- الإعلانات -
يحيى حقى يكتب: أشجان عضو منتسب

عمرى القصير فى الفن قد جاوز نصف قرن وأحمد الله على ذلك لأن هذا الطول أتاح لى أن أشهد فى نفسى تحولًا عجيبًا ولولاه لما شهدته
ثراء نسيج المجتمع فى الحضارة الغربية ليس سببه تشابك خيوط فحسب بل لأن هذا التشابك يجد أسانيده فى مقولات الفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد
يتجلى يحيى حقى «١٩٠٥-١٩٩٢» فى الصمت أكثر من الكلام، ويتألق فى الظل أكثر مما يتألق سواه فى النور، وكأنه راهب زهد فيما رغب فيه الآخرون وعاش حياته مستمتعًا بما يفعل ولا يسأل نفسه عن المنافع.. مثقف من جيل النهضة الذى ولد فى بداية القرن وخط الحروف الأولى فى كتب البدايات.. لا شك أنه رائد القصة القصيرة الواقعية فى مصر، لكنه لم يكرس فى هذا الموقع لاعتبارات مختلفة منها سفره الطويل للخارج قبل ثورة يوليو كدبلوماسى هام، ثم اصطدامه بعد تفرغه للعمل الثقافى بثورة يوليو فى بدايتها، حيث نقل عنه انتقادات أثارت غضب الرئيس جمال عبدالناصر فى عام ١٩٥٤ وكان وقتها أول وآخر رئيس لمصلحة الفنون، وقيل إن ثروت عكاشة تدخل لصالحه وأقنع عبدالناصر بنقله مستشارًا فنيًا لدار الكتب، لكنه اكتشف أن الوظيفة صورية فاستقال، وبقى فى المنزل حتى عام ١٩٦٢ عندما أعاده ثروت عكاشة رئيسًا لتحرير «المجلة»؛ فحولها لمنبر ثقافى رفيع ومدرسة نقدية عامة، وظل يرأس تحريرها حتى ١٩٧٠ عندما استقال مرة أخرى وترك رئاستها للناقد شكرى عياد، ولم يعد يحيى حقى للعمل الحكومى مرة أخرى وظل متفرغًا للكتابة والقراءة ما يقرب من اثنين وعشرين عامًا حتى وفاته.. كان قليل الإنتاج، قليل السعى للشهرة والمناصب، لكن ما كتبه على قلته صار من عيون الأدب العربى وكلاسيكياته، ومن ينسى «قنديل أم هاشم» و«البوسطجى» و«دماء وطين»؟! والحقيقة أن مقالات يحيى حقى لم تكن تقل امتاعًا عن قصصه القصيرة، ومن حسن الحظ أنه تفرغ بعد خروجه للمعاش لجمع مقالاته وإصدارها فى كتب مختلفة ذات أسماء جذابة عن الهيئة العامة للكتاب، وأظنها صدرت بعد وفاته تباعًا فى طبعات مميزة ذات غلاف أزرق.. حصل يحيى حقى على جائزة الدولة التقديرية فى الأدب عام ١٩٦٩، وعلى وسام فارس من الدرجة الأولى من فرنسا، وعلى جائزة الملك فيصل العالمية فى الأدب، لكن الحقيقة أنه كان أكبر من أى جائزة، وأنه ظل بحياته واختياراته وأدبه وعلاقته بالكتابة نموذجًا فريدًا يندر تكراره.. فى السطور التالية ننشر جزءًا من سيرة كتبها لنفسه وبدأها بالحديث عن علاقته بالكتابة تحية لروحه وتعريفًا للأجيال الجديدة بعملاق مصرى اسمه يحى حقى.
وائل لطفي
مطلوب منى أن أكتب هنا سيرتى الذاتية،
التحدث عن النفس!
يا له من لذة ساحرة، تواضعها زائف،
يا له من ملل فظيع، يستحب معه الانتحار.
أغلب أحاديثنا- بعد كلمتين ليس غير- تتحول من الموضوع- أيًا كان- إلى الذات، الشكوى أو الافتخار، ولكنى أحس أنهما ينبعان من نزعة واحدة متكتمة: استجداء تبرير الوجود.
وأنت معذور حين تقرأ هذه السيرة بعد قليل إذا حكمت- ولا أقول ظننت- أننى لكى أكتبها قد تزينت وجلست أمام مرآة أتغزل (كم أود أن يكون بين الاختبارات النفسية دراسة مجاوبة الشخص لصورته فى المرآة: العجب، عدم التصديق، الافتتان، النفور) ولكن ثق- وهذا عشمى فيك إن كنت لا تعرفنى- أن شيئًا من هذا لم يحدث. أنقذتنى حيلة بسيطة، التجأت إلى مقص قطع لى فقرات من أحاديث عديدة ظهرت لى فى الصحف والمجلات (يملأون فراغها على قفانا بالمجان!).
ولصقت بعضها إلى بعض، مضيفًا هنا، منقحًا هناك…
ومع ذلك فصورتى فى هذه المرآة هى جلسة أمام فوتوغرافى محترف، يسلط على أضواء أعشى لها، وأعوج رقبتى لکى تعتدل فى نظره، وأبتسم بلا سبب، صورتى فى هذه الأحاديث مأخوذة خطفًا- أحيانا وأنا فى مباذلى، فهى أصدق. وهكذا أبرأت ذمتى منك وزيادة.
ولكن هذه السيرة ستقیس عمرى بالسنين والأيام، وما هو بالقليل… طظ! لا قياس عندى لعمرى إلا بهذه اللحظات القليلة النادرة التى نبض فيها عرق فى روحى مهتزًا بجذل قدسى عند التقائى بالفن، متلقيًا ومعبرًا. قمة هذا الجذل عند التقائى بالشعر والموسيقى- على قدم المساواة- ثم النحت، ثم التصوير، ثم العمارة. لست أدرى أين أضع بينها لقائى برشاقة الإنسان فى فن الباليه.
يعلو كل هذا جذل اللقاء بفن أعظم وأجل: فن الطبيعة وجمالها، لو أفضت فيه لاحتجت أن أكتب مجلدًا ضخمًا… لحظات قليلة نادرة، ولكنى عرفت بفضلها طعم السعادة وحمدت ربى عليها حمدًا طويلًا لا يتقطع…
ولا ولوج إلى ساحة السعادة- فى اعتقادى- إلا من أحد أبواب الثلاثة: الإيمان والفن والحب، لا شىء يشع بها مثل هذا الخشوع الذى أراه فى المعابد. وإذا كان الحب هو أكثرها التصاقًا بالصلصال والحمأ المسنون، وبالزمان والمكان والصدف، فإنه شرط ارتفاع الإنسان عن مرتبة الحيوان، وكان الإيمان أكثرها طموحًا لأنه يطلب الله لا الناس، الخلود فى الآخرة لا العبور فى الدنيا، فسيبقى الفن وسطًا جامعًا للطرفين، يا لها من منزلة!
وقد عرفت مقامى منذ وعيت لهذا العرق الذى ينبض فى روحى، لست من الملهمين، ولا لى صاحب فى وادى عبقر. الإلهام نور ساطع كاشف لجميع آفاق الروح والعالم، يهبط على من يختاره دون سبب ظاهر، فيتلقاه بغير سعى منه إليه. ما أبعد الفرق بين هذا النور وبين أزيز الشرارة الخاطفة التى أحس بها وهى تنقد أحيانًا فجأة ثم تنطفئ لتوها. إنها لا تنير لى إلا دربًا ضيقًا وسط غابة كثيفة، يؤدى إلى كنز صغير لا يفرح به الأثرياء…
حتم على أن أشرئب لكى أصطادها (وضعت هذا فى قطعة بعنوان «الشاعر بصير» ستجدها فى أحد مجلدات هذه الطبعة) تنطفئ هذه الشرارة وتتركنى لكى أشقى غاية الشقاء حتى يتفصد العرق من جبينى من أجل أن أصل إلى هذا الكنز الذى رأيته- بل قل حدسته- من بعيد، كأننى أنحت فى صخر. وحتم على أن أزيل عن العمل كل آثار العرق، ليظن الناس أنها ولادة سهلة.
إننى ممن يدخلون معبد الفن من أشد أبوابه ضيقًا وعسرًا، وليست هذه الشرارة بزوارة، لهذا كنت من المقلين، أسمعهم يعيبون هذا علىّ، كأنهم يطلبون منى أن أكون من المدلسين. يكفينى الصدق.
ومع هذا فإن عمرى القصير فى الفن- إنه مجموع لحظات خاطفة عابرة- قد جاوز نصف قرن، وأحمد الله على ذلك، لأن هذا الطول أتاح لى أن أشهد فى نفسى تحولًا عجيبًا، ولولاه لما شهدته.
كانت الذات تندلق على الموضوع فى مطلع هذا العمر. هذا الاندلاق سهل، وله فرحة، واسترضاء للأنانية. وكنت أشعر بشىء من الضيق دون أن أعرف سببه على وجه اليقين.. سببه أننى كنت خاضعًا لبداية لا بد منها. إنها مرحلة ستمر، ولكن متى وكيف.. إنها حموة الموسى!
وبدأ التحول شيئًا فشيئًا حتى تم أواخر عمرى، أصبحت الآن أحس إحساسًا واضحًا قويًا أننى لست إلا بوقًا، لا قيمة له فى ذاته، ولكن قيمته أن إرادة لا ندرى سرها قد اختارته لکی تهمس منه- على تقطع- سليقة اللغة والتراث، مختلطة بأشجان الإنسان منذ أعز أجدادى- ساكن الكهوف- حتى اليوم..
أشجان الإنسان- أولًا- فى علاقة روحه بربه، نسيانه لها- كما قال هو فى كتابه- أشد عذاب تتوجع له وتئن.. بالكون: أين وكيف ينسلك فى نظامه، يدخل خانته.. بالقدر: بين الثورة عليه والرضاء به.
ينعكس هذا كله على المجتمع المتقلب ليستطيع أن ينطق بلسان إنسان ويجد من يفهمه، فليس من المفارقات قولى: إن الفن للفن هو المدخل الوحيد للفن من أجل الحياة.
ورغم أن هذا البوق قد عزلنى فقد استطعت أن أعوض لذة البوح بلذة المراقبة، كأننى شاهد واقف على جنب، يطل على شىء عجيب يحدث أمامه، ويحاول فهم سره، ثم لا ينقضى عجبه منه، الفن بهذا المعنى هو النغمة لا الوتر، الزهرة لا البستانى، النشوة لا قينة الحان.
ولو بقيت وحدى لزهقت روحى، أو جفت وذرتها الرياح، لابد للنحلة من خلية. وجدت الصحبة والراحة والاطمئنان، كما وجدت المدرسة التى أستكمل فيها تعليمى حين قدمت ما رضيت عنه من أوراقى إلى نادٍ عجيب. إنه وقف على من لمسهم الفن بعصاه السحرية، أيًا كان عصره أو لغته أو دينه أو جنسه أو لونه، والرجال والنساء سواسية- هم داخله أحياء، بينهم تواصل الأخوة وتراسل لا ينقطع، فسمح لى أن أنضم إليه، عضوًا منتسبًا!
عرفت أننى- حتى قبل انضمامى إليه- كنت أكتب لهم.
هم الذين يطلون علىّ من وراء كتفى وأنا أكتب، أصبح رضاؤهم هو مطلبى الوحيد. لا تخلو ورقة لى من أثر خافٍ لبصماتهم، أو من إشارة مستترة إلى أعمالهم، فلغة أهل هذا النادى صريحة «وشفرة» فى آن واحد، ولا تجد حريتها إلا فى استعبادهم لها.
وأول مادة فى قانون هذا النادى هو توقير الكلمة سواء كانت من حروف أو أنغام أو حجر أو لون.
لا طرد من هذا النادى لجريمة سوى جريمة العبث بكرامة هذه الكلمة.. فماذا يبقى لهم؟.. ليس لهم جزاء سواها.
■ ■ ■
رضيت بنشر هذه الطبعة الكاملة لمؤلفاتى لقيمتها التاريخية أولًا، فالمتاحف قد تكون أولى بها من المكتبات- فأنت ستطل على مسار نصف قرن، يفترق عن المسارات الأخرى، فإنه لم يأخذ من حيث أنهی سابقه مع تماثل أو تقارب فى المستويين، بل أخذ بدايته من البداية، فكتبت له الريادة ولو رغم أنفه، لذلك كانت خطواته الأولى عسيرة متخبطة.
كان علينا فى فن القصة أن نفك مخالب شيخ عنيد شحيح، حريص على ماله أشد الحرص، تشتد قبضته على أسلوب المقامات، أسلوب الوعظ والإرشاد الخطابة، أسلوب الزخارف والبهرجة اللفظية والمترادفات، أسلوب المقدمات الطويلة والخواتيم الرامية إلى مصمصة من الشفاه، أسلوب الواوات والفاءات والثمات والمعذلکات والرغمذ لكات واللاجرمات والبيدأنات واللاسيمات، أسلوب الحدوتة التى لا يقصد بها إلا التسلية.
كنا نريد أن ننتزع من قبضة هذا الشيخ أسلوبًا يصلح للقصة الحديثة كما وردت لنا من أوروبا، شرقها وغربها (ولا أتحول عن اعتقادى بأن كل تطور أدبى هو فى المقام الأول تطور أسلوب).
كان علينا أن نضرب على يد من يحكى لنا قضية جنائية، ويقول اكتبوها فهى قصة جميلة حقًا، ونقول له: القصة شىء مختلف أشد الاختلاف. وكان علينا آخر الأمر أن يقبل الناس ادعاء إنسان ما أن له الحق فى إعادة صياغة الواقع، حتى ولو وقف عند هذا الحد ولم يضف قوله: إعادة صياغة بحرية لها أخلاقياتها التى قد تعد عند الناس زيفًا أو اجتراء، كان من العسير أن يتقبل الناس هذا، وأعترف لك أننى إلى اليوم أنتفض من شدة الضيق والكرب حين أقرأ: الفنان الخالق، فلان خلق هذا العمل…
إنى لا أعترف بخالق إلا بالله وحده، أحب أن أكتب بدلها: هذا هو ابتكار الفنان، الفنان المبتكر، (لعل هذا هو سر موقف المسلمين- ولا أقول الإسلام- من النحت والتصوير).
وكان لا بد لنا أن نعمل حتى يكف الناس عن سؤالنا: وما هو المقصود من هذه القصة؟ تلك العبارة التى كانت ترد بعد ختام كل حكاية فى كتاب القراءة والمطالعة، فالمقصود من حكاية أن عدوًا عاقلًا خير من صديق جاهل، وأن العاقل من اتعظ بغيره والجاهل من اتعظ بنفسه.
ومما زاد من المشقة والعسر فى الخطوات الأولى أن الفصحى لم تكن قد أفلحت بعد فى أن تسمی لنا أشياء نلمسها بأيدينا أو أفكارًا مجردة تطوف بعقولنا، أو ظلال عواطف تلم بقلوبنا، وإذا صدقنا عددًا غير قليل من المستشرقين لاعتقدنا أن هذه المشقة لم تكن عالقة بمرحلة البداية وحدها، بل هى ممتدة لأنها ناجمة من خصائص الأسلوب العربى، فهم يصفونه بأنه أسلوب يسير على خط أفقی مستقیم، سطح ولا عمق، لا يتركب منه بناء ينمو شيئًا فشيئًا، إنه دلق البضاعة كلها دفعة واحدة أمام الزبون، إنه- كما فى مآدبنا- وضع جميع الأطباق على المائدة فى رتل متلاصق قبل جلوس الضيوف، فالذى ينبغى أن يؤكل ساخنًا يؤكل باردًا، ويزعمون أن أسلوب اللغات الغربية- وبالأخص الإنجليزية والفرنسية- هو أسلوب يشبه عمل فنان يرسم لوحة، إنه يبنيها خطًا خطًا ولمسة بعد لمسة من فرشاته، ناظرًا طوال الوقت إلى التناسب والشكل التركيبى للوحة وموضع كل خط وكل لمسة فيه، بل إنهم يذهبون إلى حد تفضيل الجملة الاسمية- وهى من خصائص لغاتهم- على الجملة الفعلية وهى من خصائص العربية…
وكل هذا كذب فى كذب، وحماقة ليس بعدها حماقة، فليست اللغة كائنًا مستقلًا عن الفكر الذى يقودها، فحين يلزم الفكر المستخدم للعربية ما ينبغى لكل فکر، من وضوح وبصر وجد وعمق، فإن لغتنا الفصحى لن تكون أقل قدرة على الأداء من لغات هؤلاء المستشرقين الأجلاء، فالعيب ليس فى اللغة، بل فينا نحن أنفسنا.
ولكن ينبغى لى أن أعترف وأقرر أن مشقة الخطوات الأولى فى انتزاع أسلوب القصة من أسلوب المقامات تمثلت أكثر ما تمثلت لدى من كان يقرأ الآداب الغربية بلغتها غير مكتف بالترجمات إن وجدت، فإن الذى كان يراد اقتباسه من الغرب لا فن القصة وحده بل أسلوب وصياغتها، وتستطيع إلى اليوم أن تلحظ الفرق بين أسلوب قصصى له اطلاع على الآداب الغربية بلغتها وأسلوب قصصى لا يعرف غير العربية.
وقد داعبتنا اللغة العامية أول الأمر فهممنا أن نجرى إليها- لا هربًا من مشقة الفصحى فحسب- بل لأننا كنا نتلهف أن يكون الأدب صادق التعبير عن المجتمع، ولكننا تحولنا- كأنما بدفاع غريزى- إلى الفصحى، لأنها هى الأقدر على بلوغ المستويات الرفيعة، على ربط الماضى بالحاضر، على توحيد الأمة العربية، ومن الممتع أن ندرس كيف ساير تأثير العروبة على الأدب المصرى تأثيرها على سياستنا القومية.
ومما زاد من المشقة والعسر فى الخطوات الأولى أننا- نحن القصصيين- كنا نعيش فى شبه عزلة عن أبناء الفنون الأخرى، مع أن المشكلة عندنا جميعًا واحدة، ولا بد أن ينتفع بعضنا بتجارب بعض، لكى يتساوى الخطو إلى الأمام على الأقل فى جميع ميادين الفن. بسبب هذه العزلة كان لا بد لعملنا أن يكون هشًا وفقيرًا مهما ملك من ماله الخاص، (لهذا الفقير أسباب أخرى سأعرضها فيما بعد) أقول: كنا فى شبه عزلة، إذ كانت لنا اتصالات لم تتصف بالنشاط مع أبناء الفنون الأخرى، نعد أنفسنا زمرة واحدة تضمنًا وتضم مختارًا، وسيد درويش، ويوسف كامل، وأحمد صبرى… وعددًا آخر غيرهم.
والعجيب أن هذه العزلة ممتدة حتى اليوم، بل يخيل لى أنها تفاقمت، وكان المنتظر وقد زاد عدد المشتغلين بالفنون اليوم عن عددهم فى أيامنا الأولى أن تعمل هذه الزيادة على تيسير القضاء على تلك العزلة، فإذا بها تزيدها مشقة، فلا لقاء فى زحام شديد.
■ ■ ■
لم نكد نضع أقدامنا على أول الطريق حتى طارت بنا آمالنا، كأن القصة وقد سكتت لاقتحامنا لحماها، فأردنا أيضًا أن ندخلها بحمارنا، لم نكتف بالاقتداء بالقصة المستوردة، بل أصبحنا نطمع فى أن ندخل تجديدًا على شكلها داخل إطارها الذى عرفناه لها أى دون أن نخرج عنه، فكان منا من سبق إلى كسر الترتيب الزمنى ولجأ إلى «الفلاش باك»، أو من زعم أنه كتب قصة لها شكل دائرى، أى تنتهى من حيث بدأت.. إلخ.. إلخ.
ثم قفزنا بعد ذلك سريعًا إلى مطلب أهم، أن تكون لنا قصة مصرية لحمًا ودمًا، تنبع من خصائصنا وتدل علينا.. لكننا لم نستطع أن نتقدم فى هذا الطريق (لذات الأسباب التى وعدتك أن أعرض لها فيما بعد) وكان لا بد لهذا المطلب أن ينتظر حتى تمد الفنون الشعبية رواقها فى ظل الاشتراكية، وتمثل تحقيق هذا المطلب أكثر ما تمثل فى المسرح.
يجب أن أعترف أن أغلب المنجزات فى هذا الميدان غير مقنعة، وتبدو أحيانًا مضحكة. إن اعتناقنا للاشتراكية لم يفرض أن يندرج أدبنا وآداب الأمم الاشتراكية فى وحدة واحدة، ناجمة من وحدة المذهب، أو وحدة المجتمع الذى قام أو يراد إقامته، ولكننا قلنا إن اشتراكية مصرية ليست صورة طبق الأصل من نظام اشتراكى أجنبى. لذلك ساغ حتى فى ظل الاشتراكية السعى إلى ظهور أدب محلی صمیم.
وبجانب هذا التيار تيار آخر، تیار ثقافة مترفة تقول بعالمية الفن دون نظر إلى انقسام هذا العالم إلى اشتراكية ورأسمالية، فالفن عنده جوهر واحد لا يقبل الانقسام، وله هدف واحد لا يتعدد.
وقد حاولنا عقد صلح بين التيارين فقلنا: إن كان الفن نهرًا عظيمًا فلأنما له روافد عديدة، كل منها له ذاتيته وخصوصيته، ويجب أن نعمل وفقًا لهذا الفهم.
لكى أشرح الأسباب الأخرى لهذا الفقر الفنى الذى عانيناه فى مراحلنا الأولى دعنى ألجأ إلى التشبيه فإنى من المغرمين به، حصيرة الصلاة عندنا، قد تعد نقوشها- مهما بلغت بساطتها- تعبيرًا عن ذوق فنى جميل وأصيل، ولكن اقلبها وتأملها، ستجدها مجدولة من ساقين لا غير من سيقان القش، حتى بالعرض وحده، دون الطول، ارتفاع سطحها عن الأرض يحدده غلظ الساق وحده، حقا لها ظاهر وباطن ولكن ليس لها عمق. قارن بها سجادة عجمية، دعك من فنون سطحها- بهرجة ووقار وأصالة مولودة فى عصر حديث- اقلبها وتأملها، ستجدها سيمفونية من خيوط متشابكة من عقد عديدة، وكلما زادت العقد زادت القيمة، لها دون الحصيرة عمق وتشابك.
كان المجتمع الذى بدأنا كتابة القصة فيه يشبه هذه الحصيرة، فكان لا بد للقصة أن تكون مثلها فى البساطة والسطحية، وكيف تريد لها أن تثرى وتتعمق دون أن تكون بجانبها حركة نشيطة فى الفلسفة، فى الاجتهاد الدينى، فى الدراسات التاريخية واللغوية- مجتمع بسيط، لا انکشاف يعد فيه لفروق بليغة ومصادمات بين المصالح، كان هناك جوار لا اشتباك.
إن ثراء نسيج المجتمع فى الحضارة الغربية ليس سببه تشابك خيوط فحسب، بل لأن هذا التشابك يجد أسانيده فى مقولات الفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد، ولكن المجتمع الغربى يشترى هذا الثراء الآن بثمن باهظ، هو تفتت الشعب إلى خلايا مغلقة على ذواتها، لا تدافع إلا عن مصلحتها هى أولًا، فلنحذر هذا..
وقد تجلى هذا الخلاف بين حصيرة الصلاة والسجادة أكثر ما تجلى فى الترجمة، فهى ليست نقل لفظ إلى لفظ، وحتى لو كان الأمر كذلك ففى اللغات التى نترجم عنها تنشأ كل يوم تقريبًا ألفاظ جديدة ليس لها مقابل عندنا، إنها ليست ألفاظ مبتكرة، فقد انقطع عهد الابتكار فى اللغة، بل هى ألفاظ مألوفة ولكن خصصت لها معانٍ جديدة لم تكن لها من قبل، فاستقلت بها دون معانيها السابقة، أو مع معانيها السابقة، وأصبحت الألفاظ غير معبرة عن معانيها فحسب، بل عن علاقات يعكسها نسيج المجتمع.. فلا يمكن أن نترجم سجادة عجمية إلى حصيرة صلاة.
ولا ينطبق هذا الكلام بطبيعة الحال على الترجمة فى ميدان العلوم، ولكن أصدق مثال عليه تجده فى المسرح، وهو أكثر الفنون عكسًا للمجتمع إذ يتكلم بلغته. ما أكثر ازدحام مكتبتنا العربية بمسرحيات مترجمة، لماذا لا نعترف أن العديد منها غير مفهوم، بل بعضها يدعو إلى الضحك.
لا شك أن مجتمعنا يتحول بسرعة من هذه الحصيرة إلى تلك السجادة.. ومع انتشار التعليم ومحو الأمية سيبرأ إنتاجنا الأدبى من الضحالة والسطحية، ومن هذا القدر الهائل من البديهيات، وكل بديهية لها رنين الحكمة..
كل هذا ولم أقل لك كلمة واحدة عن سيرتى وحياتى.. إليك بعضا مما تريد.
من كتاب الأعمال الكاملة لـ«يحيى حقى»- نهضة مصر
- الإعلانات -
#يحيى #حقى #يكتب #أشجان #عضو #منتسب
تابعوا Tunisactus على Google News
- الإعلانات -
