- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

هل يتعلق علم الله بالاحتمالات؟

تعلمنا في صغرنا أن أفعالنا كلها قد وقعت حتى قبل أن نخلق، وأن  الله تعالى يعلم ما فعلناه من قبل أن نفعله. هذا التفسير لعلم الله بدأ لي وقتها مشكل، فهو يثير مسألة العدل، والإرادة الإنسانية الحرة.

فلا شك أن القول بأن أفعالك قد وقعت قبل أن تفعلها يثير مسألة العدل، فهل من العدل أن أحاسب على أفعال قد وقعت قبل أن أفعلها. كما أن ذك يتشاكس مع مفهوم الإرادة الإنسانية الحرة، فكيف يوصف مخلوق ما بأنه حر مختار وما فعله قد تم  قبل أن يفعله؟!

وقد قرأنا محاولات أغلب الفرق الإسلامية من معتزلة أشاعرة وأهل حديث وغيرهم لتفسير علم الله المطلق وأفعال البشر ومسألة الإرادة الإنسانية الحرة ولم تكن إجاباتهم شافية.

أنا من محبي الشطرنج لدرجة الهوس، وقد تعلمته في صغري وقرأت كتبه وتابعت الكثير من المباريات العالمية، وشعرت في صغري بالسعادة عندما أستطاع بطل الشطرنج وقتها كاسباروف أن يتغلب على الكمبيوتر deep blue، ولكن سعادتي لم تدم طويلا فقد أستطاع ذلك الكمبيوتر بعد إدخال تعديلات عليه أن يتغلب على كاسباروف. وثار في ذهني وقتها سؤال: ما هو العامل الحاسم الذي جعل ذلك الكمبيوتر يتغلب على كاسباروف؟ هل هو الذكاء؟ بالتأكيد لا. ماذا عساه يكون، وكانت هناك إجابة واحدة تتكرر أمامي وهي “الاحتمالات”. نعم عندما نصل إلى مرحلة متقدمة من لعبة الشطرنج فإن الفائز هو من يقدر أن يحصي ويتمثل أغلب  احتمالات اللعب افتراضياً. وهذه الاحتمالات كثيرة جداً فأنت مطالب بأن تحسب ما يترتب على كل نقلة احتمالية من احتمالات وعن كل واحدة من تلك الاحتمالات احتمالاتها وكذلك الحال لنقلات خصمك المقابل. ولا شك أن قدرة الإنسان على ذلك محدودة إذا ما قيدناها بمدة زمنية محددة كلعبة الشطرنج في مقابل قدرة تكاد تكون لا محدودة للكمبيوتر مقارنة بالبشر في  ذلك.

هذه الإجابة بدأت لي صحيحة وقتها، وإن كنا سنحاول تلطيف غلوائها في الجزء الثاني من هذه من المقالة، حيث أتضح لي تالياً أن الأمر أكثر تعقيداً مما تصورت.

وإن كانت الاحتمالات في مباراة للعبة الشطرنج محدودة مع كثرتها فإن الاحتمالات في الحياة التي نعيشها لا نهائية، لان الحياة ليست مقيدة بقطع محددة، ففي كل ثانية تولد ملايين الأنفس وتنبت البذور وتزهر النباتات، وتنهي حيوات، وتسقط أشجار وتقع حوادث سعيدة وحزينة وكوارث ومفاجآت سارة وتنطلق انبعاثات وتتحرك كواكب ونجوم مجرات تؤثر على كوكب الأرض، كما أن الإنسان بحد ذاته يتأثر نفسيا بحوادث وأسباب لا حصر لها… الخ من تعقيد هذه الحياة الغنية.

ولكي أبين لك لا نهائية الاحتمال في لحظة معينة سنضرب لك هذا المثال: ماهي الاحتمالات التي ستترتب على خروج أحمد الساعة 12 ظهراً من الشقة رقم 12 في الشارع الفلاني في مدينة القاهرة؟! لا يمكن لك أن تحصي هذه الاحتمالات لأنها لا نهائية، فمثلاً يمكن أن يخرج أحمد من العمارة ويدهسه سعيد القادم من دولة تونس في رحلة علاج. وهذا الاحتمال يمكن أن يصل لملايين لأنه ينطبق على أي شخص يملك سيارة في مصر. ويمكن أن يخرج أحمد من العمارة فيطلب منه خالد القادم من الكويت أن يقله إلى مكان قريب لان سيارته قد تعطلت، وهذا الاحتمال يمكن أن يصل للملايين لأنه ينطبق على كل  سكان مصر.

الاحتمالات بالملايين. وكل احتمال من هذه الاحتمالات يترتب عليها ملايين بل ربما مليارات الاحتمالات. لماذا؟ لان أحمد أو سعيد القادم من تونس أو خالد القادم من الكويت يرتبطان بشبكة علاقات وتأثير وتأثر متتالي بملايين الأشخاص والحوادث في كوكب الأرض، أي أن الاحتمالات هنا  بالمليارات، بل لانهائية.

ولو أخذنا تفاصيل كل احتمال من المليارات السابقة فهي تختلف كل منها عن الأخرى، فكل احتمال يختلف عن الأخر فمثلاً  قد يستغرق حديثك مع سعيد قبل أن تقله 4 ثواني وقد يكون دقيقة مع وائل… الخ وهكذا، مع التذكير هنا أن كل احتمال من مليارات الاحتمالات السابقة يترتب عليها مليارات الاحتمالات أيضاً.

وقد لعبت فيزياء الكم دوراً كبيراً في تقريب كل ذلك فالتفسير المسمى بالتشابك أو التعالق الكمي “Quantum Entanglement” يوضح بأن الإلكترون يدور في كل الاتجاهات لحظيا وهو ما يترتب عنه كمية لا نهائية من الاحتمالات.

ولا شك أن كل ذلك جعل نظرية شيطان لابلاس المتأثرة بفيزياء نيوتن من التاريخ، وهي فكرة طرحها عام 1814 عالم الرياضيات الفرنسي بيار سيمون لابلاس، مفترضاً كائناً خياليا عاقل قادر على معرفة ماضي الكون ومستقبله، استناداً على معرفة وضع وسرعة كل جزئية فيه. فتلك النظرية مستندة على فيزياء نيوتن، والفيزياء النسبية وفيزياء الكم جعلت كل ذلك من التاريخ.  

وأمام هذا التحدي لم يجد من لا يؤمن بخالق للكون إلا أن يسمي نظريته في شرح عدم القدرة على التنبؤ القاطع بالحوادث “بنظرية الفوضى” THE CHAOES ومثال نظرية الفوضى شهير وهي أن طنطنة جناح فراشة في البرازيل يمكن أن يتسبب بإعصار في تكساس بعدها بأسابيع قليلة عوضًا عن طقس هادئ. ومؤدى ذلك أنه لكي تعرف احتمالات حدوث شيء بعد وقت من الزمن يجب أن تدرك كل ما يحدث على وجه الأرض، لان الكل متأثر بالكل. فهنا عوامل حدوث هذا الإعصار تتجمع وتتراكم حتى تصل لدرجة حرجة، ورفرفة جناح الفراشة أحدثت اضطرابات واهتزازات انتقلت عبر الأجواء حتى أصبحت هي أخر عامل في حدوث هذا الإعصار، أو كما تقول العرب “القطرة التي أفاضت الكأس”.

ولا شك أن مصطلح الفوضى هنا تعسفي فالأمر لا علاقة له بالنظام أو الفوضى، فعدم قدرة الاتسام على العلم والإلمام بجميع احتمالات وشبكة التأثير والتأثر المترتبة على حدث أو تصرف معين لا يعنى الفوضى بل يعني نسبية علم الإنسان.

وبما أن الاحتمالات لا نهائية فلا يمكن أن يعلم بها لحظياً إلا كائن لا نهائي، ولا يوجد كائن لانهائي (= مطلق) الا الله سبحانه وتعالى. فالله يدخل في علمه كل الاحتمالات اللانهائية.

وطبقاً لكل ما سبق فإن علم الله المطلق يتعلق بالاحتمالات اللانهائية والتي لن يستطيع أي مخلوق الإلمام بها.

ولكن ذلك يثير إشكالية أخرى، فإذا قلنا بهذا التفسير وبأن علم الله يتعلق بالاحتمالات اللانهائية ولا يتعلق بوقوع الحوادث قبل  زمانها فإن ذلك يتعارض مع آيات صريحة في كتاب الله تصرح بأن الله يعلم الغيب وبأنه تعالى يخبر عن حوادث لم تقع بعد كقوله في سورة الروم: غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين. فهل هذا يعني أن التفسير القديم الذي حفظناه في صغرنا هو الصحيح؟ وإذا كان الجواب بالنفي كيف نوفق بين تعلق علم الله بالاحتمالات اللانهائية وبين علمه الغيب وإخباره عن حوادث لم تقع بعد وبين كل ذلك والقول بالإرادة الحرة  للإنسان؟

في الجزء الثاني إن شاء الله سنحاول الإجابة على هذه التساؤلات. 

سعد النعاس

- الإعلانات -

#هل #يتعلق #علم #الله #بالاحتمالات

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد