- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

- الإعلانات -

الفن الروسي تحت وطأة الحرب.. بين شقيّ الرحى

أول ما يسترعي الانتباه في موقف العالم من روسيا الآن، نجاح القوى الناعمة في تقليص النفوذ الثقافي الروسي في المحافل الدولية. فلم يكد يمر أسبوع واحد من إقدام فلاديمير بوتين على حربه العدوانية ضد أوكرانيا، حتى استُبعد الروس من جوائز السينما الأوروبية، ولم يسمح لهم اتحاد البث الأوروبي بالمشاركة في مسابقة الأغنية لهذا العام، بحجة أن إدراج روسيا قد يضر بسمعة هذه المنافسة السنوية، في ضوء الأزمة غير المسبوقة في أوكرانيا. وبالتالي لم تُحرم روسيا من المشاركة في نهائي دوري أبطال أوروبا وسباق الجائزة الكبرى للفورمولا 1 فحسب، بل أيضًا تم حذفها من المشهد الفني العالمي بأكمله.

العالم يدير ظهره للفن الروسي

لم تكن بلدان أوروبا وحدها هي من اتخذت إجراءات حاسمة، فما لبثت أوبرا ميتروبوليتان في نيويورك أن أعلنت عن موقفها من الحرب الدائرة عبر مقطع فيديو لبيتر غيلب، المدير العام للدار، قال فيه: “في الوقت الذي نؤمن فيه إيمانًا راسخًا بالصداقة القوية والتبادل الثقافي القائم منذ فترة طويلة بين الفنانين والمؤسسات الفنية في روسيا والولايات المتحدة، لم يعد بوسعنا التعاون مع الفنانين أو المؤسسات التي تدعم بوتين أو التي يدعمها، إلى أن يتوقف الغزو”. وبالمثل جاء قرار هوليوود بمقاطعة صالات العرض الروسية وعدم تزويدها بعروض جديدة ليمثل مزيدًا من النفي للوجود الفنيّ الروسي.

a2121204 f377 466a 80dc a97ade40acf8
إدارة مسرح بورد غايس في دبلن ألغت عرضين لباليه “بحيرة البجع” كان من المقرر أن يتم تقديمهما في أواخر هذا الشهر

لكن الموقف الذي تتصاعد وتيرته يومًا بعد يوم بدأ في أوكرانيا بمبادرة عدد من الفنانين والمفكرين، من بينهم وزير الثقافة ألكسندر تكاتشينكو، إلى دعوة الدول كافة إلى فرض عقوبات “للحد من وجود روسيا في الساحة الثقافية الدولية”، تضامنًا مع بلدهم. وفي بيانهم الموقع طالبوا بحظر الفنانين الروس في المعارض الدولية مبررين ذلك بأن “روسيا هي بالفعل دولة شمولية، وغالبًا ما تنتقي أدواتها من الدعاية الحكومية… الاتحاد الروسي دولة مارقة. والثقافة الروسية حين تُستخدم كدعاية تصبح سامة!”

كان من بين الموقعين على هذا البيان، غالينا غريغورنكو، رئيسة الوكالة الحكومية الأوكرانية للفنون والتعليم الفني، وفولوديمير شيكو، مدير المعهد الأوكراني، وعدد من مخرجي الأفلام، وقائدي الفرق الموسيقية، والموسيقيين والفنانين. طالب البيان كذلك بإلغاء جميع المشاريع التي تشارك فيها الحكومة الروسية ووقف عمل المراكز الثقافية الروسية في المحافل الدولية، وحث على حظر المشاركين الروس في بينالي البندقية ودوكومنتا وآرت بازل وفي المهرجانات السينمائية الدولية، بالإضافة إلى استبعاد المرشحين الروس من المسابقات الدولية، مستشهدين بقرار اتحاد البث الأوروبي منع روسيا من المشاركة في مسابقة الأغنية الأوروبية لهذا العام.

في الوقت نفسه أعلن متحف كراج للفن المعاصر في موسكو أنه لن يقيم أي معارض في أثناء اندلاع الحرب، رغم تأكيده الحجز بالفعل بدءًا من 16 آذار/مارس، لكن الحظر الروسي عمل على تأجيلها إلى أجل غير مسمى.

تصاعد الموقف إلى حدّ بدا غير معقول أحيانًا حين طُلب من النجمة السوبرانو آنا نيتريبكو، وقائد الأوركسترا فاليري غيرغيف، الإعراب عن رأيهما صراحة فيما يقترفه بلدهما، لكن غيرغيف التزم الصمت، وهو ما أفضى إلى إقالته من أوركسترا ميونيخ الفيلهارمونية. وشيئًا فشيئًا امتد الحظر إلى التراث الروسي بحذف أوركسترا زغرب الفيلهارمونية مقطوعتين لتشايكوفسكي من برنامج الحفل، واستبدالهما بمقطوعتين لبيتهوفن وصامويل باربر، وهو ما حذت حذوه إدارة مسرح بورد غايس في دبلن التي ألغت عرضين لباليه “بحيرة البجع” كان من المقرر أن يتم تقديمهما في أواخر هذا الشهر، وكذلك قام مسرح هليكس التابع لجامعة دبلن بإلغاء عرض لتشايكوفسكي.

فاليري غيرغيف التزم الصمت وهو ما أفضى إلى إقالته من أوركسترا ميونيخ الفيلهارمونية 


تحجيم الوجود الشرقي على المسرح الدولي

وبينما يخشى المشهد الفني الروسي مزيدًا من النبذ والاستبعاد، يشمر الغرب عن سواعده لتوقيع مزيد من العقوبات كل يوم على فناني روسيا. فهل تصبح المقاطعة أداة الأمر الواقع للمنسقين والمؤسسات الغربية المعنية بالتوترات المتزايدة في أوكرانيا؟ وهل يتم الدفع بالفنانين الروس نحو اتخاذ موقف إيجابي تجاه حكومتهم أيا تكن تبعاته، أم أنه من قصر النظر ربط المشهد الفني الروسي بأكمله بما تفعله الحكومة!

تعتقد بعض الشخصيات البارزة في روسيا أن مساحة النشاط السياسي تم تضييقها بالفعل منذ عام 2014، وبات من المستحيل الاحتجاج على ما يحدث. يقول دميتري فيلينسكي، عضو مجموعة “شاتو ديلات” الفنية الروسية: “معظم الناس في المشهد الفني الروسي المعاصر لا يؤيدون التحول الرجعي في السياسة الثقافية الروسية وبالتأكيد لا يدعمون أي [عمل] عسكري واستعمار في أوكرانيا، ولكن الرقابة الصارمة حالت دون التعبير عن وجهات النظر المخالفة علانية، بصرف النظر عن المشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي”. والعديد من الروس يشعرون بالفعل بالإقصاء وخيبة الأمل لأن تجربة أوروبا الشرقية تم تهميشها بالفعل من قبل البيناليات الدولية والفعاليات الكبرى: “هناك بالفعل مقاطعة غير مكتوبة، ولكن ليس فقط للفنانين الروس. يبدو أن الوجود الأوروبي الشرقي بأكمله غير ممثل على نحو يدعو للأسف على المسرح الدولي”.

تقول إيكاترينا إيراجوي، مصممة صالات العرض في موسكو: “لقد شعر الكثير منا بالعزلة الشديدة لبعض الوقت، الوضع يزداد كآبة يومًا بعد يوم”. ولكنها من زاوية أخرى ترى أنه “ليس من الحصافة ربط المشهد الفني الروسي بأكمله بما تفعله الحكومة”.

غير أن روح المشاركة في الفن الاجتماعي لم تفعل شيئًا يذكر لتعزيز الحوار بين الدول المتحاربة. وفقًا للناقد الفني المقيم في موسكو، سيرجي جوسكوف، “فإن عالم الفن فقد أي ادعاء بوجود لغة عالمية مشتركة، لا أتحدث فقط عن اللغة الإنكليزية، فالجدران تُقام في كل مكان”. وفي روسيا، يشير الكثيرون إلى نقص التمويل العام للفنون، لكن هذا لم يمنع بعض المعارض الأجنبية من التقدم والمشاركة بشكل أكبر في البلاد. فيما تقر أولغا تيمنيكوفا، مصممة المعارض الفنية: “لا يوجد الكثير من الدعم من الدولة للفنون في روسيا، أو بالأحرى لا يوجد دعم على الإطلاق”.

a2121204 f377 466a 80dc a97ade40acf8
فلاديمير أورين في لقاء مع بوتين


لا مكان للفن عندما يموت المدنيون

وبينما يعتبر البعض إقالة غيرغيف غير قانونية بل وتتنافى مع قواعد الحرية، ذهب آخرون إلى إدانة الفن حين يتخذ موقفًا حياديًا في الظروف العصيبة. بحسب كريستيان سولميكي، المحامي الإعلامي في كولونيا، فإنه رغم كل شيء “حرية التعبير مكفولة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والدستور الألماني”. ولا يمكن لصاحب العمل إجبار موسيقي على أن يدلي برأيه السياسي، لأن الحق في حرية التعبير يخوِّل لفاليري غيرغيف التزام الصمت بشأن موقفه أو التعبير عنه بشكل غير مباشر فقط. يتفق معه الكاتب الألماني جوليان نيدا روملين، عبر إذاعة دويتشلاند فونك، معارضًا ما يحدث: “أعتقد أن الإضرار بالعلاقة مع الفنانين والثقافة الروسية أمر خاطئ، لأننا كمجتمع يجب أن نكون قادرين على تقبل آراء مختلفة”. وأضاف أنه لم يكن ليطرد غيرغيف ولم يكن ليسأله عن موقفه من الأساس.

على النقيض تمامًا، يأتي موقف عازف البيانو والناشط السياسي الروسي إيغور ليفيت الذي أعلن بوضوح على “تويتر”: “كونك موسيقيًا لا يحررك باعتبارك مواطنًا من تحمل المسؤولية”، مضيفًا هاشتاغ #StandWithUkraine.

من وجهة نظر ليفيت وفريقه فإن التحدث علنًا عن السلام من دون إدانة بوتين أمر غير مقبول أيضًا: “إن البقاء غامضًا عندما يشنّ رجل، وخاصة الرجل الذي يتولى قيادة بلدك، حربًا على دولة أخرى، وعندما يتسبب أيضًا في معاناة أكبر لوطنك ولشعبك، أمر غير مستساغ”.

على الرغم من التهديد بالقمع، فإن مقاومة الفنانين الروس في بلادهم ما زالت قائمة بل وتزداد قوة، بمن في ذلك مؤلفو كتب الأطفال الذين يحثون بوتين على إنهاء الحرب في أوكرانيا. وكان المدير الفني لمسرح البولشوي، فلاديمير أورين، الذي يعتبر من أنصار بوتين والذي يحمل اللقب الفخري “فنان الشعب الروسي”، من بين الموقعين على عريضة موجهة إلى “كل من يعتمد عليهم، وجميع أطراف النزاع، لوقف القتال والجلوس إلى طاولة المفاوضات”. كما استقال عدد من كبار العاملين في مجال الثقافة، بمن فيهم القيمون والفنانون للجناح الروسي في بينالي البندقية للفنون. وذكر كل من ألكسندرا سوخاريفا وكيريل سافتشينكوف، في منشور على “إنستغرام”: “لا مكان للفن عندما يموت المدنيون تحت نيران الصواريخ وعندما يختبئ مواطنو أوكرانيا في الملاجئ وعندما يتم إسكات المعارضين الروس”.

على الجانب الآخر، أقام قائد الأوركسترا الشهير بافو يارفي حفلًا موسيقيًا مع أوركسترا الشباب الروسي في موسكو في 28 فبراير/ شباط، رغم تحريض أصدقائه له بإلغاء الحفل ومغادرة روسيا. “بعد تفكير عميق، توصلت إلى استنتاج مفاده أن هذا سيكون نوعًا من الانهزامية والخيانة للموسيقيين الشباب الرائعين في أوركسترا الشباب الروسي، الذين يشعرون بالارتباك والتمزق والصدمة، والذين يعارضون هذه الحرب بقدر ما أعارضها”- هذا ما كتبه على موقعه على الإنترنت. وأضاف: “لا ينبغي ولا يمكن معاقبة هؤلاء الشباب على الأعمال الوحشية لحكومتهم”.

إن مقاطعة المؤسسات الروسية تؤثر أيضًا على الفنانين الذين ينتقدون النظام، كما يقول المخرج الأوكراني سيرجي لوزنيتسا: “بالرغم مما يحدث أمام أعيننا وإن كان فظيعًا، فإني أطلب منكم ألا يصيبكم الجنون. علينا ألا نحكم على الأشخاص بناءً على جوازات سفرهم فقط”. وفي خطاب مفتوح إلى الاتحاد المصري لكرة القدم قال لهم: “يمكننا الحكم عليهم بناءً على أفعالهم”، مضيفًا أن “جواز السفر مرتبط بالمكان الذي صادف أن نولد فيه، في حين أن الفعل هو ما نقوم به عن طيب خاطر”.

- الإعلانات -

#الفن #الروسي #تحت #وطأة #الحرب #بين #شقي #الرحى

تابعوا Tunisactus على Google News

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبولقراءة المزيد