حاكى المسرحيون العرب، لا سيما الرواد منهم، أرباب صنعتهم في أوروبا، في أساليب عملهم وأعمالهم، وفي موضوعاتها، إذ إن تمثّل التجارب الحضارية المتقدمة، من قبل المتأخرين عنها، هو جزء من سياق عملية المثاقفة المديدة، بين الشرق والغرب، التي بُحث فيها طويلاً، في العقود السابقة.
ضمن هذا المنحى وبمناسبة مرور 400 سنة على ولادة المسرحي الفرنسي موليير، لا بأس من تذكر أن أولى الأعمال المنسوبة للرائد مارون النقاش، كانت هي مسرحية “البخيل”، التي أعدّها عن نص المؤلف الفرنسي الشهير، وأن العودة إلى مؤلفاته صارت جزءاً من توجه فني عربي عام.
كما أن الدأب وانتهاج أسلوب عمله، والتوجه في مضامين العروض إلى فئات المجتمع المتعدّدة، وعدم الاكتفاء بمخاطبة النخب، أجاز لأحد المسرحيين أن يتخذ لنفسه لقب “موليير”، بعد أن تجاوز تأثير صاحبه مجاله الفرنسي الخاص، ليصبح عاماً، يصل الشرق بالغرب، والشمال بالجنوب.
وهكذا سيسمي يعقوب صنّوع نفسه “موليير مصر” في عمل مستلهم من مسرحية “ارتجاليَّة فرساي” للرائد الفرنسيِ، عرض فيه لمعاناته في الفضاء المصري، بين مواجهة القيم المجتمعية السائدة، وبين النقاد الذين يكرسون التخلّف حين يضعون أنفسهم في موقع الهجوم على الفن حين يماحك السائد.
لم تكن الوصفة المولييرية لمواجهة الطبقات المترفة، وقيمها البينية الفاسدة، سهلة على أبناء الكار في المنطقة العربية، لكنها كانت مغرية، ففعل المواجهة من على الخشبة كان يمنح هؤلاء الإلهام، ويدفعهم لأن يكرروا تجاربهم، في فضاءات غير مرحبة دائمة. ولعل أهم ما يمكن اكتسابه منها هو أن يصبح للفنان شعبه الخاص، الذي يكرسه، ويمنحه الدعم، بعد أن يرى فيه مبدعاً، يبهجه في عتمة المسرح، ويوقظ لديه وعياً من نوع ما، كصدى يرتد إلى العقل بعد الخروج من الطقس المسرحي المهيب.

هكذا صنع الناس لعدد كبير من الفنانين العرب، أساطيرهم الخاصة، في أوقات متباعدة، وعلى غير تحضير وترتيب منحوهم الأوسمة الشرفية والألقاب الراسخة، فصاروا “مولييرات” بلدانهم، كالجزائري محيي الدين بشطارزي الملقب بـ”موليير الجزائر”، والتونسي نور الدين القصباوي، “موليير تونس”، والإماراتي إسماعيل العبدالله “موليير الخليج” العربي، ويوسف العاني “موليير بغداد”، وفي رواية أخرى العراق، وكذلك أمسى أحمد الطيب العلج “موليير المغربي”، أما لبنان فكان له منذ عقود عمر الزعني الذي حمل لقب “موليير الشرق”!
وحدها الشام، بقيت منيعة على الموجة “المولييرية”، إذ رغم حضور أعمال العبقري الفرنسي في أعمال مسرحييها، ورغم أن تاريخ مسرحها احتوى، ومنذ الرائد أبي خليل القباني، على شخصيات برزت في المجال الكوميدي، وكانت قريبة من الجمهور، إلا أن التاريخ الشفوي، وكذلك المكتوب، المكرس للتجربة السورية في عهودها المختلفة، لم يمنح أياً من الممثلين السوريين شيئاً، لا هذا اللقب، ولا حتى غيره!
الأمر هنا لا يتعلق فقط بحضور أعمال الكوميديان الفرنسي العظيم، ضمن “ريبرتوارات” الفرق الدمشقية أو الحلبية أو فرق المدن الأخرى، قبل تأميم الثقافة، ودمج هذه الفرق في إطار عمل المسرح القومي، وما انبثق عنه من أطر كالمسرح الشعبي أو الجوال، أو حضورها كجزيئات في إطار بيئي محلي في أعمال المسرح الخاص، الذي تمّت مصادرة توجهات أصحابه وتأطيرها عبر تسمية “المسرح التجاري”!
وهو كذلك لا يتأثر فحسب بعدم وجود السياق النقدي المنصف، لتجارب عدد كبير من الشخصيات الفاعلة، في التجارب المسرحية التي كرست حيواتها من أجل النهوض به، طيلة القرن الماضي، كعبد الوهاب أبو السعود وعبد اللطيف فتحي وحكمت محسن وعمر حجو وسليم قطاية وجميل ولاية وتيسير السعدي وأنور البابا وفهد كعيكاتي، ونهاد قلعي، وزياد مولوي، وثراء ونجاح دبسي، ودريد لحام، ورفيق السبيعي، والأخوين قنوع، ومحمود وناجي جبر، والأختين منى وهيفاء واصف، وغيرهم.
إنه يبدأ من التفصيلين السابقين، اللذين يتحدثان عن إشكالية كبرى أحاقت بالكوميديا المسرحية السورية، في علاقتها مع أطرها العملية، وتوجهات أصحابها لجهة الاقتراب من نص الآخر الغربي، ومدى تقبّل المؤسسة الثقافية الرسمية له، بالتوازي مع فتح المجال لحضوره في الأوساط الشعبية، في الوقت الذي كانت التوجهات الحزبية اليسارية والقومية السائدة غير مرحبة بنتاج الثقافة الغربية، وتفرض توجهاتها من بوابة سيطرتها على مفاصل الحياة الاجتماعية (جامعات، وأمن وجيش ونقابات) حتى لحظة استيلائها على السلطة والدولة والفضاء العام، واندحار القوى الليبرالية، والبرجوازية التقليدية، في بداية ستينيات القرن الماضي، مع تنامي البحث اللاهث عن ظواهر مسرحية عربية، وضرورة تسجيلها في المدونات الثقافية العربية، بقوة سلاح السيطرة على المؤسسة، وليس بقوة الإقناع بعد البحث والتدقيق العلميين، ومن ينسى في هذا السياق المجلد الضخم الذي أعده علي عقلة عرسان (رئيس اتحاد الكتاب لأكثر من 30 سنة) بعنوان “الظواهر المسرحية عند العرب”، تكررت طباعته لسنوات! وربما هنا يتوجب تعديل السؤال ليكون: من يذكّر؟!
كان يمكن للوحة المسرح السوري أن تكون أكثر تنوعاً وإنصافاً وعدالةً، لو لم تتغلب التوجهات المستندة إلى الأفكار السياسية والأيديولوجيات على سياق التأليف، وعلى عملية الإنتاج المسرحي ذاته، إذ كان من الممكن لاستلهام التراث متجاوراً مع تقديم الأعمال الكلاسيكية، مع وجود المسرح الشعبي المحبب للجمهور، وبما يقدم باقة من الخيارات للجمهور، دون خلق بيئة سلبية مسبقة لأي نوع مسرحي.
جرى التسويق دائماً بأن التوصيف الأهم في فضاء الفن التمثيلي في سوريا، الذي يمكن للممثل أو الممثلة أن يحصل عليه بعيداً عن المؤسسات الرسمية هو أن يكون “فنان الشعب”!
ولكن من يمكنه منح هذا اللقب، بعد أن تمت مصادرة وتأطير توجهات أفراد الشعب على تعدّد مشاربهم؟
ألم يصبح الهاجس العام لدى غالبية الفنانين السوريين في وقت ما، هو الحصول على رضا النظام، والشركات التي تأتمر بأمره، فتكرّسُ فلاناً وتستبعد علّاناً، وتمنح هذا لقباً، وتغمض عن ذاك، كل سبل النجاة من البطالة، فيقضي عمره في صالون مديرية المسارح والموسيقا، يدخن، ويشرب القهوة، ويمارس النميمة على أولئك الذي صاروا أبطال المشاهد كلها؟
كانت منحة النظام الأهم لمن يرضى عنهم من أهل الفن، هي أن يمنحهم رئيس الجمهورية “وسام الاستحقاق”، ولو كان للسوريين في كونٍ موازٍ من خيارات حرة، لكان الوسام ومانحه ودولته وكل مؤسساته، أولى الأشياء التي سيسخر منها مولييرهم المفقود!