي في المزاج والرغبات النفسية والثقافية لأجيالها المعاصرة، الأكثر انفتاحا ورغبة في تجاوز الكثافة المذهبية. عليك أن تسأل سؤالا أكثر أهمية، وهو ما مستقبل إيران في عالم يتجه بسرعة إلى اعتماد الطاقات المتجددة والاستغناء عن البترول؟
ما الذي تمتلكه إيران بديلا عن هذا الأمر؟ لا شك أن أدوات التدافع المذهبي لديها، سوف تنزل إلى أدنى درجات القوة. أما بالنسبة للأتراك، فإنهم يقدمون نموذجا تدافعيا من الناحية السياسية، لكن مساهمتهم في التدافع على المستوى الفكري والأيديولوجي تبدو أقل بكثير، وهذا يرجع إلى نمط تشكلهم تاريخيا، وطبيعة مساهمتهم في الحضارة الإسلامية، التي غلب عليها الجانب العسكري.

التدافعان الفكري والتنظيمي

هناك فرق شاسع بين التدافع الفكري والتدافع التنظيمي. والذي حدث في المنطقة في السنوات الأخيرة، هو أن المجموعات الإسلامية نزلت بمفهوم التدافع العام بالإسلام، إلى رتبة التدافع التنظيمي النخبوي والفئوي. وهو فرق مؤثر في الشعور العام الذي يميز بين الإسلام والحركات والتنظيمات. لقد كانت حركة ودينامية شيخ عالم واحد، نتيجة تعاليه عن أي انتماء تنظيمي محدود، تفوق في القوة والتأثير دينامية مجموعات بأكملها. ولذلك أستطيع القول بكل موضوعية، إن شخصية القرضاوي كانت تمثل وحدها ثمانين في المائة من موجة الصحوة في المرحلة السابقة.
إنني أتحدث هنا عن انبعاث التدافع بالإسلام في المنطقة، لا انبعاث التدافع بالتنظيمات والمجموعات. أتحدث عن أهمية إحياء موجة مشاعر حول الإسلام كدين ونموذج حياة للمنطقة، يحدد مستقبلها في العالم. شعار المرحلة الحالي وسمتها الصحيحة ليس الإسلام هو الحل، بل الإسلام في خطر. كل ما يحدث في المنطقة من إحراق لمحتوياتها الثقافية والفكرية والشعورية، يقدم إشارات واضحة على طبيعة الأخطار المقبلة. وبوضوح أكبر نحن لا نمتلك في المنطقة حاليا أي نموذج سياسي وثقافي لرعاية الإسلام.

إحياء مفهوم الرشد

في سياق حديثي عن عدد من المفاهيم التي أراها تخدم دينامية التدافع، يبدو أن إحياء مفهوم “الرشد” بالغ الأهمية في المرحلة القادمة، بكل ما يتضمنه من معاني الراشدية والترشيد، للسياسة والمجتمع والوعي العام. الرشد ليس نظاما سياسيا، بل وعي عام بكيفية إدارة الإنسان والدين والحياة. إن كلمة الرشد في رأيي أهم من كلمة الخلافة التي طالما تم ربطه بها. لقد شرفت الخلافة بسبب راشدية أصحابها، ولم يشرف الرشد بالخلافة. إن ما يجري في المنطقة سياسيا وثقافيا ودينيا بالغ الطفولة والمراهقة، بكل ما تعنيه هذه المرحلة العمرية من تخبط واضطراب في الرؤى. عملية ترشيد الوعي العام ضرورية لاستمرار بقائنا محترمين في العالم. إن منطقتنا من المناطق الأقل احتراما لخصوصياتها ومصيرها واستقلاليتها في السياسة الدولية.
الرشد على المستوى الفكري يقتضي تجاوز عدد من الأسئلة، التي يستمر توظيفها في زمن لا يناسبها، وقد كان غالبها نشأ منذ مرحلة الاستعمار لبلاد المسلمين. إن حديث المثقفين الآن عن سؤال النهضة، ضرب من العبث.
إن بلدانا مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا، وتونس ومصر والسودان وغيرها لا يناسبها الإجابة عن سؤال النهضة، المشكلة فيها هي إعادة بناء المشترك والوعي العام.

كاتب مغربي

- الإعلانات -

#مستقبل #موجة #التدافع #الجديدة #في #المنطقة #كمال #القصير

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد